رفيق الحريري أُمَّة في رَجُل، رفض الغَوص في دماء اللبنانيين فقتلوه

كتب إسماعيل النجار،
رفيق الحريري أُمَّة في رَجُل،
رفض الغَوص في دماء اللبنانيين فقتلوه،
في ذكرى استشهاد إستشهادِه، نقف بخشوعٍ أمام رجلٍ طبع مرحلةً كاملة من تاريخ لبنان الحديث، وترك بصمةً عميقة في السياسة والاقتصاد والإعمار والعمل الاجتماعي. إنّه رفيق الحريري، الذي تحوّل من رجل أعمال ناجح إلى رجل دولة حمل همَّ وطنٍ أنهكته الحروب، فاختار أن يكون عنوان مشروعه إعادة بناء الإنسان قبل الحجر.
كان الحريري مثالاً في الكرم، لا بالمعنى الشخصي فحسب، بل في عطائه العام؛ فقد فتح أبواب العلم أمام عشرات آلاف الطلاب عبر المنح الدراسية، وأعاد إلى بيروت وجهها العمراني، وسعى إلى تثبيت الاستقرار المالي والنقدي في أصعب الظروف. لم يكن الإعمار عنده مجرّد ورشة إسمنت وحديد، بل رؤية لنهضة وطنٍ يستعيد ثقته بنفسه ومكانته في محيطه العربي والعالمي.
تميّز الشهيد المظلوم بروحٍ جامعة، فلم يعرف في قاموسه لغة الإقصاء أو الكراهية. كانت طائفته لبنان، وهويته الدولة، ومشروعه الوحدة الوطنية. عاش مدافعاً عن حق لبنان في المقاومة والدفاع عن أرضه وشعبه، ورفض أن يُوسم أي مكوّن لبناني بالإرهاب ما دام يحمل راية الدفاع عن الوطن. ربطته علاقة سياسية وإنسانية بقيادات وطنية عدّة كانَ أبرزها الشهيد الأقدس السيد حسن نصرالله أمين عام حزب الله، وكان يؤكد في أكثر من محطة أن قوة لبنان في تلاقي مكوّناته لا في تصادمها.
لقد شكّل اغتياله زلزالاً سياسياً وإنسانياً هزّ لبنان والمنطقة. سال دمه الطاهر فاهتزّ الضمير الوطني، وبكته كل الطوائف دون استثناء، وكان للحزن صداه العميق في الأوساط الشيعية كما السنية والمسيحية والدرزية، لأن الرجل كان عابراً للطوائف، حاضراً في وجدان الناس بمختلف انتماءاتهم.
وفي خضمّ العواصف التي أعقبت اغتياله، تأسف كثيرون لأن دمه جرى توظيفه في بازار الاتهامات السياسية، فيما بقيت الحقيقة الكاملة مطلباً وطنياً جامعاً ومخفيةً عن عيون وأسماع مُحبيه. لقد كان الأمل أن يكون استشهاده مدخلاً لوحدة أعمق، لا مناسبة لانقسامٍ أشدّ. ويظلّ كشف الحقيقة الكاملة في جريمة اغتياله حقاً لأهله ولمحبّيه ولكل اللبنانيين. لأن حرفها وتغييبها يُضللان المجتمع ويحميآن القاتل الحقيقي ويحميانه،
قُتل الرجل الأقوى سنياً في لحظةٍ مفصلية من تاريخ البلاد، في زمنٍ كانت فيه المشاريع الإقليمية تتصارع على أرض لبنان. ويرى محبّوه أنه رفض أن يكون جزءاً من أي مشروع يزجّ البلاد في صراعات دموية، وأنه اختار منطق الدولة والمؤسسات والحوار. وبعد رحيله دخل لبنان مرحلة اضطراب سياسي عميق، تجرّأ فيها كثيرون على لعب أدوار لم تكن لتُطرح لو بقي الحريري حاضراً بثقله الوطني.
لم يكن رفيق الحريري زعيماً تقليدياً، بل رجل بناءٍ واقتصادٍ وعلم. آمن بأن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأبقى، وبأن نهضة لبنان تبدأ من الجامعة والمدرسة وفرصة العمل.
لذلك بقي اسمه مقترناً بإعادة إعمار وسط بيروت، وببرامج المنح، وبمشاريع التنمية التي حاولت أن تعيد للبنانيين أملاً افتقدوه طويلاً.
يئسوا من احتوائه، فغدروه. لكنهم لم ينجحوا في اغتيال فكرته. فلبنان الذي أحبّه الحريري، لبنان الدولة والمؤسسات، لبنان الاعتدال والانفتاح، ما زال حلماً يسكن وجدان محبّيه.
في ذكراه ننعاه جميعاً، لا كرمزٍ لطائفة، بل كرمزٍ لمرحلةٍ من الطموح الوطني الكبير.
رحم الله رفيق الحريري، وألهم لبنان أن يستلهم من سيرته معنى الشراكة والوحدة والعمل. ولأجل الحلم الذي عاش له واستشهد من أجله، سنبقى نؤمن أن بناء لبنان العادل القوي هو الوفاء الحقيقي لذكراه.
بيروت في،، 14/2/2026










