أخبار العالم العربي

مدينة فيلدهوفن: الجغرافيا التي لا تُرى وصعود القوة التكنولوجية الصامتة

لم تعد الجغرافيا السياسية في القرن الحادي والعشرين تُقاس بالمساحة أو عدد السكان أو حجم الترسانة العسكرية.
القوة اليوم تُقاس بالتحكّم في العُقَد الحرجة داخل سلاسل الإنتاج العالمية، وتحديدًا تلك التي لا يمكن تعويضها في المدى المنظور.

ضمن هذا التحوّل، تبرز مدينة هولندية صغيرة تُدعى فيلدهوفن بوصفها إحدى أخطر نقاط النفوذ في النظام الدولي المعاصر، ليس بحكم موقعها الجغرافي، بل لاحتضانها شركة ASML.


1. احتكار تكنولوجي خارج منطق السوق

ASML ليست شركة ناجحة فحسب، بل تمثل حالة نادرة من الاحتكار الطبيعي القائم على التعقيد العلمي.
تقنية الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى (EUV) ليست منتجًا يمكن نسخه أو شراؤه، بل نتيجة تراكم معرفي طويل الأمد، تشارك فيه شبكة عالمية من الموردين المتخصصين، دون أن يملك أي طرف آخر القدرة على جمع هذه المنظومة في منتج عامل.

هذا النوع من الاحتكار لا يخضع لقوانين المنافسة التقليدية، لأنه:

  • غير قابل للتقليد السريع

  • غير قابل للشراء المباشر

  • وغير قابل للتجاوز بتكنولوجيا بديلة ناضجة

وبالتالي، فإن السيطرة هنا ليست اقتصادية بقدر ما هي سيطرة زمنية على المستقبل.

2. EUV كأداة قوة جيوسياسية

في النظام الدولي الحالي، لم تعد الرقائق مجرد مكوّن صناعي، بل أصبحت:

  • أساس الذكاء الاصطناعي

  • العمود الفقري للاقتصاد الرقمي

  • عنصرًا حاسمًا في القدرات العسكرية المتقدمة

امتلاك القدرة على إنتاج الرقائق المتطورة (3 نانومتر وما دون) يعني امتلاك تفوّق تكنولوجي شامل.
وغياب هذه القدرة لا يعني التخلف، بل الارتهان.

من هنا تتحوّل EUV من آلة صناعية إلى أداة ضبط استراتيجي، تحدد من يصعد، ومن يبقى في الهامش التكنولوجي.

3. الولايات المتحدة: الهيمنة غير المكتملة

رغم سيطرتها على:

  • تصميم المعالجات

  • البرمجيات

  • منظومات الذكاء الاصطناعي

فإن الولايات المتحدة لا تتحكم في الحلقة النهائية لإنتاج أكثر الرقائق تطورًا.
هذا الخلل البنيوي يفسّر السلوك الأمريكي خلال السنوات الأخيرة:

  • فرض قيود تصدير مشددة

  • إدماج ASML ضمن منظومة الردع التكنولوجي

  • التعامل مع التكنولوجيا باعتبارها مسألة أمن قومي

بعبارة أدق:
الولايات المتحدة لا تملك EUV، لكنها تسعى لضمان ألا يمتلكها خصومها.

4. الصين: فجوة لا تُسد بالاستثمار وحده

الصين تمتلك:

  • رأس المال

  • الإرادة السياسية

  • سوقًا داخلية ضخمة

لكنها تفتقر إلى الزمن العلمي اللازم لاختراق عنق الزجاجة التكنولوجي الذي تمثله EUV.
وهو ما يجعل محاولات الالتفاف أو التسريع مكلفة وغير مضمونة.

الفجوة هنا ليست مالية، بل معرفية–هندسية، وهذا النوع من الفجوات لا يُغلق بقرارات سيادية أو خطط خمسية.


5. هولندا: قوة غير مقصودة

هولندا لم تسعَ إلى لعب دور قوة عظمى، لكنها وجدت نفسها:

  • حارسة لأهم أداة في الاقتصاد الرقمي

  • تحت ضغط جيوسياسي مستمر

  • مضطرة لموازنة المصالح التجارية مع الالتزامات الاستراتيجية

هذه الوضعية تجعل من فيلدهوفن نموذجًا جديدًا للقوة:

قوة بلا خطاب، بلا جيوش، وبلا طموح توسعي… لكنها مؤثرة بنيويًا.


6. إعادة تعريف الصراع الدولي

ما نشهده اليوم ليس حربًا باردة جديدة، بل:

  • صراع على التحكم في المستقبل التكنولوجي

  • تنافس على من يحدد وتيرة التقدم، لا من يسرّعه فقط

الردع لم يعد عسكريًا، بل تقنيًا.
والسيادة لم تعد سياسية فقط، بل سيادة على المعرفة وأدوات إنتاجها.

 

خلاصة استراتيجية

مدينة صغيرة مثل فيلدهوفن تؤكد أن:

  • القوة الحديثة غير مرئية

  • التفوق لا يحتاج إلى استعراض

  • ومن يتحكم في أدوات الذكاء الاصطناعي… يتحكم في قواعد اللعبة العالمية

العالم يدخل مرحلة تُقاس فيها الدول لا بما تملكه اليوم،
بل بما تمنع غيرها من امتلاكه غدًا.

إذا رغبت:

  • أحوّله إلى ورقة سياسات رسمية (Policy Paper)

  • أو أربطه مباشرة بموضوع الذكاء الاصطناعي والحرب الاقتصادية

  • أو أكتب نسخة أكاديمية موثقة تصلح للنشر

اختر المستوى الذي تريده.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى