الرئيسيةمقالات

النظام القانوني للأخبار الزائفة في الدول العربية

إعلانات إعلانات إعلانات إعلانات إعلانات

بقلم: القاضي الدكتور جابر غنيمي مدرس جامعي

إن موضوع الأخبار المزيفة قديم ، بقدم صناعة الأخبار نفسها، فمثلاً هنالك مقال في صحيفة
“الواشنطن بوست” يذكر أن “بنجامين فرانكلين” ، وهو احد الآباء المؤسسين للولايات
المتحدة الأمريكية ، أنشأ مقالاً صحفياً مزيفاً يصف فيه القوات الأمريكية باكتشاف أن السكان
الأمريكيين الأصليين  قد قاموا بتقطيع 700 فتى وبنت وجنودا وأطفالاً وأعدوا حقيبة من
فروات الرأس وخطاب دعم للملك جورج. و كان فرانكلين غاضباً من أن العديد من السكان
الأمريكيين الأصليين قاتلوا مع البريطانيين أثناء الحرب الثورية وأراد حشد الكراهية العامة
للأمريكيين الأصليين، وكانت هذه القصة مزيفة .
وفي نهاية القرن التاسع عشر، صُمم مصطلح يسمى ” الصحافة الصفراء” لوصف الأساليب
التي استخدمها عمالقة نشر الصحف “ويلام راندولف هيرست” و “جوزيف بوليتزر” التي
أكدت على المبالغة في الحقائق الفعلية.
واليوم ، لم تعد الصحف الكبيرة تسيطر على عملية إنشاء المعلومات ، ويمكن لأي شخص
فعليًا إنشاء ونشر المعلومات بأشكال عديدة ومختلفة.
والأخبار الزائفة هي معلومات خاطئة أو مضللة تهدف إلى خداع القراء إلى الاعتقاد بأنها
معلومات موثوقة وصحيحة.
 

وفقًا لما حدَّده الخبير في الإعلام “غاي كامبانيل”، تعتبر الأخبار المفبركة “قصصًا مصنَّعة
من العدم، وبمعظم التدابير، عمدًا، وفي تعريفها، هي عبارة عن أكاذيب”.

وعرّفت صحيفة ” New York Times” الأخبار المفبركة على أنها “نوع من الصحافة
الصفراء أو الدعاية التي تتكوّن من التضليل المتعمد، أو الخدع المنتشرة عبر وسائل الإعلام
المطبوعة والإذاعية التقليدية، أو وسائل الأعلام الاجتماعية على الانترنت”.
ويرى عالم النفس “كيث آبلو” أن” نشر وتصديق الأخبار المفبركة ظاهرة لها جذورها
الثقافية القديمة، ولكن منصات التواصل الاجتماعي جعلتنا هدفًا أسهل، وسلبتنا الوقت الكافي
للتَّحقُّق من الأخبار بسبب كثافة وسرعة الشبكات الاجتماعية”، فقد كانت صناعة الأخبار
والقصص الخيالية في الماضي تحدث بوتيرة أقل، وانتشارها كان يستغرق سنين طويلة
ليصل إلى المدى الذي يؤثر في مجموعات كبيرة من البشر كي يغير أحداث التاريخ أو ينتج
أخرى جديدة”.
وتكمن خطورة الأخبار الزائفة أو المفبركة أو الشائعات، لا فقط في قوة تأثيرها، ولكن في
سرعة ومدى انتشارها، فقد كشفت دراسة ل”معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا”، نشرتها
“مجلة العلوم” في عام 2020 ، أن الأكاذيب والشائعات أسرع وأوسع انتشارا على مواقع
التواصل الاجتماعي من المعلومات الحقيقية، حيث أن ” نسبة إعادة نشر وإرسال القصص
الإخبارية الكاذبة من شخص إلى آخر تفوق نسبة تداول الأخبار الحقيقية بـ 70٪”.
وعلى سبيل المثال أكدت دراسة باسم المختص في الإعلام “فوزوجي وآخرين”، انه ما بين
عامي 2006 وحتي 2017، انتشرت 126 ألف إشاعة لحوالي 3 ملايين شخص في ساعات
قليلة، وأن الوقت الذي استغرقته الأخبار الكاذبة للوصول إلى 100 ألف شخص، لم تصل
خلالها الأخبار الحقيقية إلى 1000 شخص فقط. 
وتحدّد الباحثة في علوم الإعلام “كلير واردل” من” First Draft News” سبعة أنواع من
الأخبار الزائفةFake News :

  • السخرية أو الباروديا (ليست هناك نية لإلحاق الأذى، إنما إمكان الخداع قائمة).
  • الربط الخاطئ (العناوين الرئيسة أو المواد البصرية أو العناوين الفرعية وكلام الصور لا
    تدعم المضمون).
  • المضمون المضلِّل (استخدام مضلِّل للمعلومات بهدف وضع مسألة أو شخص ما في إطار
    معيّن).
  • المضمون الخاطئ (عندما يتم نشر مضمون حقيقي عبر الاستعانة بمعلومات سياقية
    خاطئة).
  • المضمون التدجيلي (عند انتحال صفة مصادر حقيقية” عبر اختلاق مصادر كاذبة).
  • المضمون الذي جرى التلاعب به (عندما يتم التلاعب بمعلومات أو صور حقيقية بهدف
    الخداع”، كما هو الحال عند تعديل الصور والتلاعب بها لأغراض معيّنة).
  • المضمون الملفّق (المضمون الجديد كاذب مئة في المئة، بهدف الخداع والتسبّب بالأذيّة).
    و لقد أشارت مجلة «كولومبيا جورناليزيم ريفيو»،  التي تعد من أهم المجلات المعنية
    بالقضايا الإعلامية، والصادرة عن كلية الصحافة بجامعة كولومبيا، في تغطية واسعة لها
    لمشكلة «الأخبار الكاذبة»، إلى أن أولى خطوات مناقشة أي قضية، يجب أن يكون التحديد
    العلمي الدقيق لها عبر «ضبط المصطلح»، وهنا قدمت تمييزاً بين عدة أنواع من الأخبار،
    وهي:
  • الأخبار المزيفة: وتأخذ شكلاً مشابهاً جداً لما تبثه المواقع واسعة الانتشار، وتحتوي أحياناً
    صوراً وعناوين تبدو للوهلة الأولي حقيقية.
  • الأخبار المضللة: وتعد أصعب من سابقتها في كشفها، إذ تضم جزءاً حقيقياً في معظم
    الأحيان، كحقيقة معينة أو حدث، أو حتي اقتباس، لكنها كلها مقتطعة من سياق معين، وبذلك
    يختلف معناها ودلالتها.
  • الأخبار المتحيزة: وهي نوع من الأخبار المضللة، التي تسعي لشرح وقائع أو أخبار
    حقيقية، لكنها متحيزة وتابعة لأجندة معينة بشكل واضح.
  • العناوين المثيرة: وهي تلك المثيرة للدهشة والاستغراب، وتدفع القارئ إلى قراءتها،
    وأغلبها تكون أخباراً مضللة.
    وفي حين أن الأخبار المزيفة يمكن أن تتخذ أشكالاً عديدة ، هناك مجموعة واسعة من
    المصادر التي يمكن اعتبارها أخبار مزيفة، و التي : من بينها:
  • التضليل المتعمد :هناك أخبار مزيفة مكتوبة للربح ومن ثم تشارك على وسائل التواصل
    الاجتماعي بين مجموعات مستهدفة لأشخاص يعتقد أنهم يرغبون بتصديق أن هذا صحيح.
    والهدف هو نشر الأخبار المزيفة دون أن يأخذ القراء الوقت الكافي للتحقق من ذلك بشكل
    صحيح.
  • المصادر المزيفة :تستخدم هذه المصادر عناوين شائعة أو زائفة بهدف إحداث غضب أو
    صدمة أو الإساءة إلى أشخاص على الشبكات الاجتماعية لتشجيع الإعجابات أو المشاركة.
  • عناوين كاذبة للأخبار: قد يقرأ عنوان الخبر بأكثر من طريقة أو يذكر شيئًا كحقيقة ، ولكن
    بعد ذلك ، يشير نص المقالة إلى شيء مختلف. ومصطلح الإنترنت لهذا النوع من الأخبار
    المزيفة المضللة هو “كلك بيت clickbait” ، وهي العناوين أو الصور المثيرة التي تم
    تصميمها لجذب الزوار لزيارة صفحة أو رابط بقصد توليد الأموال الإعلانية.
  • الأخبار المشاركة في وسائل ألتواصل الاجتماعي: وسائل ألتواصل الاجتماعي لها القدرة
    على عرض عدد كبير من عناصر الأخبار في وقت قصير وهذا يعني ان المستخدمين قد لن
    يأخذوا الوقت الكافي للبحث والتحقق من كل خبر منشور ومشارك. غالبًا ما تعتمد هذه
    المواقع على المشاركات أو الاعجابات أو المتابعين الذين يحولون عناصر الأخبار إلى
    مسابقة شعبية.
  • الأخبار الساخرة : الأخبار الساخرة أو الأخبار الكوميدية غالباً ما تبدأ بنوع من الحقيقة ثم
    يتم قلبها بشكل هادف للتعليق على المجتمع. ومن المحتمل أن تنتشر أخبار ساخرة كما لو أنها
    أخبار حقيقية من قبل أولئك الذين لا يفهمون طبيعتها الفكاهية، و مثال على ذلك موقع ساخر

مشهور اسمه ” البصل The Onion  ” و “المحلل الرياضي” Sports pickle
و”البسكويت الإخباري News biscuit ” .

  • مصادر غير موثوقة: لا يمكن عادةً قبول هذه المصادر بقيمتها الاسمية وتحتاج إلى مزيد
    من التحقق من مصادر أخرى لتحديد ما إذا كانت المعلومات ذات مصداقية. وغالبًا ما تستند
    المعلومات المقدمة إلى الإشاعات أو الأقاويل، و أمثلة على مثل هذه المصادر بريتبارت
     Brietbart ، اكيوباي ديموكراتس Occupy Democrats و الواشنطن اكسامنر
    Washington Examiner .
    ويري بعض الخبراء والمتخصصين أن شبكات التواصل الاجتماعي، وتكنولوجيا
    الاتصالات الحديثة، والبرمجيات الحديثة، خاصة التي تعتمد علي الذكاء الاصطناعي،
    ساهمت بشكل كبير في توسعة انتشار الشائعات، وجعلت كشف بعضها أكثر صعوبة، خاصة
    وأن التزييف وصل إلى مقاطع الفيديو، التي يتم إنتاجها بتقنيات عالية الجودة.
    ويعتبر “فيسبوك” المتهم الأكبر بالترويج للأخبار المفبركة، فقد نشرت شركة التحليلات
    الشهيرة “جمب شوت”، في ديسمبر 2017، تقريرًا حول المواقع التي تنشر الأخبار الوهمية
    والمضلِّلة، والتي تعتمد بشكل كامل على موقع التواصل فيسبوك، للحصول على أعلى معدل
    زيارات لها. وجاء فيه أن المواقع الوهمية تحصل على أكثر من 70% من حركة المرور
    الخاصة بها من خلال زيارات المستخدمين القادمة من فيسبوك، وعلى النقيض من ذلك،
    تحصل المواقع الإخبارية المهمة على أقل من 30% من عدد الزيارات الخاصة بها، مثل
    “نيويورك تايمز”.

وتتزايد المخاوف من تأثير الأخبار الزائفة، التي يُرَوَّج لها على مواقع التواصل الاجتماعي،
حيث علت الأصوات الداعية لمحاربة الأخبار الكاذبة التي تُنشر على “فيسبوك” و”غوغل”
خوفًا من تأثيرها على المسار الديمقراطي ونتائج انتخابات الدول الكبرى.
وللأخبار الزائفة انعكاساتها الخطيرة على المجتمعات، حيث أن تأثير الأخبار الزائفة كان
كبيراً على انتخابات رئاسة الجمهورية وسياسة الحكومة في عدة دول، فمشكلة الأخبار

الكاذبة باتت أزمة عالمية، تجلت بوضوح بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية في عام 2016،
فيمكن الأخبار الكاذبة أن تغيّر سياسيات بلد أو أن تؤثر في اتجاهات بلد، فالتأثير هنا في
الرأي العام الذي بات يؤخذ إلى مكان آخر، ما يعني تهديداً لمنطلقات الأنظمة الديموقراطية
القائمة على موقف الشعوب، بما يهدد السلام والاستقرار.
و النظام القانوني للأخبار الزائفة يقتضي دراسة أركان هذه الجريمة )المبحث الأول (
و تجريمها في قوانين الدول العربية )المبحث الثاني (
المبحث الأول: أركان جريمة الأخبار الزائفة
الجريمة هي فعل أو امتناع ، يحظره القانون ويقرر عقوبة لمرتكبه.
ويمكن تعريف جريمة نشر أخبار زائفة بكونها ” كل فعل مادي يتمثل في النشر عن سوء
قصد لمنشورات أو معلومات أو بيانات أو أوراق مفتعلة أو صور مصطنعة  أو وثائق مدلسة
منسوبة إلى الغير سواء كان شخصا طبيعيا أو شخصا معنويا ومن شان ذلك أن يلحق مضرة
بذلك الشخص، على أن تتسبب تلك المنشورات في  تعكير الأمن العام والسكينة العامة وان
تبعث الرعب والفزع لدى عامة الناس” .
و لكي تقوم الجريمة قانونا ينبغي أن تجتمع لها عدة أركان، أولها الركن المادي وثانيهما
الركن المعنوي أما ثالثهما فهو الركن الشرعي.
الفقرة الأولى: الفعل الإجرامي
يقصد بالفعل الإجرامي ذلك السلوك المادي الصادر عن الإنسان، والذي يتعارض مع
القانون.
و يتمثل الفعل المادي في جريمة نشر أخبار زائفة في النشر عن سوء قصد لمنشورات أو
معلومات أو بيانات أو أوراق مفتعلة أو صور مصطنعة  أو وثائق مدلسة منسوبة إلى الغير
سواء كان شخصا طبيعيا أو شخصا معنويا ومن شان ذلك أن يلحق مضرة بذلك الشخص،
على أن تتسبب تلك المنشورات في  تعكير الأمن العام والسكينة العامة، وان تبعث الرعب
والفزع لدى عامة الناس.

الفقرة الثانية: الركن المعنوي
إن القصد الإجرامي هو إرادة ارتكاب الجريمة كما حددها القانون وهو علم الجاني أيضا
بمخالفته نواهي القانون التي يفترض دائما العلم بها .
ويشترط في جريمة نشر أخبار زائفة توفر سوء النية في الإضرار بالأمن العام والعلم مسبقا
 بزيف تلك  الأخبار.
الفقرة الثالثة: الركن الشرعي
ويقصد بالركن الشرعي أو الركن عدم المشاع، هو أن ينص القانون علي تجريم الفعل لان
الأصل في الإنسان البراءة، ويختلف الفقه الجنائي في تقرير مدي وجود هذا الركن، إذ يوجد
في الفقه من يقيم الجريمة علي الركن المادي و المعنوي فقط.
و أصل الركن الشرعي وارد في الشريعة الإسلامية، في قصة ابني ادم ثم قوله تعالي ( و ما
كنا معذبين حتى نبعث رسولا)، و هناك قواعد أصولية استخلصت من آيات القران الكريم
مثل قاعدة( لا حكم لانفعال العقلاء قبل ورود النص)، و قاعدة الأصل في الأشياء و الأفعال
الإباحة.
و قد ورد ميدأ الشرعية في إعلان حقوق الإنسان عقب الثورة الفرنسية 1789 ثم في المادة
11 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 ثم جاء المبدأ في جميع الدساتير العالمية
و الوطنية بوجه عام، و بالتالي القاضي الجنائي لا يمكنه إصدار حكمه إلا بناءا علي
النصوص القانونية.
ومبدأ الشرعية من أهم القواعد الدستورية التي يجب احترامها نظرا للأسباب التالية:

  • مبدأ الشرعية يحدد الجريمة و العقوبة المقررة لها.
  • المشرع هو وحده صاحب الاختصاص في التجريم و العقاب.
  • القاضي ملزم بتقدير العقوبة المقررة قانونا في حدود ما تخوله السلطة التقديرية.
  • القاعدة الجنائية هي خطاب موجه للقاضي الجنائي لتطبيقها.
  • مبدأ الشرعية هو ضمان للحقوق و الحريات الفردية فهو يحمي الجاني و المجني عليه في
    آن واحد.
  • مبدأ الشرعية هو ضمان لان و استقرار الجماعة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق