الرئيسيةتونسمقالات

قاضي تنفيذ العقوبات /بقلم الدكتور جابر غنيمي

إعلانات إعلانات إعلانات إعلانات إعلانات

بقلم: الدكتور جابر غنيمي
المساعد الأول لوكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بسيدي بوزيد
مدرس جامعي


تغير مفهوم الجزاء عبر العصور، فبعد أن كان أساسه الزجر و القهر و الإيلام و الإنتقام بات اليوم أداة لإعادة تأهيل المسجون و محاولة إصلاحه عن طريق متابعة حالته الصحية و النفسية و التعليمية أثناء تنفيذ العقوبة.
و لقد أخذت الكثير من التشريعات المقارنة بالمبدأ المتمثل بعدم تدخل القضاء أثناء فترة تنفيذ العقوبة مدة كبيرة من الزمن، فقد كانت الإدارة العقابية هي التي تتولى تنفيذ الجزاء لوحدها دون تدخل القضاء، غير أن هذه النظرة أخذت في الإنكماش تدريجيا نتيجة للتطور الهائل الذي طرأ على الفكر العقابي على ضوء السياسة العقابية الحديثة فيما يتعلق بالهدف الأساسي للتنفيذ، و الغرض منه هو كيفية تدخل القضاء فيه، حيث أن تدخل القضاء أثناء فترة التنفيذ العقابي بات من المسلم به في ظل السياسة العقابية الحديثة فهو الضمان و الحامي لحقوق المحكوم عليه .
و لقد أخذ القانون التونسي بنظام قاضي الإشراف على تنفيذ العقوبات و أحدث قاضي تنفيذ
العقوبات، المنصوص عليه بالقانون عدد 77 لسنة 2000 المؤرخ في 31 جويلية 2000 المتعلق بإحداث مؤسسة قاضي تنفيذ العقوبات.
ويقوم بوظيفة قاضي تنفيذ العقوبات لدى المحكمة الابتدائية قاض من الرتبة الثانية ويعوّض في صورة غيابه أو تعذّر مباشرته لوظائفه بأحد قضاة المحكمة يعيّنه رئيسا .
و دراسة مؤسسة قاضي تنفيذ العقوبات تقتضي التعرض إلى مبدأ التدخل القضائي في مرحلة تنفيذ العقوبة )المبحث الأول( و صلاحيات قاضي تنفيذ العقوبات )المبحث الثاني(
المبحث الأول: مبدأ التدخل القضائي في مرحلة تنفيذ العقوبة
مبدأ التدخل القضائي في مرحلة تنفيذ العقوبة يقتضي تحليل أساسه ) الفقرة الأولى( و تطبيقه )الفقرة الثانية(
الفقرة الأولى: أساس مبدأ التدخل القضائي في مرحلة تنفيذ العقوبة
أغلب النظم في العالم تبنت مبدأ الإشراف القضائي على تنفيذ العقوبة الجزائية وإقرارها، و ينطلق أساسا من مجموعة من الأسس الفقهية )أ(، و القانونية )ب(
الأسس الفقهية للتدخل القضائي في مرحلة التنفيذ الجزائي:
تنطلق الأسس الفقهية للتدخل القضائي في مرحلة التنفيذ الجنائي من تطور النظرة إلى
الشخص الجاني ، الذي أصبح في نظر السياسة العقابية الحديثة محل إعتبار بعد أن كان
معيب تماما ، وكان التركيز ينصب بالأساس على السلوك الإجرامي بإعتباره خطرا يهدد
المصالح الفردية و الجماعية، في حين أن الشخص المنحرف يعد مصدرا لهذا الخطر
و بالتالي وجب الانتقام منه و إلحاق اكبر قدر من الأذى به
تطور الغرض من العقوبة
العقوبة هي جزاء يقرره المشرع، ويوقعه القاضي على المتهم ويتناسب مع جسامة
الجريمة إذا ثبتت إدانته ومسؤوليته الجنائية، فالهدف الوحيد من العقوبة هو الجزاء أي
إلحاق أكبر قدر من الألم بشخص الجاني وكلما كانت العقوبة شديدة وقاسية كلما كانت
إيجابية ومنتجة، ومن هنا كان دور القاضي ينحصر أساسا في توقيع أشد الجزاءات وأكثرها
قسوة وبذلك كانت ظروف وطرق تنفيذ الجزاء الجنائي تعبر هي أيضا عن هذا الهدف
وتسعى لتحقيقه، فكانت أكثر وحشية من العقوبة في حد ذاتها .
إلا أن انتشار الأفكار الفلسفية الحديثة أدت إلى تغير كبير في الهدف من العقوبة و أصبحت تهدف إلى إصلاح الجاني وتهذيبه و القضاء على عوامل الإجرام لديه حتى يعود إلى المجتمع الذي نفر منه من جديد كشخص عادي وسوي وإيجابي ، وهذا التغير في مفهوم
الغرض من العقوبة إستلزم ضرورة إقحام القاضي في مرحلة التنفيذ الجزائي لإرتباطهما
الكبير بطبيعة العقوبة وحجمها وطرق تنفيذها تحقيقا للهدف الأساسي وهو إصلاح الجاني
ومنه فإن مبد أ الشرعية يعد الركن الأساسي و الضمان العام للعقوبة، فمن هذا المبدأ تتولد
بقية المبادئ التي تحكم العقوبة في أي مرحلة من مراحلها .
تطور مفهوم المسؤولية الجنائية:
كان مفهوم المسؤولية الجزائية مرتبط بالسلوك المادي للشخص المنحرف، وبالتالي فإن
مجرد قيام الفرد بسلوك مجرم يعتبر مسؤولا عن هذا الفعل جزائيا وأن إرادته الحرة والسليمة مفترضة ، و بتتقدم العلوم الإنسانية عموما ثبت أن الشخص الذي يأتي سلوكا مجرما لا يكون دائما في كامل قواه العقلية وأن الإرادة الحرة المفترضة قد تطر أ عليها بعض العوارض فتؤثر فيها، فتعدمها تارة وتنقص منها تارة أخرى، وبالتالي فإن المسؤولية الجزائية لم تعد تؤسس بصورة آلية إنطلاقا من الفعل المادي، بل وجب البحث في مدى قيامها بالنظر إلى الإرادة الحرة للشخص المنحرف ، ومنه أصبح الشخص المختل عقليا والذي لا يتمتع بكامل قواه العقلية وقت إرتكاب السلوك المجرم لا يكون مسؤولا جزائيا عن تصرفاته ، والشخص الذي إرتكب الجريمة لمنع وقوع جريمة أخرى لا يكون مسؤولا جزائيا عن تصرفاته، و الشخص الذي دفعه إلى إرتكاب الجريمة وجوده في حالة إستفزاز قوي أو قوة قاهرة لا قبل له بردهما من هذا العذر ولا يكون كمسؤول إلا في حدود معينة رغم إرتكابه للجرم بصورة تامة وتحقق النتيجة الجرمية ، وهذا التغير في مفهوم المسؤولية الجزائية دفع بالكثير للمطالبة بتدخل القضاء في مرحلة التنفيذ الجزائي
الأسس القانونية للتدخل القضائي في مرحلة التنفيذ الجزائي:
حاول أصحاب هذا الإتجاه القائل بضرورة الإشراف القضائي على مرحلة التنفيذ
الجزائي إيجاد الأسس و المبادئ القانونية التي تدعم هذا الاتجاه، وفعلا ظهرت عدة نظريات
يمكن حصر أهمها فيما يلي
الأساس الإجرائي:
يقوم هذا الإتجاه على أساس إشكالات التنفيذ هذه الإشكالات التي لو تبينت صحتها لامتنع
التنفيذ أصلا و لو تم لكان بغير الصورة التي تضمنتها سند التنفيذ، ومن أمثلة إشكالات
التنفيذ المحتملة القيام، النزاع حول تنفيذ الحكم بدعوى أنه غير واجب التنفيذ، أو انه يراد
تنفيذه بخلاف الشكل الذي قضى به أو أن يقوم النزاع حول مدة العقوبة ذاتها، أو سقوطها
لسبب من أسباب سقوطها بحيث تصبح هذه الإشكالات المحتملة حواجز تحول دون الحكم
وكل إجراء يتخذ في هذا الصدد يوافق ما بين الظروف الجديدة ومنطوق الحكم
و يرجع الفصل في إشكالات التنفيذ إلى الجهة القضائية التي أصدرت الحكم أو القرار، غير أن هذه النظرية وإن كانت قد نجحت في تبرير التدخل على أساس تطبيق الحكم
الجزائي كما نطقت به المحكمة ، بينما التدخل القضائي الذي نبحث له عن أساس قانوني فهو التدخل الذي يأخذ بعين الإعتبار الواقع التنفيذي إي احتمال بل ضرورة تعديل المنطوق للحكم أي التعديل في طبيعة الجزاء
الأساس المبني على إمتداد الشرعية إلى مرحلة التنفيذ:
يقوم هذا الأساس على فكرة تقضي بالتدخل القضائي في مرحلة التطبيق من أجل فرض
رقابة قضائية عامة على شرعية التنفيذ ، ذلك أنه كان مبد أ شرعية الجرائم و العقوبات يتهيمن على مرحلتين التجريم و المحاكمة، فإنه يجب أن يستمر ليحكم مرحلة التطبيق، بحيث لا يتم ذلك بأسلوب مخالف لما ينص عليه القانون ، ويكون إستمرار مبدأ الشرعية إلى مرحلة التطبيق عن طريق تسليط رقابة قضائية على تطبيق العقوبات، إذ إ ن السلطة القضائية هي احسن ضامن لشرعية تطبيق العقوبات وأفضل حامي لحقوق المحبوس ، وهي تستطيع في الوقت نفسه مراقبة مدى مطابقة نشاط الإدارة للمبدأ.
وإضافة لأي مراقبة شرعية تطبيق العقوبات فإن التدخل القضائي في هذه المرحلة
يهدف أيضا إلى تحقيق الأغراض التي رسمتها السياسة العقابية الحديثة بإعادة تربية
المحكوم عليه تمهيدا لإعادة إندماجه في المجتمع ، وبذلك يلعب التدخل القضائي في مرحلة
التطبيق دورين، الأول يتمثل في تحقيق الضمانات الإجرائية التقليدية لمراقبة المشروعية،
و الثاني يتمثل في تمكين القاضي من القيام بدوره الاجتماعي المتمثل في حماية المجتمع
والفرد .
الأساس القائم على ما للقضاء من دور في حماية الحقوق والحريات
يرى أ صحاب هذا الرأي أن المحكوم عليه يحتل مركزا قانونيا معينا بإعتبار أن الحكم
القضائي الصادر ضده قد حدد سلفا الحقوق التي يراد المساس بها بالنسبة إليه، فإذا كان
الحكم يقضي بعقوبة سالبة للحرية فإن الحق الوحيد المستهدف للحكم الجزائي هو الحق في
الحرية التي تسلب بموجبه و يصبح الفرد المحكوم عليه حريته مقيدة ، أما باقي حقوقه فإنه بحكم هذا المركز القانوني يبقى يتمتع بجميع الحقوق الأخرى التي لم يقيدها الحكم القضائي، فانه، يصبح كالفرد العادي يحتاج إلى حماية لهذه الحقوق من أي تعسف أو تجاوز أو عدوان وأن الجهة الوحيدة المكلفة بالسهر على حماية الحقوق و الحريات هي القضاء
و لقد وجب للقضاء التدخل في مرحلة التنفيذ الجزائي لحماية حقوق المحكوم عليه وتحسبا لأي نزاع قد يطرأ بينه وبين المؤسسة العقابية في مجال ممارسة هذه الحقوق، كذلك من أسباب تخويل القضاء الإشراف على التنفيذ حماية المحكوم عليه وصونها من أي إنتهاك قد يتعرض له المحكوم عليه أثناء مباشرة أعمال التنفيذ ، ولاسيما أن التجربة أكدت إن إصدار هذه الحقوق يأتي في كثير الأحيان على يد الإدارة العقابية مخالفة بذلك القوانين واللوائح القانونية، ومن هنا فإن ضرورة إشراف القضاء على مرحلة التنفيذ الجزائي يجد أساسة في ضرورة إضفاء الحماية القضائية لحقوق وحريات المحكوم عليه التي لم يمسها الحكم القضائي بالنظر إلى المركز القانوني للمحبوس وقيام هيئة قضائية بالدور المنوط بها.
الفقرة الثانية: تطبيق المبدأ
عرف مبدأ الإشراف القضائي على تنفيذ العقوبة الجزائية طريقه للتجسيد ، فبدأت
الأنظمة العقابية تتجه نحو الأخذ بهذا المبدأ الذي بدأ يظهر إلى الوجود في أواخر القرن
التاسع عشر وكان المشرع الايطالي السباق في هذا المجال، ثم بد أ المبدأ في الإنتشار إلى أن
أصبحت أغلب الأنظمة العقابية في العالم تأخذ به في تشريعاتها، فإن تبني الإشراف القضائي
على مرحلة تنفيذ الجزاء الجنائي لم يأتي بالشكل الذي هو عليه اليوم وإنما جاء تدريجيا حتى
بالنسبة للأنظمة التي كان لها الفضل في تبني هذا المبدأ وكانت السباقة للأخذ به، ومع الزمن
عرف تطورا كبيرا في شكل التدخل ووسائله ومجالاته من نظام إلى آخر

الإشراف القضائي على تنفيذ الجزاء الجنائي في النظام الإيطالي:
يعتبر النظام الإيطالي أول نظام يتبنى مبد أ الإشراف القضائي على تنفيذ العقوبة الجزائية تحت تأثير أفكار المدرسة الوضعية، والتي من بين ما نادت به هو إقرار العقوبة غير المحددة المدة وما يترتب عن ذلك من تدابير إحترازية أقرها المشرع سنة 1930 ، كما
أقر المشرع في نفس الوقت إدخال نظام الرقابة القضائية على تنفيذ العقوبات السالبة للحرية
وذلك بإنشاء نظام قاضي الإشراف، وهذا تجاوبا مع التطور الذي وصلت إليه العلوم الجنائية
آنذاك
وقد تبنى المشرع الإيطالي نظام الإشراف القضائي على تنفيذ العقوبات السالبة للحرية
ورغبة منه في إيجاد جهة متخصصة تتكفل بدراسة حالة المحكوم عليه بعد النطق بالحكم
الجزائي و تحليل شخصيته من جميع الجوانب معتمدة على حياته داخل المجتمع، وكذلك
سلوكياته قبل إرتكابه الجريمة لتحديد بدقة أسباب الإنحراف لديه وفي نفس الوقت الوصول إلى تحديد درجة الخطورة الإجرامية لديه، وبالتالي إخضاعه للبرنامج الذي يساعد على
القضاء على هذه الخطورة ومراجعة العقوبة بحسب تطور المحكوم عليه و إستجابته لبرنامج
الإصلاح، ومن هنا نصت المادة 144 من قانون العقوبات الإيطالي على أنه يشرف قاضي
على تنفيذ العقوبات السالبة للحرية ويبت بشأن العمل في الخارج و يعطي رأيه بشأن الإفراج
الشرطي وهو ما يتماشى و السياسة العقابية و التي تنظر إلى العقوبة على أنها وسيلة علاج
إو صلاح ، وأن من يحدد مصيرها هو من يشرف على عملية الإصلاح و العلاج بإعتباره
الوحيد الذي يمكنه أن يقيم تقييما صحيحا مدى إصلاح الجاني، ويقدر في نفس الوقت مدى
ضرورة الإستمرار في تنفيذ العقوبة من عدمه
وبذلك كان المشرع الإيطالي السباق إلى الأخذ بنظام الإشراف القضائي على تنفيذ العقوبة السالبة للحرية وهذا بسبب أن الأفكار النظرية التي أتى بها المفكرين في علم الإجرام
الحديث ، وكذا المدارس الكبرى في علم الإجرام أغلبها ظهر في إيطاليا أو بزعامة علماء
ومفكرين إيطاليين ، وهذا يعد إعترافا من قبل المشرع للمركز القانوني للمحكوم عليه أثناء
عملية التنفيذ وحرصا منه على حماية حقوقه في هذه المرحلة، بالإضافة إلى أن مرحلة
التنفيذ وتطور عملية الإصلاح قد تثير خلافات بين الأطراف المتدخلة في عملية التنفيذ تحتاج
إلى جهة تتمتع بسلطة الفصل فيما قد يطرأ من خلافات في هذه المرحلة ومن جهة أخرى
تماشيا مع الأهداف الجديدة للعقوبة و المتمثلة في إصلاح الجاني و العمل بكافة الوسائل على
إعادة إدماجه الإجتماعي.
ويسمى القاضي المشرف على تنفيذ العقوبات السالبة للحرية في التشريع الإيطالي
بقاضي الإشراف، و يعين من بين قضاة المحاكم، ويباشر مهامه في المؤسسة العقابية التي
تقع في دائرة إختصاصه وإلى جانب قاضي الإشراف توجد مكاتب الإشراف المتكونة من
قاضيين أو ثلاث قضاة يمارس نفس المهمة بصفة دائمة لدى بعض المحاكم بمساعدة
إداريين
وبعد صدور القانون رقم 354 المؤرخ في 26 جويلية 1975 أضاف المشرع الإيطالي
إلى قاضي الإشراف الفرد جهة قضائية جماعية تسمى قسم الإشراف يتشكل من أربعة
أعضاء وهم قاضي الإشراف يقوم بوظيفة قاضي الإستئناف وقاضي الإشراف للدرجة الأولى و خبيرين وتتخذ هذه الأقسام قراراتها بالتداول ، وهو ما نصت عليه المواد 69 و 70 من قانون السجون الإيطالي والتي نصت على أنه وإلى جانب قضاة المراقبة أو قضاة تطبيق
العقوبات توجد محاكم المراقبة والتي تختص أساسا في الطعن في قرارات قضاة تطبيق
العقوبات وتصدر بشأنهما قرارات قابلة للطعن ، ويختص قاضي الإشراف الإيطالي بإعداد
برنامج العلاج العقابي و الإشراف على تنفيذ العقوبات السالبة للحرية و التدابير الإحترازية
المقدرة بموجبها، وكذا إعطاء التعليمات الخاصة بحماية حقوق ومصالح المحكوم عليه وتقديم المساعدة الضرورية لتحقيق أهداف برامج إعادة التأهيل الإجتماعي، بالإضافة إلى تسليم تصاريح الخروج و الإجازات والوضع تحت إشراف إدارة إجتماعية للأشخاص الخاضعين للحرية، أما أقسام الإشراف فتختص بالوضع تحت الإختبار، وكذا إلغاء التدابير
الإحترازية و القبول في نظام الحرية النصفية ومنح الإفراج المشروط ؛ ويعرف النظام
الإيطالي بالإضافة إلى قاضي الإشراف و أقسام الإشراف قاضي التنفيذ وهو القاضي الذي
يصدر الحكم ويختص بتصحيح الأخطاء التي ترد في الحكم أو القرار وكذا الإشكالات
المعارضة المتعلقة به بالإضافة إلى الإختصاصات الواردة في المادة 676 من قانون
الإجراءات الإيطالي و المتعلقة أساسا بإنقضاء الدعوى أو بانقضاء العقوبة وكذا القرارات
المترتبة عنهما
إلا أن ما يمكن ملاحظته أن التشريع الإيطالي خص قاضي الإشراف بالسعي من خلال
العقوبة المحكوم بها إلى تحقيق الأهداف المرجوة من العقوبة من خلال القضاء على عوامل
الإجرام لدى الشخص المحكوم عليه من خلال إخضاعه إلى برنامج علاج عقابي، وبالتالي
العمل على إعادة إدماجه إجتماعيا وترك النزاعات العارضة التي تطر أ بمناسبة تنفيذ الحكم
القضائي لقاضي التنفيذ وإعتبارها أعمالا قضائية تخضع لنفس الإجراءات ، ومنه فإن معيار
التمييز بين قاضي التنفيذ وقاضي الإشراف في النظام الإيطالي أن قاضي التنفيذ هو قاض
الحكم الذي يباشر إختصاصاته على أساس الخصومة القائمة أمامه ويحرص في ذلك على ضمان إحترام القانون دون إعارة إي اهتمام إلى الهدف من توقيع الجزاء الجنائي أي لا
ينظر إلى مبدأ تفريد العقاب، في حين أن قاضي الإشراف يسعى لأن يكون تنفيذ الحكم
الجزائي يحقق الأهداف المنتظرة منه، وهي أساسا إعادة التأهيل الاجتماعي للمحكوم عليه
وبالتالي فإن القرارات التي يصدرها لا تعتبر قضائية وإنما مجرد قرارات إدارية
الإشراف القضائي على تنفيذ الجزاء الجنائي في النظام الفرنسي
عرف النظام التشريعي الفرنسي نظام قاضي تطبيق العقوبات أو الإشراف القضائي
على تنفيذ العقوبات الجزائية السالبة للحرية مع الإصلاح العقابي الذي قام به المشرع
الفرنسي سنة 1945 فنص على  » انه يختص قاضي في كل مؤسسة عقابية تنفذ فيها عقوبة
سالبة للحرية من عقوبات القانون العام لمدة تجاوز السنة بالنظر في أمر نقل المحكوم عليه
من مؤسسة إلى أخرى ، كما يختص بتقرير القبول في المراحل المتتالية للنظام التدريجي
وتحويل طلبات الإفراج الشرطي إلى اللجنة المختصة « ، ومن هنا يعتبر المشرع الفرنسي من الأوائل الذين أخذوا بنظام الإشراف القضائي على تنفيذ العقوبات ليعرف فيما بعد تطورا
كبيرا إلى أن صبح مؤسسة قائمة بذاتها ، وتوسعت صلاحياته لتشمل كل ما يتعلق بإعادة
إدماج وتأهيل المحكوم عليهم فأصبح يرأس لجنة التصنيف ويبث بصفته هذه في كل ما يتعلق
بنقل المحكوم عليه من مؤسسة إلى أخرى وكذا القبول في المراحل المختلفة للنظام التدريجي
ويبدي ر هيأ حول طلبات الإفراج الشرطي .
وفي سنة 1958 عرف نظام الإشراف القضائي على تنفيذ العقوبات تطورا آخر تمثل
أساسا في دمج وظيفة قاضي تنفيذ العقوبات رئيس لجنة التصنيف ورئيس لجنة مساعدة
المفرج عنهم و التي كان يتولاها رئيس المحكمة المدنية في نظام واحد وهو نظام قاض
تطبيق العقوبات طبقا للمادة 721 من قانون الإجراءات الفرنسي ، وبموجب القانون الصادر
بتاريخ 29 ديسمبر 1972 عرف نظام الإشراف القضائي على تنفيذ العقوبة الجزائية تطورا
آخر مس بالأساس توسيع صلاحيات قاضي تطبيق العقوبات، فأصبح بالإضافة إلى الإختصاصات يتمتع بسلطة تخفيض العقوبة إذا كانت المدة المقررة في حكم الإدانة تساوي أو تقل عن ثلاثة أ شهر أ إما ذا كانت تتجاوزها فيعود الإختصاص لوزير العدل، كذلك فيما
يتعلق بنظام الإفراج المشروط وبعد أن كان دور قاضي تطبيق العقوبات يقتصر على إبداء
الرأي لوزير العدل فأصبح يتمتع بسلطة إتخاذ القرار بالإفراج المشروط متى كانت العقوبة
المحكوم بها تقل عن ثلاث سنوات، أ إما ذا تجاوز ثلاث سنوات فيعود القرار إلى وزير
العدل
ويعتبر أهم تطور عرفه نظام الإشراف القضائي على تنفيذ العقوبة الجزائية في فرنسا
التعديل الذي صدر عن المشرع الفرنسي سنة 2004 والذي أنشا بموجبه المشرع إلى جانب
قاضي تطبيق العقوبات محكمة تطبيق العقوبات على مستوى محكمة مقر المجلس والتي
تتكون من ثلاث قضاة من قضاة الحكم يعينون بمرسوم، وهو ما نصت عليه المادة 712
من قانون الإجراءات الجزائية الفرنسي على أن الجهات المختصة بتطبيق العقوبات على
مستوى أول درجة هي قاضي تطبيق العقوبات ومحكمة تطبيق العقوبات، وان القرارات التي
تصدر عنهم بمناسبة تطبيق العقوبات تكون قابلة للطعن عن طريق الإستئناف أما الغرفة
الخاصة بتطبيق العقوبات بالمجلس، والتي تتكون من رئيس غرفة ومستشارين
ونشير إلى أن قوانين السجون في الدول العربية معظمها قد تطرق لموضوع الإشراف
القضائي على السجون، والتي جعلت في جل تشريعاتها دور القضاء أثناء فترة التنفيذ
يقتصر فقط على زيارة المؤسسات العقابية للتأكد من أن تنفيذ العقوبة جاء وفق ما تنص عليه
القوانين فحصرت دور القضاء وجعلته دور رقابي لا غير .
ج- الإشراف القضائي على تنفيذ السياسة العقابية في ضوء المؤتمرات الدولية
ظهرت فكرة مساهمة القضاء في تنفيذ الجزاء الجنائي من خلال المؤتمرات الدولية
التي أقرت الأخذ بنظام قاضي التنفيذ، ولعل أولها مؤتمر لندن الذي عقد سنة 1925
كما أوصى مؤتمر برلين الحادي عشر للقانون الجنائي وعلم العقاب بأن يعهد للقضاء
أو للمحامين العموميين، وللجان المختلطة، يرأسها قاض لإتخاذ القرارات الهامة المحددة
قانونا والمتعلقة بتنفيذ الأحكام المقيدة للحرية
ومن توصيات المؤتمر الدولي الرابع لقانون العقوبات الذي عقد بباريس سنة 1937 ،
أن يتخذ قاضي التنفيذ القرارات اللازمة بخصوص تحديد مدة التدابير الإحترازية، أ و تقرير
الإفراج الشرطي، أو البارول فضلا عن تحققه الشخصي من التطبيق الفعلي للجزاءات
الجنائية وفقا للسياسة العقابية الحديثة .
كما أنه في سنة 1952 إنعقد المؤتمر الثالث للدفاع الاجتماعي بأنفرس، والذي أقر
بتدخل قاضي التنفيذ في مرحلة تنفيذ الجزاء الجنائي لمباشرته جميع الإجراءات الخاصة
بسلب الحرية
وأخيرا جاء في توصيات المؤتمر الدولي العاشر لقانون العقوبات المنعقد بروما سنة
1969 أن يختص قاضي التنفيذ بإصدار القرارات التي تتعلق بتنفيذ العقوبات المقيدة للحرية
لأن في ذلك تغيير للحكم
تجدر الإشارة إلى أن كل المؤتمرات المذكورة أعلاه، قد اتجهت في نفس السياق المؤكد
لضرورة إمتداد رقابة القضاء إلى مرحلة تنفيذ الجزاء الجنائي، نظرا لماله من أهمية في
التنفيذ، وهو ما يسمى بنظام قاضي التنفيذ الذي يقوم على أخذ شخصية الجاني بعين
الإعتبار منذ إرتكابه لجريمته وإلى غاية إنقضاء مدة الجزاء الجنائي المحكوم به عليه، لأن
القاضي عند فصله في الدعوى الجزائية قد لا تمنح له الفرصة الكافية للإلمام بخفايا
الشخصية الإجرامية له، مما يؤدي إلى إظهار عدم ملائمة أو كفاية التدبير المحكوم به ضده
للتصدي للخطورة الإجرامية الكامنة في شخصه ، و بناء على ما تقدم بدأت التشريعات
الجنائية لكل دولة تأخذ بهذا النظام حيث كان القانون الجنائي الإيطالي لسنة 1935 أول من
إعتمد عليه .
كذلك نشير إلى أهم المؤتمرات الدولية في الدول العربية فهي الأخرى قد ظهرت فيها
عدة مؤتمرات ومنتديات نادت من أجل تدخل القضاء أثناء فترة التنفيذ من أجل حماية
المحكوم عليهم من تعسف المؤسسات العقابية ومن أجل مراقبة تنفيذ القوانين و اللوائح داخل
تلك المؤسسات العقابية، ولعل اهم المؤتمرات الدولية، الحلقة العربية الثالثة للدفاع
الإجتماعي التي نظمتها المنظمة العربية للدفاع الإجتماعي بالعاصمة السورية دمشق 1982
خلال الفترة من 2 – 18 أكتوبر حول موضوع « تنظيم العدالة الجنائية في ضوء مبادئ الدفاع الإجتماعي « ، إذ أوصت الحلقة المذكورة ضمن تقريرها النهائي بموجب أن يختص القاضي المشرف على التنفيذ بالفصل في جميع المنازعات المتعلقة بتنفيذ التدابير و التحقق من شرعية سند التنفيذ ومتابعة تنفيذ التدابير المحكوم بها وتقريرها وتعديلها وتقرير الإفراج الشرطي، كما يختص قاضي التنفيذ بالتأكد من حماية الحقوق وإحترام الكرامة الإنسانية للمحكوم عليهم. وجاءت توصياتها مؤكدة على هذا الإتجاه حيث ورد في التقرير العام لمرحلة ما بعد المحاكمة بأنه يتعين أن تعترف النظم العقابية العربية بنظام قاضي التنفيذ العقابي الذي يعد ويختص بالإشراف على متابعة تنفيذ القانون ويكفل إحترام الحقوق المقررة للمحكوم عليه التوصية رقم « 31
كما تنص التوصية رقم 32 من التقرير المذكور بأنه يتعين أن يوضع تقنين خاص
مستقل ينظم قواعد التنفيذ العقابي، بما يحقق ذاته، لهذا الفرع من فروع القانون الجنائي .
كما أوصى بذلك كذلك المؤتمر الثاني للجمعية المصرية للقانون الجنائي حول حماية حقوق
الإنسان في الإجراءات الجنائية في مصر
والأهم من هذا كله تم تكريس هذا الإتجاه على الصعيد التشريعي، حيث اتجهت الكثير
من التشريعات الحديثة إلى إستحداث ما يعرف ب »قاضي تطبيق العقوبات  » و قاضي
الإشراف على التنفيذ و الذي منحه القانون المقارن إختصاصات واسعة ، كما هو الحال في
القانون الفرنسي و القانون الإيطالي والقانون الألماني وكثيرا من قوانين دول أوروبا الشرقية
وحتى بالنسبة للتشريعات التي لم تنظم هذا الجانب، فقد خولت للقضاء حق ممارسة الرقابة
على الإدارة العقابية في تنفيذها للجزاءات الجنائية لضمان عدم تعسفها أو انتهاكها لحقوق
المحكوم عليه
المبحث الثاني: صلاحيات قاضي تنفيذ العقوبات
و هي تنقسم إلى صلاحيات رقابية ) الفقرة الأولى( و صلاحيات تقريرية )الفقرة الثانية( و صلاحيات تتعلق بالعقوبات البديلة ) الفقرة الثالثة(
الفقرة الأولى: الصلاحيات الرقابية
يتولى قاضي تنفيذ العقوبات مراقبة ظروف تنفيذ العقوبات السالبة للحرية المقضاة بالمؤسسات السجنيّة الكائنة بمرجع النظر الترابي للمحكمة الراجع لها بالنظر
و يزور قاضي تنفيذ العقوبات السجن مرة في الشهرين على الأقل للإطلاع على أوضاع المساجين
ويتولى قاضي تنفيذ العقوبات مقابلة المساجين الراغبين في ذلك أو من يرغب في سماعهم بمكتب خاص وله أن يطلع على الدفتر الخاص بالتأديب
و يعلم طبيب السجن قاضي تنفيذ العقوبات كتابيا بالحالات الخطرة التي يعاينها وتحيل إليه إدارة السجن تقريرا سنويا في نشاطها الاجتماعي
الفقرة الثانية: الصلاحيات التقريرية
ينظر قاضي تنفيذ العقوبات في منح المحكوم عليهم ترخيص الخروج من المؤسسة السجنية
وله أن يمنح هذه التراخيص لزيارة الزوج أو أحد الأصول أو الفروع عند المرض الشديد أو لحضور موكب جنازة أحد الأقارب الآتي ذكرهم
الزوج أو أحد الأصول أو الفروع
الإخوة أو الأعمال أو الأخوال أو الأصهار من الدرجة الأولى
الولي الشرعي
و يمنح قاضي تنفيذ العقوبات بعد أخذ رأي وكيل الجمهورية السراح الشرطي للمحكوم عليه بالسجن لمدة لا تتجاوز ثمانية أشهر من اجل ارتكابه جنحة والذي تتوفر فيه الشروط المنصوص عليها بالفصلين 353 و355 من م ا ج
ولا يمكن منح السراح الشرطي للمحكوم عليه لأول مرة إلا بعد قضاء نصف مدة العقاب، وإذا كان عائدا فلا يمكن منحه السراح الشرطي الا بعد قضاء ثلثي مدة العقاب المحكوم بها
و يمنح قاضي تنفيذ العقوبات السراح الشرطي من تلقاء نفسه أو بطلب من المحكوم عليه أو من أحد أصوله أو فروعه أو القرين أو الولي الشرعي أو بناء على اقتراح من مدير السجن
و يعدّ قاضي تنفيذ العقوبات عند النظر في السراح الشرطي ملفا للمحكوم عليه يتضمن أساسا مذكرة تحتوي على جميع الإرشادات التي من شأنها أن تعتمد عند اتخاذ القرار وخاصة ما يتعلق بسلوكه وحالته الصحية والنفسية ومدى استعداده للاندماج من المجتمع ونسخه من الحكم المتضمن للعقوبة التي هو بصدد قضائها وكذلك التقارير التي تلقاها من المؤسسة السجنية ثم يعرض الملف على وكيل الجمهورية الذي يبدي رأيه في أجل أربعة أيام
والقرار الصادر عن قاضي تنفيذ العقوبات قابل للطعن لدى دائرة الاتهام من قبل وكيل الجمهورية في أجل الأربعة أيام من تاريخ إطلاعه عليه والطعن يوقف تنفيذ القرار
الفقرة الثالثة: دور قاضي تنفيذ العقوبات في العقوبات البديلة

عقوبة العمل من اجل المصلحة العامة
يتولى قاضي تنفيذ العقوبات متابعة تنفيذ المحكوم عليه لعقوبة العمل لفائدة المصلحة العامة لدى المؤسسة المعنية ويقع إعلامه كتابيا بكل ما يطرأ أثناء قضاء العقوبة، كما يحرر تقريرا في مآل التنفيذ يحيله على وكيل الجمهورية
ويمكن لقاضي تنفيذ العقوبات عند الضرورة تعديل التدابير المتخذة بعد موافقة وكيل الجمهورية.
ويمكن لقاضي تنفيذ العقوبات بعد موافقة وكيل الجمهورية تعليق تنفيذ عقوبة العمل لفائدة المصلحة العامة وعلى المحكوم عليه في هذه الحالة إعلام قاضي تنفيذ العقوبات بكل تغيير لمقر إقامته
المراقبة الالكترونية
يتولى قاضي تنفيذ العقوبات التابع له مقر إقامة المحكوم عليه أو التابع للمحكمة الابتدائية الصادر بدائرتها الحكم إذا لم يكن للمحكوم عليه مقر إقامة بالبلاد التونسية متابعة تنفيذ عقوبة المراقبة الإلكترونية بمساعدة مصالح السجون ومكاتب المصاحبة

ويتولى قاضي تنفيذ العقوبات القيام بالأعمال التالية
تحديد محل تنفيذ المراقبة الذي اختاره المحكوم عليه. وإذا لم يكن ذلك المحل على ملكه أو في تصرفه فلا يمكن اتخاذ تلك الوسيلة إلا بعد الموافقة الكتابية لمالك المحل أو المتصرف فيه
تحديد أماكن تنقلات المحكوم عليه وتوقيتها. – ضبط الالتزامات التي يرى قاضي تنفيذ العقوبات فرضها على المحكوم عليه
ويمكن لقاضي تنفيذ العقوبات سواء من تلقاء نفسه أو بطلب من المحكوم عليه أو محاميه أو باقتراح من مدير السجن أو مكتب المصاحبة بعد أخذ رأي وكيل الجمهورية تغيير شروط المراقبة الالكترونية والالتزامات المحمولة على المحكوم عليه سواء بالتشديد أو التخفيف فيها وذلك بموجب قرار معلّل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى