سياسة

دور الخطاب السياسى والإعلامى الصينى عبر القنوات الإعلامية الصينية الناطقة بالعبرية

تحليل الدكتورة/ نادية حلمى
الخبيرة المصرية فى الشئون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين والشئون الآسيوية ـ أستاذ العلوم السياسية جامعة بنى سويف
يُعد الخطاب الإعلامى والسياسى الصينى تجاه إسرائيل فى عام ٢٠٢٦ تحولاً إستراتيجياً من “الحياد الإيجابى” إلى “النقد الهيكلى”، مستهدفاً زعزعة الثقة الشعبية فى السياسات الأمنية والقانونية للحكومة الإسرائيلية، خاصةً بعد التصعيد العسكري مع إيران وإقرار الكنيست الإسرائيلى لقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين فى مارس ٢٠٢٦. وهنا تتبنى الصين إستراتيجية “الحياد المنحاز” فى التعامل مع الأحداث الجارية في إسرائيل، حيث تركز جهودها على إضعاف الموقف السياسي للحكومة الإسرائيلية الحالية من خلال القوة الناعمة والخطاب الدبلوماسى والإعلامى الموجه، لا سيما بعد التصعيد مع إيران وإقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين فى مارس ٢٠٢٦. ويتمثل دور الصين فى التأثير على الرأى العام الإسرائيلى والضغط على الحكومة من خلال: (الخطاب الإعلامي الموجه لإضعاف الثقة فى الحكومة الإسرائيلية)، مع إنتقاد “الذكاء السياسى لحكومة “بنيامين نتنياهو”، فقد وصفت بكين الحكومة الإسرائيلية بأنها تفتقر إلى “الذكاء السياسى” في إدارتها للأزمات، وهو ما يغذى الإنتقادات الداخلية ضد رئيس الوزراء “بنيامين نتنياهو”. مع تحميل الصين الحكومة الإسرائيلية مسؤولية التصعيد الراهن، وذلك عبر منصاتها الإعلامية، مثل: (وكالة أنباء شينخوا وقناة سى جى تى إن)
“Xinhua & CGTN”
وروجت الصين من خلالها لرواية مفادها أن سياسات الحكومة الإسرائيلية “المغامرة” هى السبب في جر المنطقة للحرب مع إيران وفشل حماية الإسرائيليين، مما يعمق الإنقسام داخل المجتمع الإسرائيلى.
وقد تركز الخطاب السياسى والإعلامى الصينى لنزع الشرعية عن “الخيارات الإنتحارية” للحكومة الإسرائيلية. حيث تركز الخارجية الصينية في تصريحاتها، مثل تصريحات المتحدثة بإسم الخارجية الصينية “ماو نينغ” فى مارس ٢٠٢٦، على تصوير قرارات الحكومة الإسرائيلية كأخطاء إستراتيجية تضر بأمن الإسرائيليين أنفسهم، وهنا تبنت بكين خطاباً يحذر الرأي العام الإسرائيلى من “التبعات الإقتصادية الكارثية” وإنهيار سلاسل التوريد جراء حرب إيران، معتبرة أن التصعيد العسكرى هو “مغامرة غير محسوبة” تخدم مصالح سياسية ضيقة لليمين المتطرف على حساب أمن المواطن العادى فى إسرائيل. كما وصفت الصين قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، بأنه “انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنسانى” و “سياسة تفرقة عنصرية”
)Apartheid)
ونلاحظ هنا، بالخطاب السياسى والإعلامى الصينى لا يخاطب الفلسطينيين فقط، بل يوجه رسالة للمجتمع الإسرائيلى ذاته، بأن هذه القوانين المتطرفة العنصرية “تخلق جيلاً أكثر إصراراً على القتال”، مما يعنى إنعدام الأمن المستقبلى للإسرائيليين أنفسهم.
وهنا إستغلت الصين عبر وسائل إعلامها لقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين الصادر فى نهاية شهر مارس ٢٠٢٦، من قبل الكنيست الإسرائيلى لعزل الحكومة الإسرائيلية أخلاقياً ولحشد المجتمع الدولى فى مواجهتهم. مع وصم الحكومة الصينية لحكومة تل أبيب بإتباع سياسة الأبارتهايد” أى الفصل العنصرى داخلياً، فقد أدانت الصين إقرار الكنيست الإسرائيلى لقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين فى مارس ٢٠٢٦، واعتبرته تطبيقاً صارخاً لسياسات “الفصل العنصرى”
)Apartheid)
وتزامن ذلك، مع تحفيز الصين للمعارضة الداخلية فى إسرائيل، وهنا تهدف الإدانات الصينية المتكررة إلى تعزيز موقف القوى الليبرالية والمعارضة داخل إسرائيل التى تخشى من عزلة دولية وفقدان “الديمقراطية” الإسرائيلية، مما يزيد من الضغط الشعبى على الإئتلاف الحكومى. كما إستغلت الصين كذلك الموقف من التصعيد مع إيران لتقويض السند الأمنى لحكومة إسرائيل. مع إظهار الصين نفسها أمام الرأى العام الإسرائيلى ذاته والمجتمع الدولى بأنها (تمثل الدبلوماسية الهادئة مقابل “آلة الحرب” لإسرائيل)، حيث تظهر الصين نفسها كـ “صوت للعقل” ووسيط محتمل، بينما تصف أفعال الحكومة الإسرائيلية بأنها إنتهاك صارخ للقانون الدولى. مع رفض الصين لإدانة الرد الإيرانى، بعد إمتناع بكين عن إدانة الهجمات الإيرانية بشكل مباشر، الأمر الذى أدى لمواجهة مباشرة بين الصين والحكومة الإسرائيلية فى مواجهة حشد الرأى العام الإسرائيلى بشأن أهداف الحرب الإيرانية، حيث عملت حكومة “بنيامين نتنياهو” والأجهزة الإستخباراتية والعسكرية والدفاعية والأمنية الإسرائيلية، وعلى رأسهم جهاز الموساد الإسرائيلى للإستخبارات الخارجية وجهاز الشاباك الإسرائيلى “شين بيت” على تشجيع تآكل ثقة الجمهور الإسرائيلى فى الصين (ورفع نسبة المواطنين الإسرائيليين المعارضين لسياسات الصين تجاه تل أبيب لأكثر من ٥٤% من الإسرائيليين يرون الصين دولة معادية حالياً)، ولكن تلعب الدوائر الصينية في الوقت ذاته على توجيه رسالة للرأى العام الإسرائيلى، بأن سياسات حكومتهم تفقد إسرائيل حلفاء دوليين مهمين.
كما تحاول الصين التأثير غير المباشر عبر المنصات الرقمية، مثل (التيك توك والشبكات الإجتماعية الأخرى)، حيث تشير تقارير إلى إستخدام الصين لخوارزميات ومنصات رقمية تابعة للصين لنشر محتوى ينتقد إدارة الحكومة الإسرائيلية للحرب ويبرز الخسائر الحادثة بسبب سلوكياتهم. مع وجود دور صيني نشط في تشكيل السرديات الرقمية حول النزاعات الدولية، بما فى ذلك الحرب في غزة، عبر إستخدام عدد من المنصات الرقمية والخوارزميات. ويمكن رصد هذا التأثير الصينى من خلال: (إنحياز الخوارزميات وتعزيز المحتوى لروايات وسرديات الصين فى مواجهة الخطاب الإسرائيلى للرأى العام)، وهنا أشارت تقارير من “معهد أبحاث عدوى الشبكات”
NCRI
إلى إحتمالية كبيرة لقيام تيك توك بتضخيم المحتوى الذى يتماشى مع مصالح الحكومة الصينية، بما فى ذلك المحتوى الناقد لإسرائيل. ووجدت بيانات أن المحتوى المؤيد للفلسطينيين على المنصة فاق المحتوى المؤيد لإسرائيل بمعدلات كبيرة تصل أحياناً إلى ١٥ ضعفاً. مع رصد دراسات قيام الصين بحملات تأثير رقمية منظمة، تستهدف تصوير إسرائيل والولايات المتحدة كمسؤولين وحيدين عن المعاناة في غزة، بهدف إضعاف الموقف الأمريكى دولياً وزيادة الضغط الشعبى. مع الترويج للسردية الصينية الداخلية تجاه سياسات إسرائيل بين الرأى العام الصينى، فقد شهدت منصات التواصل الصينية، مثل (ويبو) تدفقاً للمحتوى المناهض لإسرائيل، والذى يتضمن أحياناً خطابات حادة وإنتقادات لإدارة الحرب، دون تدخل يذكر من الرقابة الصينية التى عادة ما تكون صارمة، مما يشير إلى دعم ضمنى لهذه السردية الصينية لتحقيق أهداف سياسية إستراتيجية بالنسبة للصين، حيث أن ترويج الصين لهذا المحتوى يخدم غايات جيوسياسية للصين، منها إبراز الخسائر البشرية والإقتصادية لإحراج الحلفاء الغربيين وتصوير بكين كداعية للسلام والعدالة الدولية. وعلى الجانب الآخر، تواصلت ردود منصة التيك توك، عبر نفى تيك توك بإستمرار هذه الإتهامات بالإنحياز لطرف ضد آخر، بتأكيد منصة تيك توك، بأن إنتشار المحتوى الناقد لإسرائيل يعكس التوجهات العفوية لمستخدميها الشباب (خاصةً فى الغرب) وليس نتيجة تلاعب خوارزمى مقصود من قبل الصين.
ونلاحظ هنا مدى فاعلية وقوة الآلة الإعلامية الصينية، مثل أدوات القوة الناعمة والتأثير المباشر، حيث تستخدم الصين ترسانة إعلامية متطورة للوصول إلى الداخل الإسرائيلى، وذلك عبر: (القنوات الصينية الناطقة بالعبرية)، مع إستمرار نشاط شخصيات صينية، مثل “إيتسيك الصيني” (شي شياو تشى) عبر إذاعة الصين الدولية الناطقة بالعبرية، الذى يقدم الرؤية الصينية بلسان عبرى فصيح، محاولاً بناء “جسر شعبى” يتجاوز الرواية الحكومية الإسرائيلية. وهنا أشارت تقارير حكومية إسرائيلية، مثل التقرير الصادر عن (معهد دراسات الأمن القومى الإسرائيلى)
INSS
فى إبريل ٢٠٢٥، بأن وسائل التواصل الإجتماعى الخاضعة لسيطرة الصين، مثل: (ويبو والتيك توك)
TikTok & Weibo
وعدد من المنصات الرقمية والخوارزميات الصينية الأخرى، عززت المحتوى الذى ينتقد “تهور” الحكومة الإسرائيلية، مع تسليط الضوء على الإحتجاجات الداخلية فى تل أبيب لتضخيم حالة الإنقسام المجتمعى داخل أبناء المجتمع الإسرائيلى.
مع ملاحظة ربط الإعلام الصينى بين الأمن والنمو فى توجيه خطابه إعلامياً للشعب الإسرائيلى، حيث يركز الإعلام الصينى فى الآونة الأخيرة، مثل: (وكالة أنباء شينخوا وقناة سى جى تى إن الصينية)
CGTN & Xinhua
على أن عزل إسرائيل دولياً بسبب قوانين مثل “إعدام الأسرى الفلسطينيين” سيؤدى إلى تراجع الإستثمارات التكنولوجية الصينية (التى بلغت مليارات الدولارات داخل إسرائيل)، وهو خطاب يمس مباشرة المصالح الإقتصادية للنخبة والطبقة الوسطى فى إسرائيل.
وهنا تتمثل الأهداف الإستراتيجية للتعبئة الصينية، فى تحرك الصين وفق محاور محددة للتأثير على الجماهير الإسرائيلية ضد حكومتهم، مثل: (إظهار العزلة الدولية للحكومة الإسرائيلية)، عبر تصوير الحكومة الإسرائيلية ككيان “مارق” حتى فى نظر القوى العظمى غير الغربية، مما يشعر الناخب الإسرائيلى بفقدان الظهير الدولى البديل عن الولايات المتحدة. مع ممارسة الصين لآليات (الضغط الأخلاقي والقانونى)، من خلال التركيز على “قانون الإعدام الإسرائيلى للأسرى الفلسطينيين”، وسعى بكين لتأليب الفئات الليبرالية والحقوقية داخل إسرائيل، محذرة من أن هذه القوانين ستحول إسرائيل إلى “دولة منبوذة” قانونياً. مع إستغلال الصين للفشل الأمنى داخل إسرائيل بعد حرب إيران، بتركيز الخطاب الصيني على “فشل الردع”، وإشارته إلى أن الحل يكمن فى “المبادرة الصينية للسلام” وليس فى القوة العسكرية، وهو ما يجد صدى لدى الحركات المناهضة للحرب داخل إسرائيل.
وبناءً على التحليل السابق، نفهم بأن الصين لا تتدخل بشكل مباشر فى الشأن الداخلى الإسرائيلى، لكنها تستخدم أدواتها الدبلوماسية والإعلامية لترسيخ فكرة أن الحكومة الحالية هى “عقبة أمام السلام والأمن”، مما يخدم أهدافها الإستراتيجية فى تقديم بديل للنفوذ الأمريكى فى المنطقة. بإختصار، إنتقلت الصين من دور “المراقب الصامت” إلى “المحفز الإعلامى” الذي يستثمر فى الإنقسامات الداخلية الإسرائيلية، مقدماً نفسه كقوة عقلانية تدعو للسلام، مقابل تصوير الحكومة الإسرائيلية كعائق أمام الأمان والرفاهية االتى ينشدها الجمهور والرأى العام الإسرائيلى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى