أخبار العالم العربيمقالات قانونية

دراسة تحليلية لمقال الكاتب و المفكر الأستاذ على الشرفاء : “حان الوقت لإصلاح جامعة الدول العربية”

إعداد: الدكتور معتز صلاح الدين مستشار المركز الديمقراطي لدراسات الشرق الأوسط — نورث كارولينا

 

أولاً: مقدمة تمهيدية
يتناول الكاتب والمفكر الأستاذ علي الشرفاء في مقاله “حان الوقت لإصلاح جامعة الدول العربية” إشكاليةً بنيوية متجذّرة في صميم العمل العربي المشترك، وهي إشكالية لا تقتصر على الجامعة العربية بوصفها مؤسسة، بل تمتد لتطال طبيعة العلاقات العربية البينية وغياب الإرادة السياسية الجماعية. وتكتسب هذه القراءة التحليلية أهميتها من كونها تُقارب النص في سياقه الراهن، حيث تتصاعد التهديدات الإقليمية وتتراجع قدرة المنظومة العربية على الاستجابة الفعّالة.
ثانياً: السياق الذي يُؤطّر المقال
يكتب الكاتب والمفكر الأستاذ على الشرفاء مقاله في ظل مشهد إقليمي بالغ الحساسية، تتصاعد فيه التوترات المتصاعدة المرتبطة بالحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران ويرصد الكاتب الغياب شبه التام لجامعة الدول العربية عن المشهد، مما يجعل وجودها المؤسسي مجرد هيكل فارغ من الفاعلية لا يُسمن ولا يُغني من جوع.
وهذا السياق يستدعي بالضرورة مراجعة نقدية وجريئة لدور الجامعة وهياكلها وآليات عملها، وهو ما يقدم عليه الاستاذ على الشرفاء بشجاعة فكرية واضحة.

ثالثاً: التحليل البنيوي لمحاور المقال
تشخيص الأزمة: فراغ في الدور وتراجع في الفاعلية:
يُقدّم الشرفاء تشخيصاً دقيقاً لحالة الجامعة العربية ، إذ يُميّز بين نوعين من الإخفاق:
إخفاق هيكلي: يتمثل في ضعف آليات اتخاذ القرار وتقادم الميثاق المؤسّس.
إخفاق سياسي: يتجلى في انعدام الإرادة الجماعية لبناء موقف عربي موحّد وقادر على الردع.
وما يميز هذا التشخيص عن غيره هو أنه لا يكتفي بالنقد بل يسعى إلى بناء أجندة إصلاحية متكاملة.
المقترح الأول: ميثاق جديد قائم على الحقوق والالتزامات:
يُنادي الكاتب والمفكر الأستاذ على الشرفاء بصياغة ميثاق تأسيسي جديد يُعيد تحديد العلاقة بين الدول العربية على أساس المسؤولية المتبادلة. والقيمة الجوهرية في هذا المقترح أنه يُؤسّس لمبدأ الضمان الجماعي، أي أن الاعتداء على دولة عربية واحدة يُعدّ اعتداءً على المنظومة بأسرها.
و هذا المقترح سليم في جوهره ومطلوب بإلحاح، لكنه يظل رهيناً بمسألة الإرادة السياسية. فالميثاق الحالي لعام 1945 يحتوي مبادئ نبيلة لم تُفعَّل، وعليه فإن المشكلة ليست فقط في النص فقط بل في آليات الإلزام والتنفيذ.
المقترح الثاني: الحوار المباشر ودبلوماسية الوقاية
يدعو الكاتب إلى إرساء ثقافة التواصل المستمر بين القادة العرب قبل تفاقم الخلافات، وهو مقاربة استباقية تنسجم مع أفضل الممارسات في فض النزاعات وإدارة الأزمات.
و يُعدّ هذا المقترح الأكثر واقعية من الناحية التطبيقية في المدى القريب، إذ يمكن تفعيله دون الحاجة إلى تعديلات هيكلية جوهرية. غير أن إنجاحه يتطلب وجود آليات واضحة للإخطار المبكر وبروتوكولات متفق عليها للتدخل.
المقترح الثالث: انتظام قمم لا تقبل التأجيل
يرى الكاتب والمفكر الأستاذ على الشرفاء أن القمم العربية يجب أن تنعقد بانتظام صارم في مقر الجامعة، مع رفض قاطع لكل مسوغات التأجيل.
وهذا المقترح يُعالج ظاهرة متكررة وهي اجتماعات تُعقد في أوقات الرخاء وتُؤجَّل في أوقات الأزمات، وهو عكس ما ينبغي أن يكون. بيد أن التطبيق يستلزم نصاً ملزماً وعقوبات دبلوماسية رادعة للدول المتغيّبة.
المقترح الرابع: إعادة الهيكلة الشاملة
وهو أشمل المقترحات وأكثرها طموحاً، ويتضمن ثلاثة محاور:
أ. التناوب الأبجدي على منصب الأمين العام
: يُعالج هذا المقترح ظاهرة احتكار منصب الأمين العام، والتي أضرّت بمبدأ التمثيل المتكافئ. غير أن التناوب الآلي وفق الأبجدية قد لا يضمن بالضرورة الكفاءة والخبرة اللازمتين. ويمكن الجمع بين معيار التناوب ومعيار الكفاءة لتحقيق عدالة أفضل وفقا للتشاور
ب. التحول من الإجماع إلى الأغلبية في التصويت
: هذا هو المقترح الأكثر أهمية وحساسية في المقال كله، وهو يمسّ عصب الخلل الهيكلي الأعمق. فقاعدة الإجماع المُعتمدة منذ 1945 أعطت لكل دولة — مهما صغر حجمها أو ضعف ثقلها — حق النقض الفعلي على القرارات. وقد أفضى ذلك عملياً إلى شلل مؤسسي مزمن. والانتقال إلى الأغلبية المقترحة يُمثّل نقلة نوعية نحو الفاعلية، وإن كانت ستواجه مقاومة سياسية حادة من دول ترى في الإجماع ضمانةً لسيادتها.
ج. لجنة الحكماء: آلية الوساطة الإقليمية
تكشف هذه الفكرة عن الخبرة الكبيرة للكاتب والمفكر الأستاذ على الشرفاء في فهم طبيعة الشخصية العربية والأثر الذي يتركه التواصل الشخصي المباشر. إذ كثيراً ما تنجح الوساطات الشخصية فى حين تفشل الآليات البيروقراطية الجامدة. لذا يجب وضع آليات لإختيار الحكماء، ومدى استقلاليتهم، وصلاحياتهم التنفيذية.
رابعاً: البُعد القيمي والمرجعية الحضارية
يستند الكاتب والمفكر الأستاذ على الشرفاء في ختام مقاله إلى الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (الحجرات: 10)، وهو توظيف دلالي يعكس رغبته في إضفاء مشروعية دينية وأخلاقية على مشروعه الإصلاحي. وهذا البُعد القيمي عنصر مهم في الخطاب العربي، إذ يستحضر الوجدان الجمعي ويُذكّر بأن العمل العربي المشترك ليس مجرد ضرورة براجماتية بل واجب أخلاقي وحضاري.

خامساً: تساؤلات لابد من الإجابة عليها :

إجمالا فإن المقال يقدم رؤى قيمة واستراتيجية وهامة تستدعى التطبيق وحتى يكتمل النجاح حال التطبيق فإن هناك العديد من التساؤلات ينبغى الإجابة عليها وأبرزها :

-كيف يمكن إقناع الدول المستفيدة من الوضع الراهن بالإصلاح؟ فبعض الدول تجد في الجمود المؤسسي حمايةً لمصالحها.

-ما الآلية التي تضمن الالتزام بالميثاق الجديد؟ غياب آلية إلزامية وقضاء عربي مستقل يُفرغ أي ميثاق من مضمونه.

-كيف تتعامل الرؤية الإصلاحية مع الدول العربية المتصارعة داخلياً؟ كاليمن وليبيا والسودان، التي لا تملك سلطة مركزية جامعة.

-ما العلاقة بين إصلاح الجامعة وإصلاح الأنظمة الداخلية؟ إذ إن الجامعة انعكاس لمجموع الأنظمة الأعضاء.

سادساً: الموقف التحليلي الختامي
يُمثّل مقال علي الشرفاء إسهاماً فكرياً جاداً يستحق ان تدرسه الدول العربية وتبحث عن إمكانيات تنفيذه لا سيما أنه يتجاوز حدود التشخيص إلى حدود الاقتراح. وتبقى المعادلة الصعبة أن الإصلاح المؤسسي دون توافر الإرادة السياسية الجماعية قد يظل حبراً على ورق.
غير أن الطرح من الكاتب والمفكر الأستاذ على الشرفاء يمتلك قيمة موضوعية في كونه يُشكّل أجندة مرجعية قابلة للنقاش والتطبيق ، وهو في حد ذاته خطوة في الاتجاه الصحيح نحو بناء رأي عام عربي مطالِب بالإصلاح، وإن كان الطريق إلى التحقق الفعلي يتطلب وقتا .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى