فلكية جدة… المذنب C/2025 R3 يضيء سماء الفجر

الاحساء
زهير بن جمعة الغزال
أوضح ذلك . ماجد ابوزاهرة
تشهد سماء الفجر خلال الفترة الحالية ظهور المذنب C/2025 R3 (PanSTARRS) وهو أحد المذنبات طويلة الدورة القادمة من الأطراف البعيدة للنظام الشمسي وقد أثار اهتماماً واسعاً بعد انتشار معلومات تصفه بأنه “عملاق أخضر نادر يظهر مرة كل 180 ألف سنة” إلا أن البيانات الفلكية الحديثة تقدم صورة أكثر دقة بعيدة عن المعلومات المبالغ فيها.
تشير الحلول المدارية المحدثة إلى أن هذا المذنب ينتمي إلى أجسام سحابة أورت ذات مدارات شديدة الاستطالة ويقدر مداره الحالي بنحو 160 ألف سنة تقريباً مع نطاقات قد تمتد في بعض النماذج إلى حوالي 170 ألف سنة أو أكثر. ومع ذلك فإن هذه القيم تظل تقديرات رياضية مستندة إلى الرصد الحالي وليست سجلاً تاريخياً مؤكداً لمرور سابق معروف لأن هذا الجسم لم يرصد في دورة سابقة كما أن مدارات المذنبات الطويلة قابلة للتغير تحت تأثير الجاذبية الكوكبية وفقدان الكتلة الناتج عن النشاط الغازي.
ومن حيث موقعه الحالي في السماء، يرصد المذنب في كوكبة الفرس ويظهر قبل شروق الشمس باتجاه الأفق الشرقي وهو في مرحلة اقتراب تدريجي من ذروة نشاطه مع وصوله إلى الحضيض الشمسي المتوقع في 19 أبريل 2026 وهو الوقت الذي تزداد فيه التفاعلات الحرارية مع الشمس وترتفع فيه فرص زيادة السطوع وتطور الذيل الغازي.
وتشير التقديرات الرصدية إلى أن سطوعه الحالي يقع تقريباً ضمن مجال القدر 5 إلى 6 وهو ما يجعله قريباً من حدود الرؤية بالعين المجردة في السماء المظلمة جداً بينما يحتاج في المدن ذات التلوث الضوئي مثل الرياض أو جدة إلى منظار أو تلسكوب صغير لرصده بوضوح ومن المتوقع خلال فترة الذروة أن يصل إلى قدر يقارب 3 تقريباً أو أفضل قليلًا في السيناريوهات المتفائلة إلا أن هذا يبقى نطاقاً احتمالياً يعتمد على تطور نشاطه الفعلي وليس قيمة ثابتة.
أما أقرب اقتراب له من الأرض فسيكون في أواخر أبريل 2026 على مسافة تقارب 0.48 إلى 0.5 وحدة فلكية (نحو 72 مليون كيلومتر تقريباً) وهو اقتراب رصدي آمن تماماً لا يشكل أي خطر على الأرض بل يمثل فرصة علمية لدراسة سلوك المذنبات خلال مرورها في النظام الشمسي الداخلي.
ومن الناحية البصرية قد يظهر المذنب بذيل غازي (أيويوني) يمتد عدة درجات في السماء مع ازدياد نشاطه قرب الشمس ويلاحظ أن كثيرا من الصور المنتشرة تعتمد على تقنية دمج عدة تعريضات طويلة وهي تقنية علمية تهدف إلى رفع نسبة الإشارة إلى الضوضاء وإظهار التفاصيل الخافتة مثل الذيل والهالة الغازية دون أن تعكس بالضرورة ما تراه العين مباشرة مثل الصورة المرفقة.
ويعزى اللون الأخضر الذي قد يظهر في بعض المذنبات إلى وجود جزيئات مثل ثنائي الكربون التي تتفاعل مع الأشعة فوق البنفسجية الصادرة عن الشمس وهي ظاهرة كيميائية معروفة وليست مؤشراً على ندرة استثنائية بحد ذاتها.
كما تشير النماذج الرصدية إلى أن تغير موقع المذنب بين ساعات الفجر واتجاهاته في السماء يحدث بشكل تدريجي ومنضبط وفق حركته المدارية وليس بشكل مفاجئ ويتم تتبعه عبر خرائط فلكية تحدث باستمرار مع تطور البيانات.
وفي تحديثات الرصد الأخيرة يظهر المذنب استقراراً نسبياً في سطوعه ضمن المجال المذكور مع احتمالية زيادة تدريجية مع اقترابه من الحضيض الشمسي إلا أن سلوك المذنبات يظل غير ثابت وقد يشهد تغيرات مفاجئة في السطوع أو البنية أو حتى التفكك الجزئي في بعض الحالات.
وبذلك يمكن القول إن المذنب C/2025 R3 سيخضع للرصد خلال هذه الفترة لكنه في الوقت نفسه مثال واضح على الفجوة بين الوصف الإعلامي والتوصيف العلمي الدقيق حيث إن قيمته الحقيقية تكمن في كونه جرم فلكي طويل الدورة قادما من أعماق النظام الشمسي ويرصد ضمن حدود علمية دقيقة بعيداً عن المبالغات أو التأكيدات غير المثبتة.
وفي النهاية فإن متابعة مثل هذه الأجرام تمنح فرصة لفهم ديناميكية النظام الشمسي وسلوك المذنبات بشرط الاعتماد على البيانات الرصدية الموثوقة والتحديثات العلمية المستمرة بدلًا من الاكتفاء بالوصف المتداول على منصات التواصل.










