مجتمعمقالات

المسؤولية الجزائية للطبيب في علاقته بفيروس كورونا

إعلانات إعلانات إعلانات إعلانات إعلانات

لا يزال فيروس كورونا المستجد يشغل دول العالم، فمنذ بدء تفشي الداء وأعداد المصابين في تزايد مستمر نتيجة لسرعة انتشاره، وتعدد طرق الإصابة به، إذ يمكن أن يحدث التعرض نتيجة السعال، أو العطس، أو المصافحة، ويمكن أن ينتقل الفيروس أيضاً عن طريق ملامسة شيء لمسه شخص مصاب ثم لمس الفم، أو الأنف، أو العين. و قد لعب الطب دورا متميزا في مجابهة وباء فيروس كورونا ” كوفيد 19″، و ذلك بعلاج المرضى و السعي إلى القيام بدراسات و بحوث من اجل إيجاد لقاحات و أدوية لهذا الوباء. و بالرغم من الدور المتميز للطبيب في مجابهة وباء كورونا، ألا أن ذلك لا يحول دون خضوعه مثله مثل أي مواطن لجملة من القواعد القانونية السارية المفعول، حيث يفرض عليه جملة من الواجبات سواء عند فحصه للمصاب بفيروس كورونا أو عند إصابته هو نفسه بالفيروس، و يترتب عن الإخلال بتلك الواجبات إثارة مسؤوليته الجزائية. ويمكن تعريف المسؤولية الجزائية بكونها التزام الشخص بتحمل العواقب التي تترتب على فعله الذي باشره ممانعا به أصول وقواعد معينة ومحددة، ولذلك فإنه يتحمل العقاب الناشئ عما يرتكبه من جرائم. و بناء على ذلك سنتطرق إلى المسؤولية الجزائية للطبيب الفاحص لمريض حامل لفيروس كورونا {الجزء الأول}و المسؤولية الجزائية للطبيب الحامل لفيروس كورونا{ الجزء الثاني} الجزء الأول: المسؤولية الجزائية للطبيب الفاحص لمريض حامل لفيروس كورونا صدر الأمر الحكومي عدد 152 لسنة 2020 المؤرخ في 13 مارس 2020 ، و الذي اعتبر في فصله الأول الإصابة بفيروس كورونا الجديد (كوفيد 19) من صنف الأمراض السارية المنصوص عليها بالمرفق الملحق بالقانون عدد 71 لسنة 1992 المؤرخ في 27 جويلية 1992، و يطبق تبعا لذلك على المصابين به الأحكام المتعلّقة بوجوبية الفحص والعلاج والاستشفاء الوجوبي بغرض العزل الإتقائي بنفس الشروط الواردة بالأحكام التشريعيّة والترتيبيّة الجاري بها العمل المتعلقة بالأمراض السّارية. واوجب القانون المذكور على الطبيب الفاحص لمريض مصاب بفيروس كورونا جملة من الواجبات{ الفقرة الأولى} يترتب عن الإخلال بها المؤاخذة الجزائية { الفقرة الثانية} الفقرة الأولى: الواجبات تتمثل واجبات الطبيب الذي يكتشف حالة إصابة بفيروس كورونا في إعلام المصاب به و التصريح بذلك لدى السلط الصحية. 1- واجب إعلام المريض: لقد أوجب الفصل 6 من قانون الأمراض السارية على كل طبيب يشخص أو يعالج مرضا ساريا أو قابلا لأن يكون كذلك: – إعلام المريض بنوع المرض المصاب به وبكل نتائجه المحتملة البدنية منها والنفسية وكذلك بانعكاساته على الحياة المهنية والعائلية والاجتماعية، وبالواجبات التي تفرضها عليه أحكام قانون الأمراض السارية وسائر النصوص المتخذة لتطبيقه. – بيان للمريض أخطار العدوى التي يمكن أن يتسبب فيها أي سلوك لا يحترم التدابير الوقائية المقررة. وإذا كان المريض قاصرا فإنه يقع إعلام وليه الشرعي. و يهدف الإعلام إلى توعية المريض بالفيروس، و قابليته للعدوى، حتى يتخذ التدابير اللازمة للوقاية و العلاج،و كذلك لتحمل مسؤوليته القانونية و الأخلاقية. 2- التصريح لدى السلط الصحية: يلزم الفصل 7 من قانون الأمراض السارية كل طبيب أو إحيائي تولى تشخيص مصاب بفيروس كورونا أوعلم بإصابة التصريح بذلك لدى السلط الصحية. وينبغي على كل طبيب أو إحيائي إذا ما تأكد لديه أن شخصا مصابا بفيروس كورونا، أن يعلم بذلك بواسطة مكتوب سري السلطة الصحية بالخطر الذي أوجده ذلك و اوجب الفصل 8 من قانون الأمراض السارية على الطبيب التصريح لدى السلطة الصحية بأسباب كل وفاة ناجمة عن مرض فيروس كورونا. ولا يعتبر هذا التصريح إخلالا بواجب عدم إفشاء السر المهني المنصوص على تجريم مخالفته بالفصل 254 م ج، و هو ما نص عليه كذلك الفصل 34 من مجلة الطبيب” كما يجب عليه الإعلان عن الأمراض الخاضعة للإعلام الوجوبي”. و قد حدد الأمر عدد 2451 لسنة 1993 المؤرخ في 13 ديسمبر 1993 المتعلق بضبط شروط و أشكال الإعلام بالأمراض السارية و بالوفيات الناجمة عنها شكل الإعلام، حيث يستوجب الإعلام بكل مرض سار و بكل وفاة ناجمة عنه الإرسال الفوري لبطاقتين واحدة غالى وزارة الصحة العمومية و الأخرى إلى الإدارة الجهوية للصحة العمومية، من دفتر الاعلامات التي توزعه وزارة الصحة العمومية على الأطباء و على مخابر البيولوجيا الطبية. كما يمكن للطبيب أو الإحيائي التبليغ كتابيا عن حالة المصاب إلى الإدارة الجهوية المختصة ترابيا و على هذه الأخيرة أن تعلم بدورها المصالح المركزية لوزارة الصحة العمومية بهذه الحالة. و الغاية من التصريح جعل السلطات الصحية عن علم و دراية بالوضع الوبائي، و مدى انتشاره في البلاد، حتى تتخذ التدابير اللازمة لمجابهة هذا الوباء. الفقرة الثانية: المؤاخذة الجزائية يترتب عن إخلال الطبيب بواجب إعلام المريض بإصابته بفيروس كورونا أو عدم التصريح لدى السلطة الطبية مؤاخذته جزائيا، حيث ينص الفصل 17 من قانون الأمراض السارية على عقوبة بخطية يتراوح مقدارها من 100 إلى 500 دينار. ويقع التتبع بطلب من وزير الصحة العمومية أو من ممثله. وفي صورة العود فإن العقاب يرفع إلى ضعفه. و نحن نعتقد أن هذه العقوبة لا تناسب مع خطورة هذه الجرائم، فعدم إعلام المريض بإصابته بفيروس كورونا قد يؤدي إلى حصول مضاعفات تؤدي إلى وفاته، و كذلك إلى انتشار هذا المرض لدى العديد من الأشخاص بحكم اختلاط المصاب بهم، و كذلك عدم التصريح يجعل من السلط الصحية غير عالمة بالوضع الوبائي، ليتسنى لها اتخاذ التدابير و الإجراءات المناسبة. و يتجه بذلك التشديد في العقوبة بشأن هذه الجرائم. و ما يثير الغرابة أن التتبع لا يتم إلا بطلب من وزير الصحة العمومية أو من يمثله فما هو الحل إذا لم يقع طلب التتبع من وزير الصحة العمومية؟ الجزء الثاني: المسؤولية الجزائية للطبيب الحامل لفيروس كورونا يمكن للطبيب أن يصاب بفيروس الكورونا، و هو ما يفرض عليه جملة من الواجبات ( الفقرة الأولى) يترتب عن الإخلال بها المؤاخذة الجزائية ( الفقرة الثانية) الفقرة الأولى: الواجبات يجب على الطبيب المصاب بفيروس كورونا الالتزام بالحجر الصحي. و في صورة عدم الإذعان يتم استصدار قرار في الاستشفاء الوجوبي. 1- الحجر الصحي: وهو إجراء يخضع له الأشخاص الذين ظهرت عليهم أعراضا سريريّة وتكون الفترة بالنسبة لغير المصابين 14 يوما.. ويتعين على الطبيب المشتبه بمخالطته لمصاب بفيروس كورونا أو الذي ثبت إصابته به الالتزام بالحجر الصحي و ذلك لتجنب تفشي العدوى للآخرين، وإذا امتنع الطبيب المصاب عن الالتزام بالحجر الصحي المنزلي يقع إجباره بالقوة العامة على الخضوع للحجر الإجباري بالأماكن المخصصة لذلك من طرف وزارة الصحة. 2- الاستشفاء الوجوبي: يمكن استصدار قرار في الاستشفاء الوجوبي ضد الطبيب المصاب بفيروس كورونا إذا رفض العلاج أو إذا تعمد نقل الفيروس للغير. فقد حدد الفصل 11 من قانون الأمراض السارية لعام 1992 حالات إصدار قرار الاستشفاء الوجوبي، فيمكن إصداره من طرف المحكمة لغرض العزل الإتقائي ضد الأشخاص المصابين بفيروس كورونا وذلك في الحالات التالية: – إذا رفضوا مباشرة أو متابعة العلاج المحدد لهم رغم إلزامهم بذلك مع إثباته، فلقد فرض الفصل 9 من قانون الأمراض السارية على كل شخص يعلم أنه مصاب بفيروس الكورونا أن يعرض نفسه على طبيب للفحص والمعالجة. و في حالة رفضه العرض تلقائيا يمكن للسلطة الصحية أن تلزمه بأن يعالج نفسه بصفة منتظمة مع إثبات ذلك بتقديم شهائد طبية في الآجال التي تحددها له السلطة الصحية نفسها، و يتم متابعة العلاج إما لدى طبيب من ذوي الممارسة الحرة حسب اختيار المريض أو بأحد الهياكل الصحية العمومية المعنية من قبل السلطة الصحية. – إذا سعوا عمدا من خلال سلوكهم إلى إنتقال المرض المصابين به إلى أشخاص آخرين. و يتم الإستشفاء الوجوبي بأحد الهياكل الصحية العمومية، و يقرر لمدة أقصاها ثلاثة أشهر قابلة للتجديد عند اللزوم من طرف المحكمة الابتدائية المختصة. ولقد نص الفصل 12 من قانون الأمراض السارية المؤرخ في 3 أوت 1992 المنقح بمقتضى القانون عدد 7 لسنة 2007 مؤرخ في 12 فيفري 2007 على أن قرار الإستشفاء الوجوبي يصدر عن المحكمة الابتدائية، والمنتصبة للقضاء إستعجاليا بناء على طلب من وزير الصحة العمومية أو من يمثله، وذلك بعد سماع المريض، وعند الاقتضاء من يمثله. وينفذ قرار الإستشفاء الوجوبي على المسودة. الفقرة الأولى: المؤاخذة الجزائية – يمكن تتبع الطبيب الحامل لفيروس كورونا أو المشتبه بإصابته من اجل: – مخالفة تدابير الحجر الصحي: طبق أحكام الفصل 312 م ج الذي ينص على انه: ” يعاقب بالسجن مدة ستة أشهر وبخطية قدرها مائة وعشرون دينارا كل من يخالف التحجيرات وتدابير الوقاية والمراقبة المأمور بها حال وجود مرض وبائي”. و قد تم فرض الحجر الصحي الشامل في تونس في إطار التوقي من انتشار الفيروس، فصدر أمر رئاسي عدد 24 لسنة 2020 مؤرخ في 18 مارس 2020 يتعلق بمنع جولان الأشخاص والعربات بكامل تراب الجمهورية من الساعة السادسة مساء إلى الساعة السادسة صباحا ابتداء من 18 مارس 2020 إلى أن يصدر ما يخالف ذلك. كما صدر أمر رئاسي عدد 28 لسنة 2020 مؤرخ في 22 مارس 2020 يتعلق بتحديد الجولان، و الذي حجّر جولان الأشخاص والعربات بكامل تراب الجمهورية، إلا لقضاء حاجياتهم الأساسية أو لأسباب صحية مستعجلة، ومنع كل تجمّع يفوق ثلاثة أشخاص بالطريق العام وبالساحات العامة. – خرق قانون الطوارئ: طبق أحكام الفصل 9 من الأمر عدد لسنة 50 لسنة 1978 المؤرخ في 26 جانفي لسنة 1978 المتعلق بتنظيم حالة الطوارئ الذي ينص على عقاب ” كل من يخرق قانون الطوارئ بالسجن لمدة تتراوح بين ستة أشهر وسنتين وبخطية تتراوح بين ستين (60 د) وألفين وخمسمائة دينار (2500 د ) أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط. و تقوم السلطة الإدارية بالتنفيذ الوجوبي للتدابير المتخذة”. – رفض مباشرة أو متابعة العلاج المحدد له رغم إلزامه بذلك: يعاقب بالسجن لمدة تتراوح بين سنة وثلاثة سنوات، طبق ما نص عليه الفصل 18 من قانون الأمراض السارية. – السعى عمدا من خلال سلوكه إلى انتقال المرض المصاب به إلى أشخاص آخرين: يعاقب بالسجن لمدة تتراوح بين سنة وثلاثة سنوات، طبق ما نص عليه الفصل 18 من قانون الأمراض السارية. – مغادرة المؤسسة التي وقع قبوله لديها، من تلقاء نفسه: يعاقب بالسجن لمدة تتراوح بين شهر وستة أشهر، طبق الفصل 19 من قانون الأمراض السارية. و يمكن تتبع الطبيب حامل الفيروس في حالة تسببه في نقل العدوى للغير، و الذي تسبب في وفاته، بحسب ما كان إذا الفعل عمدي أو نتيجة للتقصير والإهمال، و ذلك حسب السلطة التقديرية للمحكمة من اجل الجرائم التالية: – القتل عن غير قصد الواقع أو المتسبب عن عدم احتياط أو إهمال أو عدم تنبّه أو عدم مراعاة القوانين، عملا بأحكام الفصل 217 م ج الذي ينص على أنه: ” يعاقب بالسجن مدة عامين وبخطية قدرها سبعمائة وعشرون دينارا مرتكب القتل عن غير قصد الواقع أو المتسبب عن قصور أو عدم احتياط أو إهمال أو عدم تنبّه أو عدم مراعاة القوانين”. – القتل العمد، عملا بأحكام الفصل 205 م ج، الذي ينص على أنه:” يعاقب مرتكب قتل النفس عمدا بالسجن بقية العمر “. – محاولة القتل العمد: يمكن أن توجه للطبيب المصاب بفيروس كورونا جريمة محاولة القتل العمد عملا بأحكام الفصلين 59 و 205 م ج، إذا بقي الشخص الذي انتقلت اليه العدوى حيا. و نحن نعتقد أن ركن العمد مفترض بحكم أن المصاب له صفة طبيب و له من الخبرة و العلم و الدراية بخطورة المرض و قابليته للعدوى و الانتشار و المخالطة. و لا نجد إلى حد الآن أحكام صادرة ضد طبيب حامل لفيروس كورونا تسبب في نقله إلى الغير و أدى إلى وفاته، و لكن نجد في فقه القضاء الفرنسي و البلجيكي عديد الأحكام التي أقرت بمسؤولية الطبيب الحامل لفيروس الايدز الذي قام بنقل مرض الايدز إلى عدد من الأشخاص، مما تسبب في وفاتهم و تم إدانة المتهم من اجل القتل العمد. الخاتمة: بالرغم من إمكانية التتبع الجزائي للطبيب الحامل لفيروس كورونا عن نقل الإصابة بالفيروس للغير أو في صورة إخلال الطبيب الفاحص لمريض حامل لفيروس كورونا بواجب الإعلام و التصريح بحالة مصاب بفيروس كورونا قام بفحصه أو علم به، والذي يبقى من اختصاص السلطة القضائية لما لها من سلطة تقديرية في تكييف النصوص القانونية معتمدة في ذلك قواعد التطبيق السليم والعادل للقانون ، إلا أن القواعد القانونية ليست لوحدها كفيلة بمحاربة هذه الممارسات، بحيث أن قواعد الأخلاق والضمير الحي من المفترض أن يكونا أيضا عاملا مساهما، لذا يجب على كل الأطباء الوعي والالتزام بخطورة هذا الوباء و الحرص على القيام بالواجبات التي تقتضيها مهنتهم تلقائيا و بصفة طوعية.

إعداد : الدكتور جابر غنيمي

المساعد الأول لوكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بالمهدية

مدرس جامعي

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق