صحافة ورأي

عقوبة العمل من اجل المصلحة العامة

إعلانات إعلانات إعلانات إعلانات إعلانات

عقوبة العمل من اجل المصلحة العامة
بقلم: الدكتور جابر غنيمي
المساعد الأول لوكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بسيدي بوزيد
مدرس جامعي

لقد كان من الأخطاء التاريخية الاعتماد على الحل العقابي وحده في التصدي للجريمة، فظهر فشل هذا الحل في تحقيق أهدافه وارتفاع نفقاته،  و لذلك تم التفكير في بدائل لعقوبة السجن. ولعل من أهم بدائل العقوبات هي عقوبة العمل من اجل المصلحة العامة.
ويقصد بعقوبة العمل من اجل المصلحة العامة، العقوبة التي تصدرها جهة قضائية مختصة تتمثل في القيام بعمل من طرف المحكوم عليه للنفع العام بدون أجر، بدلا من إدخاله المؤسسة العقابية لقضاء العقوبة السالبة للحرية.
ويقصد بها أيضا القيام بعمل للمصلحة العامة وهذا من أجل إصلاح المجرم وتوعيته والحيلولة بينه وبين عودته للجريمة، ومساعدة المحكوم عليه باندماجه في المجتمع وإبعاده عن الاختلاط بالمساجين وإصلاح نفسه وأداء الخدمة للصالح العام.
وتعرف بأنها عقوبة مقيدة من حرية المحكوم عليه وتكون بموافقته من أجل انجاز عمل بدون أجر ذو نفع عام للمجتمع .
و نخلص إلى القول أن عقوبة العمل للنفع العام هي عقوبة تبنتها التشريعات الحديثة كعقوبة بديلة للعقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة وهي عقوبة صادرة عن جهة قضائية مختصة وهي قيام المحكوم عليه بعمل دون أجر موجهة لفائدة عامة الشعب بدلا من وضعه في المؤسسة العقابية في توفير شروط حددها القانون. وتجدر الإشارة على أن العقوبة العمل من اجل المصلحة العامة تختلف تسميتها حسب البلدان التي تأخذ بها ومن هذه التسميات: عقوبة العمل للنفع العام كما هو الحال في الجزائر، عقوبة العمل لفائدة المصلحة العامة كما هو الحال في تونس، الخدمة الاجتماعية والبيئية كما هو الحال في المملكة العربية السعودية .
و قد اقر المشرع التونسي عقوبة العمل من اجل المصلحة العامة بمقتضى القانون عدد 89 المؤرخ في 2 أوت 1999 المتعلق بإرساء نظام العمل لفائدة المصلحة العامة كبديل لعقوبة السجن .
و في إطار دراسة عقوبة العمل من اجل المصلحة العامة سنتعرض إلى نشأة و غاية عقوبة العمل من اجل المصلحة العامة ) المبحث الأول( والنظام القانوني لعقوبة العمل من اجل المصلحة العامة ) المبحث الثاني(
المبحث الأول: نشأة و غاية عقوبة العمل من اجل المصلحة العامة
سنتولى تحديد أصل نشأة عقوبة العمل من اجل المصلحة العامة ) الفقرة الأولى( و غايتها ) الفقرة الثانية(
الفقرة الاولى: أصل نشأة عقوبة العمل من اجل المصلحة العامة: لم تنشأ فكرة عقوبة العمل من اجل المصلحة العامة بمعزل عن التطور الشامل للقانون الجنائي، ذلك التطور الذي كان نتيجة جهود علماء الفكر الجنائي للبحث في شتى اتجاهات العلوم الجنائية، وقد جاءت هذه المراحل:
أ- عقوبة عقوبة العمل من اجل المصلحة العامة ما قبل الميلاد: في مرحلة ما قبل الميلاد لم تكن فكرة عقوبة العمل من اجل المصلحة العامة موجودة، غير إن قانون الألواح الإثني عشر الذي كان ساري المفعول في الحضارة الرومانية نص على نوع من العقوبات المقررة لجريمة السرقة، إذا كانت السرقة متلبس بها مثلا وارتكبت نهارا دون حمل السلاح وكان السارق حرا يعاقب بإنزاله منزلة الرقيق ويصبح عبدا للمسروق ، وإذا تمت السرقة دون تلبس وثبتت قضائيا وكان الشيء المسروق في حيازة السارق، إذ يعاقب بدفع غرامة تساوي ضعف مبلغ الشيء المسروق، وفي حالة خدم دفعها ولم يصالحه الشخص المسروق يصبح عبدا له، فخلال هذه الفترة لم نلاحظ أي وجود أو تطبيق لعقوبة العمل من اجل المصلحة العامة باعتبار أن الفكرة لم تسد آنذاك.
ب- عقوبة العمل من اجل المصلحة العامة في الشريعة الإسلامية: بمجيء الشريعة الإسلامية وبالتحديد في غزوة بدر الكبرى، لما أسر المسلمون عددا من كفار قريش استشار الرسول صلى االله عليه وسلم أصحابه بعد بلوغه المدينة في أمرهم فقال أبو بكر الصديق رضي االله عنه ” يا رسول االله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، فإني أرى أن تؤخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم االله فيكونوا لنا عضدا. فقال رسول االله صلى االله عليه وسلم ” ما ترى يا ابن الخطاب؟ ” فقال عمر رضي االله عنه:” واالله ما أرى أن تمكنني من فلان ( قريب لعمر) فاضرب عنقه، وتمكن علي من عقيل بن أبي طالب فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم االله أنه في قلوبنا هوادة للمشركين وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم. فهوى الرسول صلى االله عليه وسلم ما قاله أبو بكر رضي االله عنه ولم يهوى ما قاله عمر رضي االله عنه، وأخذ منهم الفداء، فلما كان من الغد قال عمر: فغدوت إلى النبي صلى االله عليه وسلم وأبي بكر – وهما يبكيان – فقلت يا رسول االله صلى االله عليه وسلم :” للذي عرض علي أصحابك: من أخذهم الفداء فقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة بشجرة قريبة”. واستقر الأمر على رأي الصديق فاخذ منهم الفداء، وكان الفداء من أربعة آلاف درهم إلى ثلاثة آلاف درهم، وكان أهل مكة يكتبون وأهل المدينة لا يكتبون، فمن لم يكن فداء دفع له عشرة غلمان المدينة يعلمهم، فإذا حذقوا فهو فداء. ومن الرسول صلى االله عليه وسلم على عدة أسرى، فأطلقهم بغير فداء، فكان مقابل الفدية لأسير قريش تعليم عشرة غلمان الكتابة ، وهنا القصد من الشريعة الإسلامية تعميم النفع العام والاستفادة من أهل قريش بتعليم الغلمان. وروي البخاري من حديث ابن مسعود رضي االله عنه قال: أن رجلا أصاب من إمراءة قبلة فأتى رسول االله صلى االله عليه وسلم، فذكر ذلك له فانزل عليه قوله تعالى ” وأقم الصلاة قال الرجل: ألأي هذه؟ قال لمن عمل بها من أمتي، فالحديث يوضح لنا أن الرجل لما ذكر خطيئته أمر بالإكثار من الحسنات، لأنها سبب لتكفير السيئات ولم ينزل عليه عقوبة أخرى، وهذا يتفق مع التعزيز بالعمل للمصلحة العامة عليه ، فمن خلال هذا نجد الشريعة الإسلامية أخذت بفكرة العمل للنفع العام بما يعود على المجتمع من فائدة.
ج- عقوبة العمل من اجل المصلحة العامة في التشريعات العقابية الحديثة: اتفقت التشريعات العقابية العربية والأجنبية منها خاصة على الأخذ بعقوبة العمل من اجل المصلحة العامة ، وفي هذا الإطار نجد الكثير من المؤتمرات قد قامت بالنداءات وطالبوا بإحلال الصفة الإنسانية للعقوبة حيث أكدوا ضرورة الاهتمام بكرامة الإنسان والسلوك الإنساني، ومن هذه المؤتمرات المؤتمر العقابي الدولي الثالث الذي عقد في روما عام 1885 ،الذي كان يدور حول عدم صلاحية السجن كجزاء لجميع الجرائم وقد طرحت فكرة إحلال عقوبات أخرى محل عقوبة الحبس في حال الخطأ اليسير تكون مقيدة للحرية مثل العمل بمنشآت عامة، وقواعد بكين 1985 ،اعتمدت قواعد بكين من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 نوفمبر 1985 ، باعتبارها مبادئ توجيهية لإدارة شؤون الأحداث، وحثت هذه القواعد على ضرورة اتخاذ تدابير بديلة للعقوبة السالبة للحرية منها عقوبة العمل من اجل المصلحة العامة مع الأحداث الجانحين. واجتماع خبراء الأمم المتحدة – فيينا 1988 انعقد هذا الاجتماع في فيينا من 30 إلى 02 جوان 1988 ، حيث جاء في توصياته إلى ضرورة وضع استراتجيات للتقليل من العقوبات السالبة للحرية واللجوء للعقوبات البديلة منها عقوبة العمل من اجل المصلحة العامة، مع ضرورة وضع قوانين تنظمها وتبين كيفية تطبيقها والضمانات اللازمة لها. وتقرير الأمين العام للأمم المتحدة إلى مؤتمر هافانا 1990 ، في تقرير قدمه الأمين العام للأمم المتحدة لمؤتمر هافانا في 01 جوان 1990 ، ذكر فيه أن عقوبة سالبة للحرية ما تزال سائدة لكن توجد نية لاتخاذ التدابير البديلة ومنها عقوبة العمل للنفع العام، وذكر الاتجاهات المؤيدة لذلك، وحث أيضا إلى ضرورة لفت الانتباه نحو البحث في صلاحية هذه التدابير البديلة وفائدتها والمساهمة في إنجاحها، ومؤتمر كادوما –زيمبابوي 1997 ، إنعقد مؤتمر كادوما في زيمبابوي من 24 إلى 28 نوفمبر 1997 وقد حضره 96 مندوب من 23 دولة، 15 منهم من الدول الإفريقية يمثلون اللجان الوطنية لخدمة المجتمع، وكانت توصياته ترمي إلى عدم استخدام السجن إلا كملاذ أخير عندما تعجز الآليات البديلة الأخرى ومنها عقوبة العمل للمصلحة العامة في التعامل مع المجرمين، خاصة المجرمين ذوي الجنح البسيطة، ولهذا تأثرت بها معظم الدول.
1- في الدول الغربية: ويرى البعض أن عقوبة العمل من اجل المصلحة العامة هي صورة حديثة للجزاء الجنائي حيث طالب السيناتور ميشو بهذه الفكرة أمام الجمعية العامة للسجون عام 1883 ، وظلت هذه الفكرة في طي النسيان حتى جاء القانون السوفياتي لسنة 1920 وأخذ بعقوبة العمل الإصلاحي، جاعلا إياها عقوبة الجرائم ، وطبقت في مجال الأحداث أيضا أو كبديل لسلب الحرية .
وفي بداية القرن العشرين نادى الفقيه الألماني “ليزت” بضرورة اللجوء لعقوبة العمل من اجل المصلحة العامة كعقوبة بديلة للعقوبة السالبة للحرية وذلك لتجنب سلبيات هذه الأخيرة وهو الأمر الذي دفع بالعديد من الدول إلى تبني العقوبة العمل للنفع العام في تشريعاتها العقابية المعاصرة . ثم تبنته بريطانيا بموجب القانون المعروف باسم O.S.C organisation service communauté ، وقد عرف بنظام الخدمة العامة سنة 1972 . ويرجع الفضل في تطبيق هذه العقوبة إلى البارون باربارأوتن الذي أدخل اقتراحاته في قانون العدالة الجنائية سنة 1972 حيث كانت قبل هذا بدائل السجن في بريطانيا منحصرة في الغرامة والوضع تحت الاختبار.
ونشأ هذا النظام كبديل لعقوبة الحبس في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1970، ثم انتقل إلى انقلترا في عام 1979، ثم انتقل إلى بقية أنحاء دول أوروبا وبعدها عبر المحيط ليتم تطبيقه في مقاطعة “كبيك” بكندا سنة 1980 ، ثم طبق في البرتغال سنة 1982 . ولم تأخذ به فرنسا إلا سنة 1983 عند صدور قانون 10/06/1983 الذي تمم بالمرسوم المؤرخ في 23/12/1983 وطبقته في جانفي 1984 . وتم الأخذ بعقوبة العمل من اجل المصلحة العامة في اليونان تطبيقا لقانون تنظيم المؤسسات العقابية الصادر بموجب القانون رقم 1851 لسنة 1989 ولقد تم العمل بهذا القانون ابتداء من أول جانفي 1990 ، حيث يحق للمحكوم عليه بعقوبة سالبة للحرية لا تتجاوز 18 شهر أن يتقدم بموجب المادة 61 من هذا القانون بطلب إلى محكمة تنفيذ العقوبات لاستبدال العقوبة السالبة للحرية بعقوبة العمل للنفع العام، وتشترط نفس المادة بأن يتم تنفيذ هذه العقوبة لدى إحدى الجهات العامة، أو الهيئات المحلية أو شخص من أشخاص القانون العام ، ثم أدخل نظام عقوبة العمل من اجل المصلحة العامة في القانون السويسري سنة 1990 وفي بلجيكا سنة 1994 ، حيث يقرر القانون البلجيكي عقوبة العمل من اجل المصلحة العامة كعقوبة تبعية لعقوبة الحبس أو كشرط لانقضاء الدعوى العمومية، وبعد تعديل قانون العقوبات أصبحت عقوبة العمل من اجل المصلحة العامة عقوبة أصلية يتم تطبيقها إذا كانت الجريمة التي ارتكبها المحكوم عليه لا تتعدى عقوبتها خمس سنوات . ولهذا نجد أن معظم الدول الأجنبية دعت إلى ضرورة تطبيق هذا النوع من البدائل العقابية الحديثة.
2- في الدول العربية: بدأت عقوبة العمل من اجل المصلحة العامة الانتشار في الدول العربية من خلال النتائج المحفزة في الدول الغربية التي عملت بها ، فشوهد تطويرها بداية بتعديل بعض النصوص العقابية وقوانين الإجراءات الجزائية السائدة بها من خلال التخفيف من عزلة السجين وإتاحة الفرص لديه للاتصال بالعالم الحر، ولهذا برز الاتجاه الذي يهدف إلى الحد من استخدام عقوبة السجن ذاتها واستبدالها بعقوبات بديلة أخرى ذات طبيعة غير سالبة للحرية ومن بين هذه البدائل عقوبة العمل من اجل المصلحة العامة ، ومن أبرزها مصر ولبنان، ففي مصر أن التفكير في هذا النظام يرجع إلى تلك الفترة من تاريخ القانون الجنائي التي ذاعت فيها اتجاهات النظرية الوضعية الإيطالية وفكرة جعل العقوبة ملائمة لحالة كل مجرم. ولم يلبث هذا النظام أن اتخذ سبيله إلى عدد وفير من التشريعات كان من بينها التشريع المصري الذي ادخله سنة 1904 مستمدا أحكامه بصفة أساسية من التشريعين الفرنسي والبلجيكي مع بعض القيود، بعد ذلك عمل المشرع المصري على التحلل من هذه القيود حتى وصل سنة 1937 إلى إفساح المجال أمام القاضي لتطبيق النظام في أوسع نطاق، فلم يدرج عقوبة العمل للنفع العام ضمن العقوبات الأصلية لكن المنظم المصري سمح بتطبيقها في صورتين ، فالأولى كبديلة للحبس قصير المدة، والثانية كبديل للإكراه البدني، ففي الصورة الأولى أعطى للمذنب الذي يحكم عليه بعقوبة حبس لا تزيد على ثلاثة أشهر حق إبدال الحبس بعقوبة العمل للنفع العام بشرط أن لا ينص الحكم على حرمانه منها، وينفذ المحكوم عليه هذه العقوبة مدة مساوية لمدة عقوبة الحبس التي كان يجب عليه تنفيذها، فإن لم يلتزم المحكوم عليه بأداء العمل تنفذ عليه عقوبة الحبس المستبدلة التي كانت مقررة عليه . أما الصورة الثانية فهي كبديل للإكراه البدني باعتباره وسيله لتحصيل الغرامة التي يمتنع المحكوم عليه عن دفعها، فالمحكوم عليه أن يطلب من النيابة العامة قبل صدور الأمر بالإكراه البدني إبداله بعمل يدوي أو صناعي يقوم به للنفع العام .
وفي لبنان طبقت عقوبة العمل من اجل المصلحة العامة كتدبير احترازي على فئة معينة، فقد أقر في لبنان عبر قانون خاص هو قانون الأحداث فهو ليس من العقوبات الأصلية المدرجة ضمن العقوبات في قانون الجزاء، وقد هدف المنظم اللبناني من خلال وضع قانون خاص هو قانون الأحداث، فهو ليس من العقوبات الأصلية المدرجة ضمن العقوبات في قانون الجزاء، وقد هدف المنظم اللبناني من خلال وضع قانون خاص للتعامل القضائي مع الأحداث المخالفين للقانون أو المعرضين للخطر إلى إبعادهم ما أمكن عن الإجراءات القضائية والتعامل معهم بما يؤهلهم للإصلاح والاستقامة والحماية من الانحراف . ونصت المادة 11 من المرسوم التشريعي رقم 422 تاريخ 6 جوان 2002 المتضمن” قانون حماية الأحداث والمخالفين للقانون والمعرضين للخطر” على أنه يمكن إلزام الأحداث الذين تتراوح أعمارهم بين 12-18 سنة ما عدا مرتكبي الجنايات بالقيام ببعض الأعمال التي تعود بالفائدة على المجتمع مثل التنظيف والطلاء بدلا من أن تفرض عليه تدابير الإيداع في المؤسسات الإصلاحية، وقد قام عدد من القاصرين بأعمال الإغاثة في الجنوب بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان في 2006.
وفي الجزائر لم يتبنى المشرع نظام عقوبة العمل للنفع العام إلا حديثا لأن النظام العقابي كان يشهد تحولا ملحوظا في مجال الإصلاح العقابي منذ نهاية مرحلة الألفين إلى يومنا هذا من أجل إنجاح السياسة العقابية، فقد كانت توجه هذه الجهود من أجل إصلاح شامل للعدالة، فقد بدأت الإصلاح أولا بتحديث المؤسسات العقابية وجعلها تتلاءم مع المقاييس الحديثة ، وإلى غاية 2009 تم إدراج عقوبة العمل من اجل المصلحة العامة بموجب القانون رقم 09-01-المؤرخ في 25 فيفري 2009 الذي تضمن في الفصل الأول مكرر منه تحت عنوان عقوبة العمل للنفع العام. ونلاحظ أن التشريعات العربية فضلت العمل للمنفعة العامة على الأحداث، ولعل لهذا التوجه ما يبرره ذلك أن عمر الحدث الصغير يعطي إمكانية أكبر لتحقيق أهداف الخدمة الاجتماعية في غرس القيم الاجتماعية كالعدالة والأمن واحترام العمل واحترام الوقت ومنع المشكلات المرتبطة بالإدمان والجريمة. 
الفقرة الثانية: الغاية من عقوبة العمل من اجل المصلحة العامة: يعد العمل من اجل المصلحة العامة من بدائل العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدة، وتبدو أهمية هذا البديل من زوايا متعددة فمنها الجانب العقابي و الإصلاحي والاجتماعي وكذا الاقتصادي.
أ- الغاية العقابية: تعد عقوبة العمل من اجل المصلحة العامة من البدائل المقترحة للحد من الآثار السلبية لعقوبة سلب الحرية قصيرة المدة، وتستند هذه البدائل إلى ترك المذنب حرا في بيئته الاجتماعية الصالحة لإعادة تأهيله من خلال العمل الإجباري على المحكوم عليه خارج السجن . وتظهر هذه الغاية في تقييد وقت فراغ المحكوم عليه
ب- الغاية الاجتماعية: تمثل الجريمة اعتداء على أمن المجتمع وسكينته، لأن فيها اعتداء على العدالة أي إهدار قيمة من القيم التي يقوم عليها التوازن الاجتماعي فتتميز عقوبة العمل من اجل المصلحة العامة بالغاية الاجتماعية لما لها من آثار إيجابية على المحكوم عليه حيث يبقى في بيئته الاجتماعية قريبا من أسرته وعمله ومحيطه . وتظهر هذه الغاية في إشراك المجتمع كجهاز في عملية التأهيل للمحكوم عليه، حيث أن هذا الأخير عندما يقدم عملا للصالح العام فإنه يقوم به في إحدى مؤسسات المجتمع إضافة إلى أن علاقته بأسرته ومجتمعه لا تنقطع .
ج- الغاية الاقتصادية: العقوبة السالبة للحرية عقوبة باهظة الثمن، تكلف خزينة الدولة أموالا طائلة تنفق على المساجين والسجون والعاملين فيها، وبذلك فإن لعقوبة العمل للنفع العام مساهمة فعالة في التخفيف من هذه الأعباء، وناحية أخرى فإن عدم دخول المذنب للسجن يعني توفير التكاليف التي يتطلبها دخوله للمؤسسة العقابية.
المبحث الثاني: النظام القانوني لعقوبة العمل من اجل المصلحة العامة
يحكم بهذه العقوبة في حالات و بشروط محددة ) الفقرة الأولى( وتشترط آلية تنفيذ ) الفقرة الثانية(
الفقرة الأولى: حالات و شروط الحكم بهذه العقوبة:
أ- حالات الحكم بهذه العقوبة:
العمل لفائدة المصلحة العامة هي عقوبة بديلة عن عقوبة السجن المصرح بها و التي لا تتجاوز مدتها المستوجبة عام.
و ينجز العمل لفائدة المصلحة العامة دون اجر لمدة لا تتجاوز 600 ساعة بحساب ساعتين عن كل يوم سجن.
ولا يمكن الجمع بين عقوبة السجن وعقوبة العمل لفائدة المصلحة العامة.
ويحكم بهذه العقوبة في جميع المخالفات و في الجنح التالية فقط:
1- جرائم الاعتداء على الأشخاص:
*الاعتداء بالعنف الشديد الذي لا يترتب عنه سقوط مستمر او تشويه و غير مصحوب بظرف من ظروف التشديد.
*القذف.
*المشاركة في معركة.
2- جرائم حوادث الطرقات:
*مخالفة قانون الطرقات باستثناء جريمة السياقة تحت تأثير حالة كحولية أو إذا اقترنت المخالفة بجريمة الفرار.

3- الجرائم الرياضية:
*اكتساح ميدان اللعب أثناء المقابلات.
*ترديد الشعارات المنافية للأخلاق الحميدة أو عبارات الشتم ضد الهياكل الرياضية العمومية و الخاصة أو ضد الأشخاص.
4- جرائم الاعتداء على الأموال و الأملاك:
*الاعتداء على المزارع.
*الاعتداء على عقار مسجل.
*تكسير حد.
*الاستيلاء على مشترك قبل القسمة.
*السرقة.
5- جرائم الاعتداء على الأخلاق الحميدة:
*التجاهر بما ينافي الحياء.
*الاعتداء على الأخلاق الحميدة .
*السكر المكرر.
6- الجرائم الاجتماعية:
*جرائم مخالفة قانون الشغل و مخالفة قانون الضمان الاجتماعي وكذلك مخالفة قانون حوادث الشغل و الأمراض المهنية.
*جرائم إهمال عيال.
*عدم إحضار محضون.
7- الجرائم الاقتصادية و المالية:

  • إصدار شيك بدون رصيد بشرط خلاص المستفيد و المصاريف القانونية.
    *الجرائم المترتبة عن مخالفة قانون المنافسة و الأسعار و قانون حماية المستهلك.
    8- جرائم البيئة:
    *مخالفة قاون البيئة.
    9- الجرائم العمرانية:
    *جرائم مخالفة القوانين العمرانية و التهيئة الترابية باستثناء التقسيم بدون رخصة.
    ب- شروط الحكم بهذه العقوبة:
    1- حضور المتهم بالجلسة.
    2- إثبات جدوى هذه العقوبة
    3- نقاوة سوابقه العدلية.
    4- إعلام المتهم بحقه في رفض العمل لفائدة المصلحة العامة.
    5- تسجيل قبوله العمل لفائدة المصلحة العامة.
    6- ضبط الأجل الذي يجب ان ينجز فيه العمل من قبل المحكمة على أن لا يتجاوز هذا الأجل 18 شهرا من تاريخ صدور الحكم.
    الفقرة الثانية: تنفيذ عقوبة العمل من اجل المصلحة العامة
    قبل تنفيذ عقوبة العمل لفائدة المصلحة العامة يعرض المحكوم عليه على الفحص الطبي بواسطة طبيب السجن القريب من محل إقامته للتحقيق من سلامته من الأمراض المعدية ومن قدرته على إتمام العمل.
    و قد ضبط المشرع مكان التنفيذ )أ( و حالات تعليق العقوبة )ب( و مآل عدم امتثال المحكوم عليه للعقوبة )ج(
    أ- مكان تنفيذ العقوبة:
    يتم قضاء العمل لفائدة المصلحة العامة بالمؤسسات العمومية او الجماعات المحلية أو الجمعيات الخيرية و الاسعافية او الجمعيات ذات المصلحة القومية و الجمعيات التي يكون موضوعها المحافظة على البيئة.
    ويتمتع المحكوم عليه بالعمل لفائدة المصلحة العامة بمقتضيات القوانين والتراتيب المتعلقة بحفظ الصحة والسلامة المهنية. وتؤمن المؤسسة المنتفعة بالعمل المحكوم عليه ضد حوادث الشغل والأمراض المهنية وذلك طبق القانون الجاري به العمل.
    ب- تعليق العقوبة:
    تعلق مدة التنفيذ لأسباب صحية او عائلية أو مهنية أو عند إيداع المحكوم عليه بالسجن من اجل جريمة أخرى أو عند قضاء الخدمة الوطنية على أن يبدأ احتساب المدة الجديدة من تاريخ زوال الموجب أو السبب.
    ج- عدم امتثال المحكوم عليه لتنفيذ العقوبة:
    1- عند تغيب المحكوم عليه يوما واحدا في المرة الاولى و يومين في المرة الثانية يعوض يوم الغياب بضعفه.
    2- يقضي المحكوم عليه عقوبة السجن كاملة دون خصم في الحالتين التاليتين:
    *في حالة امتناعه عن تنفيذ عقوبة العمل لفائدة المصلحة العامة.
    *في حالة انقطاعه عنها للمرة الثالثة بدون عذر شرعي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى