مقالات
نجيب محفوظ.. مرآة النهضة وذاكرة الأمة

بقلم : غادة محفوظ
في ذكرى رحيل نجيب محفوظ، لا نستحضر مجرد روائي نال جائزة نوبل، بل نواجه حالة مصرية متفرّدة جمعت بين الذاكرة الوطنية والوعي الإنساني، وأعادت تشكيل المشروع النهضوي في صورة فن حيّ نابض.
محفوظ لم يكن طارئًا على سياق مصر الفكري، بل ثمرة مسار طويل بدأ مع رفاعة الطهطاوي، وامتد عبر الأفغاني ومحمد عبده وطه حسين وغيرهم. لكنه لم يكررهم، بل وجد طريقه الخاص عبر الرواية؛ ليجعل منها فضاءً يجمع بين الفكر والتاريخ والسياسة والحلم.
لقد وُلد محفوظ من قلب ثورة 1919، فحمل في وجدانه قيمها: الحرية، والعدالة، والبحث عن هوية وطنية أصيلة. ونشأ في حارات القاهرة الشعبية التي منحته مادة واقعية غنية، وملامح إنسانية صادقة، وصوت الشارع بكل ما فيه من صراع وآمال. ثم جاءت الفلسفة لتصقل رؤيته، وتمنحه قدرة على طرح الأسئلة الكبرى في ثنايا السرد.
في رواياته، لا نجد مجرد حكايات، بل شبكة معانٍ تعكس جدلية الإنسان مع السلطة، والزمن، والقدر، وتُحوّل تفاصيل الحياة اليومية إلى صورة كونية. السياسة عنده تتحوّل إلى أدب، والفلسفة تنبض في حوار الشخصيات، والتاريخ يعيد رسم الحاضر في صور مختلفة.
من هنا، ظل نجيب محفوظ يمثل امتدادًا لمشروع النهضة المصرية، لكنه أعاد صياغته بعيدًا عن الشعارات المباشرة؛ إذ حمله إلى النصوص الروائية التي أصبحت بدورها وثائق فكرية وجمالية.
هو شاهد على أن الأدب العظيم ليس ترفًا، بل روح أمة تبحث عن ذاتها في مرايا الإبداع.
إن استدعاء نجيب محفوظ اليوم ليس مجرد احتفاء بماضٍ أدبي، بل هو تذكير بما يمكن أن يصنعه الأدب من دور وطني وفكري، حين يلتقي بالإنسان العادي في الشارع، ويظل في الوقت ذاته مشغولًا بأسئلة المصير الكبرى.
وكما قال محفوظ يومًا: “إن الحياة يمكن أن تكون غنية بالمعنى، حتى في أشد لحظاتها قسوة.