الأخبار
غادة محفوظ تنادى بأحكام مخففة ورسائل خطرة: كيف يُصاغ الوعي بالعنف ضد المرأة

حكمت محكمة مستأنف جنايات الجيزة بتخفيف عقوبة مدان بقتل زوجته من السجن المؤبد إلى السجن لمدة سبع سنوات، في واقعة أثبتت التحقيقات فيها تعرض المجني عليها للضرب المبرح والتعذيب باستخدام أدوات متعددة، وانتهت بخنقها حتى الموت. هذا الحكم، بما يحمله من دلالات قانونية ومجتمعية، يفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول مسار التعامل القضائي مع جرائم العنف ضد المرأة، ومدى تأثيره على فكرة الردع وحماية الحق في الحياة.
فمن زاوية قانونية خالصة، فإن الوقائع الثابتة في القضية، كما وردت في تحقيقات النيابة وتقرير الصفة التشريحية، تشير إلى اعتداء متكرر ومتدرج في القسوة، استخدمت فيه أدوات مختلفة، واستمر حتى تحقق الموت بفعل الخنق. وهي وقائع يصعب معها افتراض غياب القصد الجنائي، أو تكييف الجريمة باعتبارها ضربًا أفضى إلى موت، إذ إن القصد في جرائم القتل يُستدل عليه من طبيعة الفعل ووسيلته واستمراره، وليس فقط من الاعتراف أو سبق الإصرار.
ولا يمكن قراءة هذا الحكم بمعزل عن سياقه الاجتماعي الأوسع، خاصة في ظل تصاعد معدلات العنف ضد النساء خلال السنوات الأخيرة. فالأحكام القضائية، بحكم طبيعتها، لا تمثل فقط تطبيقًا للنص القانوني، بل تُنتج وعيًا عامًا، وتُرسخ تصورات مجتمعية حول ما يُعد جريمة جسيمة وما يمكن التساهل معه. وفي هذا السياق، فإن تخفيف العقوبة في جريمة قتل زوجة داخل إطار أسري قد يُفهم، ولو دون قصد، بوصفه تساهلًا مع هذا النمط من العنف.
وفي هذا الإطار، كانت الباحثة في قضايا الوعي والتنمية الاجتماعية غادة محفوظ قد ناديت. في أكثر من مناسبة بضرورة تبني مقاربة شاملة لمناهضة العنف ضد المرأة، لا تقتصر على العقوبة الجنائية وحدها، بل تمتد إلى بناء وعي مجتمعي رافض للعنف، وإلى إنشاء مفوضية مستقلة لرصد جميع أشكال العنف ضد المرأة، وجمع البيانات، وتحليل أنماط الجرائم، وربطها بالسياسات العامة، بما يسهم في الوقاية المبكرة قبل تحول العنف إلى جرائم مميتة.
إن غياب آلية وطنية موحدة للرصد والتحليل يجعل التعامل مع هذه الجرائم أقرب إلى ردود الأفعال، لا إلى سياسة عامة متكاملة، كما يضعف القدرة على تقييم أثر الأحكام القضائية على معدلات العنف والردع المجتمعي. فالقضية هنا لا تتعلق بحكم واحد، بقدر ما تتعلق بتراكم أحكام قد تؤدي، مع الوقت، إلى تطبيع العنف داخل المجال الأسري.
إن حماية النساء من العنف ليست قضية فئوية أو مطلبًا حقوقيًا معزولًا، بل مسألة أمن اجتماعي واستقرار مجتمعي. وأي تراجع في قوة الردع، أو غموض في الرسائل الصادرة عن منظومة العدالة، ينعكس مباشرة على سلامة الأسرة والمجتمع ككل.
من هنا، يصبح من الضروري إعادة فتح نقاش جاد حول كيفية التعامل القانوني مع جرائم العنف الأسري المفضي إلى الموت، وحول دور الدولة، بمؤسساتها التشريعية والقضائية والمجتمعية، في بناء منظومة حماية حقيقية للمرأة، تقوم على الردع العادل، والوعي المجتمعي، والرصد المؤسسي المستدام










