فن و ثقافة

عبدالستار ناجي يكتب : المرأة تعزف على مقام التضحية في ليالي المسرح الحر

STP LA TUNISIENNE DE PUBLICITÉ

يشكل حضور المرأة النسبة الأكبر في عروض مهرجان ليالي المسرح الحر في دورته الـ 19 بالعاصمة الأردنية “عمان” – التى انطلقت 29 يونيو الماضي وتختتم مساء اليوم – حضورا فاعلا واساسيا وهو حضور لم تخلقه الصدفة بل حصاد حتمي للمكانة التى راحت تحتلها المرأة والانجازات والبصمات التى حققتها ، ويتأكد هذا الحضور عبر مجموعة من الاعمال وفي مقدمتها مسرحية – سيناريو وحوار – لفرقة مسرح الخليج العربي من تاليف واخراج فيصل العبيد وبطولة سماح ويوسف البغلي ، حيث يتجاوز حضور المرأة الصيغ التقليدية الى الكينونة الحقيقية الفاعلة والمؤثرة في مسارات النص والعرض . فهي ليست مجرد فكرة عابرة على ذلك الكاتب بقدر ما هي كيان وشريك وذاكرة مشتركة .


ان الشخصية المحورية هي كاتب مصاب بمرض اضطراب الشخصيات المتعددة والذى يجعله ينتقل بين مجموعة من الحالات فاقدا للذاكرة . ولكنه في كل مرة يذهب بها الى تجربة كتابية تكون المراة هي الحاضر الاساس بل مصدر ذاكرته لتعريفة بذاته التى سرعان ما تضمحل وتذوب وتتلاشي الى النسيان عندها يبدا ذلك الكاتب بالبحث عن نفسه وهويته وكينوته وليس ما سبيل امامة سوي تلك المراة الشريك والشاهد والفكرة والموضوع والقضية والنبض الدائم .
جملة المشهديات التى ياخذنا اليها ذلك المشاهد تكون المراة هي مركزها ومحورها واساسها حتى نصل الى اللوحة النهائية لتكون الحقيقية التى نكاد نكون عرفناها منذ اللحظة الاولي حيث تلك المراة الصبورة والمثابرة والتى تظل تتشكل وتتلون لتبقي الشريكة والرفيقة حتى مع كاتب فقد البوصلة الى معرفة هويته .


ثنائي العرض الفنانة سماح والفنانة يوسف البغلي كانا في مباراة متناغمة من الاداء الثري والعميق كلاهما يحمل الاخر الى افاق اضافية ترسخ مفردات ومضامين العرض ومن قبله دلالات الشخصيات وعذابتهما المشتركة .. ان تلك الكينونة المشتركة لا يمكن لها ان تكون بشكل احدي لذا تظل تلك المراة تعزف علي مقام التضحية هو بلا ادني شك مقام عامر بالتجليات السرمدية .
خلف العمل كوكبه من الاسماء لابد من التوقف عندها ومنها وليد سراب ( موسيقي ) د . فهد المذن (السينوغرافيا ) و حسين الحسن ( التقنيات ) و ( عبدالعزيز العبيد ( التقنيات ) و ايضا الكاتب والمخرج المتميز فيصل العبيد الذي يؤكد تجربة بعد اخري علو كعبه وتميزة وانتماءه الحقيقي لحرفته وهو في هذا العرض يتحرك عبر خط شديد الشفافية والتوازن بين الكتابة والحلول الاخراجية التى ذهبت بعيدا في تحقيق مفردات الاضافة لمضامين العمل . ونعود لبيت القصيد لنؤكد بان المراة في سيناريو وحوار ليست مجرد فكرة بل كيان وقضية ومحور واساس .


وفي المقابل تاتى مسرحية – حياة سعيدة – انتاج نقابة الفنانين العراقيين تاليف عبدالنبي الزيدي واخراج كاظم نصار وتمثيل علاء قحطان وحسن هادي ولبوه صلاح وغفران فارس ..
فرحان وفرحانه عريسان يلجأن بعد حادث انفجار ليلة زفاهما الى منزل وبدلا من ان يكون هذا المنزل محطة امان فاذا به يفجر داخلهما عذابات الحياة اليومية المعاشة في بغداد حيث الانفجارات هي الايقاع اليومي المعاش .
والمراة هنا الشريك الحقيقي الذى تورط في متاهات تلك اللعبة القاسية التى ابتكرها الكاتب الزيدي واشتغل كاظم نصار عليها تعميق دلالاتها وفك شفراتها . فاذا نحن امام امراة لا تتحرك بشكل احادي بل هي كيان حقيقي يعيش التجربة بكافة تفاصيلها وصولا الى التفكير بمستقبل الاحفاد المظلم .. عبر مسار توتري متصاعد ما ان ينتهي من لحظة حتى يلج بركاين تقذف بحممها في كل اتجاة .


في اداء لبوه وحسن هادي كيميائية عالية تم ضبطها بشكل اعمق في العرض الثاني الذى شاهدته في عمان بعد تجربة عرضه في بغداد وهو عرض يمتاز بالمرونه واللهو والمباغتات التى لا تكاد تهدأ بل نراها تستعر عبر تلون متسارع يتجاوز حدود الهذيان .
المراة هنا كما هي المراة في النسبة الاكبر من عروض مهرجان المسرح الحر تعيش على حافة النصل بل على حدود الهاوية ورغم ذلك نراها تصر على ان تعيش اللحظة وهي تعلم قبل غيرها انها تعيش الهاوية والجنون .. لذا تظل حاضرة بكثير من الدفق الانساني العالي .
ونخلص ..
المراة في عروض مهرجان ليالى المسرح العربي لم تأتى مصادفة بل هي حاضرة عبر اختيارات ذكية وحساسة ولهذا يأتى التناغم العالي بين العروض مها اختلفت وتنوعت وتعددت .. انها المراة التى تعزف على مقام التضحية ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى