مقالات

طرق الإثبات في المادة الجزائية

إعلانات إعلانات إعلانات إعلانات إعلانات


بقلم: الدكتور جابر غنيمي
المساعد الأول لوكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بسيدي بوزيد
مدرس جامعي

إذا رفعت الدعوى إلى المحكمة أصبحت هي المختصة بإجراء التحقيق فيها، مما يبرز الدور الإيجابي للقاضي في الإثبات. بحيث لا يكتفي بما قدمته النيابة من أدلة لإثبات التهمة وما قدمه المتهم من أدلة لنفيها، وإنما يتخذ القاضي كل إجراء التحري والتحقيق للكشف عن الحقيقة وذلك بتكليف الخصوم بتقديم أدلة معينة كسماع شهود أو ندب خبراء.
غير أنه يجوز للقاضي أن يثبت حكمه على أدلة لم تطرح في الجلسة ولم تناقش من طرف الخصوم أمامه، حيث ينص الفصل 150 من مجلة الإجراءات الجزائية”يمكن إثبات الجرائم بأية وسيلة من وسائل الإثبات ما لم ينص القانون على خلاف ذلك، ويقضي الحاكم حسب وجدانه الخالص.
 وإذا لم تقم الحجة، فإنه يحكم بترك سبيل المتهم”.
ولقد نص القانون على بعض الأدلة المقدمة التي يعتمد عليها القاضي في الإثبات فهذا لا يعني بأن القاضي
يتقيد بهذه الأدلة بل يجوز له الاعتماد على أي دليل آخر يكون مفيدا في إظهار الحقيقة، كالدليل المستمد من تطابق البصمات أو التنويم المغناطيسي أو أجهزة كشف الكذب أو فحص الدم أو غسل المعدة…إلخ.
و تتمثل وسائل الإثبات في الإقرار )المبحث الأول( و شهادة الشهود )المبحث الثاني ( و الاختبار )الفقرة الثالثة( و المحاضر و التقارير)الفقرة الرابعة( و المعاينات )الفقرة الخامسة( و القرائن )الفقرة السادسة(
المبحث الأول: الإقرار
الفصل 152 م ا ج “الإقرار مثل سائر وسائل الإثبات يخضع لاجتهاد الحاكم المطلق”.
و الإقرار هو اعتراف صادر من المتهم بارتكابه الوقائع المنسوبة إليه في التهمة.
و بطرح الإقرار مسألة شروطه )الفقرة الأولى( و تقديره )الفقرة الثانية(
الفقرة الأولى: شروط الإقرار
حتى يكون الإقرار دليلا لإثبات يؤخذ به لابد من توافر الشروط التالية:
-1 أن يصدر من متهم يتوافر لديه الإدراك والتمييز وحرية الاختيار، فلا يعتبر اقرارا الاعتراف الصادر من مجنون أو صغير الس ن أو الواقع تحت إكراه أو سكر اضطراري بسبب الخمر أو المخدر أو العقاقير كما
يبطل الاعتراف إذا وقع نتيجة خداع أو غش أو احتيال.
-2 أن يكون صريحا لا يحمل أي تأويل، فلا يشترط لوضوح الاعتراف هنا استعمال عبارات دون غيرها بل يكفي أن تدل أقوال المتهم مهما كانت أنها إقرار كما يجب أن ينصب على نفس الواقعة الإجرامية.
3- أن يصدر أمام القاضي نفسه حيث يكتفي به هذا الأخير في تأسيس حكمه.
أما الاعتراف أمام الضبطية القضائية أو جهات التحقيق الابتدائي فلا يعتد به القاضي.
-4 أن يصدر بناء على إجراءات صحيحة، حيث يتطلب القانون مثلا أن يكون التفتيش أو القبض صحيحا، أما إذا كان الإجراء الذي ترتب عليه الاعتراف باطلا فيكون الاعتراف باطلا.

الفقرة الثانية: تقدير الإقرار
إن الإقرار كدليل للإثبات متروك للسلطة التقديرية للقاضي ولا يتقيد به في تأسيس حكمه لأن الاعتراف قد يصدر في ظروف لا يطمئن إ ليها القاضي في صحته كون المتهم كان تحت إكراه مادي أو معنوي أو انه لم ستوفي شروطه القانونية أو المتهم يحاول تحمل مسؤولية جريمة ارتكبها غيره.
إذن للقاضي كامل الحرية في تقدير الاعتراف حتى ولو كان صادر عن إرادة حرة وسواء تم أمام جهة التحقيق أو أمام الضبطية القضائية أو أمام القاضي نفسه.
المبحث الثاني: شهادة الشهود
لقد نظم المشرع أحكام شهادة الشهود كالدليل للإثبات في الفصول من 158 إلى 261 م ا ج. وللقاضي تكيف أي شاهد يرى فائدة من سماع شهادته لإظهار الحقيقة للحضور أمام المحكمة.
و الشهادة هي أقوال تصدر عن شخص تتلق بالواقعة الإجرامية ذاتها وعاينها بحواسه عن طرق السمع أو البصر أو الشم أو الذوق أو اللمس وهي دليل شفوي.
و تطرح شهادة الشهود مسالة شروطها )الفقرة الأولى( و تقديرها )الفقرة الثانية(
الفقرة الأولى: شروط شهادة الشهود
حتى تكون الشهادة دليلا للإثبات يعتد به، لابد من توافر الشروط التالية:
-1 أن يكون في استطاعته الشاهد أداء الشهادة أي قادرا على التعبير بأي طريقة سواء بالكلام أو بالإشارة أو بالكتابة أو بالرسم.
-2 أن تنصب الشهادة على ما أدركه الشاهد من وقائع بحواسه أو على ظروف ذات تأثير في وصف الجريمة وتقدير عقوبتها كوجود صلة القرابة أو الماضي الإجرامي للمتهم.
-3 أن تكون صادرة عن شاهد بلغ 16 سنة وإلا سمعت على سبيل الاستدلال بدون حلف اليمين.
-4 أن يحلف الشاهد اليمين قبل أداء الشهادة ، ويعفى من حلف اليمين أصول المتهم وفروعه وزوجه وأخواته وأصهاره على درجته من عمود النسب.
الفقرة الثانية : تقدير شهادة الشهود
الأخذ بشهادة الشهود كدليل إثبات يرجع إلى السلطة التقديرية للقاضي، لذلك جاز للقاضي الأخذ بالشهادة كلها أو بعضها أو رفضها أو ترجيح شهادة شاهد على آخر.
ذا تبين أثناء المرافعات أن شاهدا تعمد التصريح بما ينافي الحقيقة فالرئيس يحرر محضرا في هذا الحادث والشاهد يوقف بعد سماع ممثل النيابة العمومية ويمكن الحكم عليه حالا.
المبحث الثالث: الاختبار
ينص الفصل 157 م ا ج على انه “إذا رأت المحكمة لزوم إجراء اختبار فإنه يجري العمل بأحكام الفصل 101 وما بعده”.
 و الاختبار يقتضي التعرض إلى شروطه ) الفقرة الأولى ( و تقديره )الفقرة الثانية(
الفقرة الأولى: تعريف الاختبار
يلجأ القاضي إلى ندب الخبراء كلما كانت هنا ك مسألة فنية أو علمية لا يستطيع إبداء الرأي فيها تدخل في نطاق التحقيق الذي يقوم به القاضي.
والخبرة بهذا المعنى هي الاستعانة بأحد أهل الاختصاص له دراية وكفاءة علمية وفنية للحصول على إيضاحات في المسائل التي تخرج عن نطاق معرفة القاضي توصلا إلى الحقيقة.

الفقرة الثانية: تقدير الاختبار
للقاضي مطلق الحرية في تقدير ما يقدمه الخبراء من تقارير فإذ ا لم يقتنع القاضي بتقرير الخبير جاز ندب خبير آخر لمعرفة رأي هذا الأخير في مسألة لم يجزم فيها الخبير الأو ل. كما يجوز له أن يفصل في مسألة لم يفصل فيها الخبير إذا كانت تتماشى مع وقائع القضية.
ولا يجوز للقاضي الأخذ بتقرير الخبير كدليل إثبات إلا إذا طرح في الجلسة وناقشه الخصوم.
المبحث الرابع: المحاضر و التقارير
المحاضر أو التقارير التي تحررها جهات جمع الاستدلالات وجهات التحقيق فتعد أهم المحررات في الدعوى العمومية ودليلا لإثبات الجرائم.
وقد نص الفصل 154 م ا ج ” لمحاضر والتقارير التي يحررها مأمورو الضابطة العدلية أو الموظفون أو الأعوان الذين أسند إليهم القانون سلطة معاينة الجنح والمخالفات تكون معتمدة إلى أن يثبت ما يخالفها وذلك فيما عدا الصور التي نص القانون فيها على خلاف ذلك.
وإثبات ما يخالف تلك المحاضر أو التقارير يكون بالكتابة أو بشهادة الشهود”.
ولا يكون للمحضر والتقرير قوة الإثبات إلا إذا كان صحيحا بتوافر شروطه الشكلية، حبث بنص الفصل 155 م ا ج ” المحضر لا يعتمد كحجة إلا إذا كان من الوجهة الشكلية محررا طبق القانون وضمن به محرره ما سمعه أو شاهده شخصيا أثناء مباشرته لوظيفه في مادة من اختصاصه”.
وتخضع المحاضر مثل باقي الأدلة إلى السلطة التقديرية للقاضي بحيث لا يتقيد بها تأسيس حكمه كأصل، غير أنه هناك محاضر لها حجية على القاضي.

المبحث الخامس: المعاينات
تساهم المعاينة في تكوين عقيدة المحكمة إذ تمنحها أفكارا أو انطباعات مادية ناجمة عن الإطلاع أو الفحص أو المناظرة المباشرة لمحل المعاينة دون وساطة شهود أو خبراء، كما أنها تجسد لديها ما حوته الدعوى من عناصر الإثبات فتوقن بصحتها أو بفسادها.
ولذلك ينص الفصل 56 م ا ج ” يتوجه حاكم التحقيق من تلقاء نفسه أو بطلب من وكيل الجمهورية إلى مكان اقتراف الجريمة أو إلى مقر المظنون فيه أو إلى غيره من الأماكن التي يظن وجود أشياء فيها مفيدة لكشف الحقيقة.
وعند توجهه إلى مكان اقتراف الجريمة من تلقاء نفسه يجب عليه إعلام وكيل الجمهورية وإن لم يحضر هذا الأخير فإنه يجري الأعمال اللازمة بدون توقف على حضوره.
ويقع نقل ذي الشبهة إلى محل التوجه إن ظهر لزوم ذلك”.
المبحث السادس: القرائن
القرائن هي حكم أو نتيجة تستنبط من واقعة أو أكثر قام الدليل عليها وهي وسيلة إثبات غير مباشرة، إذ لا يتوافر الدليل المحسوس فيها وإنما تستنتج من الواقعة الثابتة. القرائن هي الصلة الضرورية التي ينشئها القانون بين وقائع معينة أي استنتاج الواقعة المطلوب إثباتها من و اقعة أخرى قام عليها دليل للإثبات.
ومثال القرائن في الدعوى العمومية أن يتهم شخص بسرقة مترل دون وجود أي شاهد ولكن عند أخذ البصمات أتضح أنها نفس بصمات المتهم وعليه فتعد قرينة على ارتكابه السرقة أو ضبط المشتبه فيه وبحوزته الأشياء المسروقة، فحيازة الأشياء تعتبر قرينة على ارتكابه السرقة.
والقرائن نوعان : قرائن قانونية )الفقرة الأولى( وقرائن قضائية )الفقرة الثانية( و هي تخضع للتقدير )الفقرة الثالثة(
الفقرة الأولى: القرائن القانونية
وهي استنتاج واقعة يتحتم على القاضي والخصوم الأخذ بها أو هي نتيجة يفترض القانون صحة استخلاصها من واقعة أخرى.
قد تكون القرينة قطعية لا يجوز إثبات عكسها مثالها صغر السن أو الجنون في دلالته على عدم التمييز.
ونشر القانون في الجريدة الرسمية في دلالته على العلم بالقانون، وقد تكون القرينة بسيطة تقبل إثبات العكس مثالها قرينة البراءة المنصوص عليها بالدستور حيث يعتبر المتهم بريء حتى تثبت إدانته بصدور حكم نهائي وبات في الدعوى العمومية.
الفقرة الثانية: القرائن القضائية
وهي استنتاج يستخلصه القاضي من واقعة معلومة للحكم في واقعة مجهولة أي كل الظروف التي يمكن من خلالها أن نستنتج ثبوت التهمة أو براءة المتهم. وعليه فلا يمكن حصر القرائن القضائية فقد يستخلص من وجود شعر المتهم على جسد المجني عليها أنه هتك عرضها أو تعرف الكلب البوليسي على المتهم أن مرتكب الجريمة وقد يستخلص من ماضي المتهم الإجرامي انه ارتكب الجريمة.
الفقرة الثالثة: تقدير القرائن
باعتبار أن القرائن هي دليل من أدلة الإثبات فلا تلزم القاضي وتخضع لسلطته التقديرية سواء كانت قرائن قانونية أو قضائية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى