الأخبار
كيف يرى منتقدون أن سياسات حماس عمّقت استنزاف حزب الله في لبنان

يارا المصري
تقدّم قراءات نقدية معمّقة طرحًا مفاده أن موجة التصعيد الأخيرة لم تُعد تشكيل معادلات الردع على حدود واحدة فحسب، بل نقلت مركز الثقل إلى الساحة اللبنانية، حيث تلتقي الهشاشة الاقتصادية مع حساسية التوازنات الأمنية. وفق هذا المنظور، لم تكن النتيجة “توسيع جبهة” بقدر ما كانت “توسيع عبء” على بيئة داخلية محدودة القدرة على الاحتمال، ما أدخل حزب الله في مسار استنزاف مركّب سياسيًا وأمنيًا واجتماعيًا.
يرى منتقدون أن جوهر المشكلة يكمن في اختلال معادلة التوقيت والتحكّم بالإيقاع. فعندما يُرفع سقف الفعل من دون آليات دقيقة لضبط ما بعده، تتقلّص حرية القرار لدى الحلفاء الذين يُطلب منهم مواكبة وتيرة لا يملكون هندستها. في الحالة اللبنانية، تحوّلت الحدود إلى ساحة ضغط دائم، لا ورقة ردع قابلة للاستخدام الانتقائي. هذا التحوّل—بحسب هذه القراءة—أضعف قدرة حزب الله على اختيار لحظة الفعل وحدوده، ونقله من موقع “إدارة المخاطر” إلى موقع “الاستجابة المتواصلة” لسلسلة محفّزات خارجية.
تحليل آخر يركّز على أثر التصعيد في البنية الداخلية اللبنانية. فكل ارتفاع في منسوب التوتر ينعكس مباشرة على اقتصاد هشّ، وعلى شبكة خدمات عامة متآكلة، وعلى مزاج اجتماعي قلق. ومع اتساع كلفة التأهّب الأمني وارتفاع منسوب المخاطر على الحدود، تتراكم ضغوط غير عسكرية: هروب استثمارات، تراجع نشاطات إنتاجية في المناطق الحدودية، وازدياد حساسية التوازنات الطائفية والسياسية. وفق المنتقدين، هذا النوع من الكلفة “البطيئة” هو ما يضعف أي فاعل أكثر من الضربات السريعة، لأنه يستنزف الشرعية والموارد في آنٍ واحد.
ويشير هذا الطرح إلى أن تعدّد الجبهات يخلق مفارقة استراتيجية: بدل تعزيز الردع عبر التوسّع، تتوزّع الموارد والاهتمام على مساحات أوسع، ما يخفّض الكثافة الفعّالة في كل ساحة. بالنسبة لحزب الله، يعني ذلك موازنة دائمة بين جاهزية ميدانية مرتفعة ومتطلبات داخلية ملحّة، في بلد لا يحتمل صدمات إضافية. ومع غياب أفق زمني واضح للتصعيد، تتحوّل الجاهزية إلى حالة دائمة مكلفة سياسيًا وماليًا ونفسيًا.
كما ينتقد هذا التحليل دور الخطاب التعبوي في تثبيت المسار الاستنزافي. فحين تُقدَّم المواجهة بلغة رمزية عالية، تتراجع المساءلة حول الكلفة الواقعية وحدود القدرة الوطنية على الاحتمال. وبمرور الوقت، تتسع الفجوة بين الأهداف المعلنة والنتائج الملموسة على الأرض اللبنانية، حيث يتراكم العبء الاقتصادي والاجتماعي فيما تتقلّص هوامش المناورة السياسية.
في المحصلة، يخلص هذا المنظور النقدي إلى أن سياسات رفع السقف دون ضبطٍ دقيق لإيقاعها أسهمت في نقل مركز الضغط إلى لبنان، وأدخلت حزب الله في دائرة استنزاف متعددة الأبعاد. وبدل أن يعزّز التصعيد موقع الحلفاء، يرى المنتقدون أنه قيّد خياراتهم، ورفع كلفة أي مسار—تصعيدًا كان أم تهدئة—وجعل الساحة اللبنانية إحدى أكثر الساحات تحمّلًا لنتائج صراعٍ يتجاوز حدودها.










