مقالات

القضاء و السياسة الجزائية الحديثة

إعلانات إعلانات إعلانات إعلانات إعلانات

لمواكبة التحوالت الحضارية والمتطلبات اليومية برزت حركة تحيين للقوانين شملت مختلف جوانب حياة اإلنسان. ولم تبق المادة الجزائية بمنأى عن هذه الحركة وذلك باعتبارها إحدى و سائل تحقيق العدالة االجتماعية. فقد ركزت الحركة التشريعية في الميدانالجزائي على العوامل التي تحكم السلوك مباشرة و تضبطه، وعلى البيئة التي تقع فيها الجريمة وتفاعل األفراد معها.
وتسعى التوجهات الجزائية الح ديثة في البالد التونسية إلى مواكبة مثيالتها في القانون المقارن من خالل الحرص على تحقيق موازنة بين حقوق اإلنسان من جهة ومعالجة الظاهرة اإلجرامية من جهة أخرى . ولم يكن ذلك األمر ممكنا قبل االستقالل ألن المجتمع كان مسلوب اإلرادة مغلوبا على أمره إذ اعتمدت السلطات االستعمارية الفرنسية
بتونس منذ احتالها للبالد عدة طرق بغية تحقيق أهدافها السياسية و األمنية و االقتصادية ، وتبعا لذلك كانت بحاجة إلى سياسة عقابية حازمة تؤ من لها تنفيذ تلك األهداف، وصدرت في ذلك الظرف المشحون عدة نصوص جزائية أبرزها المجلة الجنائية بموجب األمر العلي المؤرخ في 09 جويلية 1913 الذي ألغى، منذ دخولها حيز التنفيذ، القوانين و األوامر والتراتيب المختلفة لمقتضياتها.
وقد ال يكون صدور المجلة أو األوامر الزجرية األخرى أمرا سلبيا في حد ذاته لكن المرجعية االستعمارية التي تأصلت عليها جعلها أداة لصالح المع مرين على حساب السكان األصليين. وكان طبيعيا أن ي نخرط المشرع التونسي منذ االستقالل في حركة إصالح جذرية لتركيز مقومات السيادة الوطنية، لكن تدخله في المادة الجزائية تميز ببطء النسق
لتزاحم األولويات أمام الدولة الفتية وبقاء مصالح المستعمر قائمة في البالد إلى غاية خوض الجالء الزراعي والعسكري، ولصعوبة التخلص من الموروث القديم وحاجة السلطة إلى انتهاج السياسة الجزائية الحازمة والصارمة لغرض االستقرار.
غير أن تلك المعطيات لم تمنع المش رع من س ن بعض القوانين الجديدة أبرزها مجلة اإلجراءات الجزائية الصادرة بمقتضى القانون عدد 23 سنة 1968 المؤرخ في 24 جويلية 1968 التي أرست نظام العدالة الجزائية في تونس. وقد تفاعلت السياسة الجنائية في تونس مع مثيالتها في التشاريع المقارنة من خالل التخلي عن عديد المبادئ الزج رية الكالسيكية “كالعقوبات المح ددة” وذلك بإقرار إمكانية تحديد القاضي للعقوبة بين حد أدنى وحد أقصى وحتى النزول بالعقوبة باعتماد ظروف التخفيف، واستعمال التجنيح القضائي إلى جانب تكريس التدابير اإلحترازية و إقرار المبادئ األساسية لإلجراءات الجزائية كعلنية الجلسات وحقوق الدفاع ومبدأ المواجهة بين الخصوم وقرينة البراءة وخ اصة مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات .
لكن هذه المبادئ و الضمانات التي كرسها دستور 1959 والمجلة الجنائية لسنة 1913 ومجلة اإلجراءات الجزائية لم تمثل إال الحد األدنى المطابق ألفكار المدرسة الوضعية الكالسيكية وما آلت إليه حقوق اإلنسان في جيلها األول والثاني، في حين لم تع مر عدا القانون المتعلق 4 المحاوالت الجريئة إلقرار بعض مبادئ نظرية الدفاع اإلجتماعي
بجنوح األحداث المؤرخ في 30 جوان 1965. وهكذا فإن االتجاهات الجديدة للسياسة الجنائية لم تتجذر في اختيار المشرع التونسي إال حديثا حيث أصبحت السياسة الجزائية ضامنة للوقاية من الجريمة ومعالجة المنحرفين واستبدلت أحيانا العقوبة الجزائية بأخرى عالجية تهدف إلرجاع ” المنحرف لحظيرة وفقت في المساكنة بين العقوبة و التدابير اإلحترازية المجتمع كما أنها وفقت في المساكنة بين العقوبة و التدابير اإلحترازية.

و نتيجة لتأثير االتجاهات الحديثة التي دعت إلى تعريف السياسة الجنائية بكونها : ” مجموع الحلول واألجوبة المنظمة والضابطة للسلوك الذي يتصف بكونه إجراميا وهي حلول تسند للدولة والهيئات اإلجتماعية أو اإلدارية وتكون جزائية أو غير 6 جزائية
” ظهرت منذ سن ة 1987 سلسلة من القوانين أمكن معها الحديث عن توجهات جزائية متكاملة المعالم في القانون التونسي تدعم الحريات الفردية وتك رس اإلنتقال من الوظيفة اإلنتقامية إلى الوظيفة اإلصالحية العالجية، ومن بين هذه القوانين نذكر خاصة:
7 قانون تنظيم اإليقاف التحفظي و اإلحتفاظ الذي تعزز بمصادقة الجمهورية التونسية على اتفاقية األمم المتحدة لسنة 1984 لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة المهينة أو القاسية أو الال إنسانية ، وكذلك إلغاء عقوبة األشغال الشاقة بمقتضى قانون 27 فيفري 1987 ،وإلغاء محكمة أمن الدولة وخطة الوكيل العام للجمهورية في 23/12/1987..إلخ
ثم استتبع ذلك صدور زخم كب ير من النصوص القانون ية الزجرية بعضها يهدف إلى تنقيح نصوص سابقة لتطوير القانون الجزائي) الموضوعي و اإلجرائي(، والبعض اآلخر إلحتواء نماذج إجرامية مستحدثة وتدعيم العدالة الجزائية بهياكل عصرية لتحقيق األهداف الموجودة، و كل ذلك لمالئمة التحوالت الجذرية التي يعيشها المجتمع الدولي عامة والبالد التونسية خاصة في مختلف المادين اإلقتصادية واإلجتماعية والسياسية.. فالقول بأن العالم أصبح قرية كونية ليس مقصور على اإلنتفاع بمزايا التكنولوجيات الحديثة، بل يرمي أيضا إلى اإلنصهار في منظومة شاملة هدفها اإلنفتاح على الثقافات ورصد معالم الجريمة التي كانت سباقة في انتهاج العولمة واستفادت سنوات
طويلة من انغالق القوانين الجزائية الوطنية إلى أن أصبحت ظاهرة تهدد األمن واإلستقرار في العالم
، وهو ما حتم التدخ ل التشريعي بتأسيس مفاهيم جديدة للجريمة والعقاب، كما هو الحال بالنسبة للجرائم اإلرهابية والجريمة المنظمة أو عبر الوطنية .

غير أن تفعيل مختلف هذه المبادرات التشريعية في المادة الجزائية يبقى رهين تدخل السلطة القضائية بوصفها الجهاز الساهر على تطبيق النصوص القانونية. وقد تطورالقضاء نتيجة للتحوالت اإلقتصادية و اإلجتماعية والسياسية ” حتى أصبح القاضي يتدخل لفض أبسط األمور بل أصبح قاضي الحياة اليومية من الوالدة إلى الموت.”
كما وفرت الدولة جميع اآلليات لكي يواكب القضاء مسار التأهيل، وذلك لما يقوم به من وظائف
فما هو دور القاضي في التوجهات الجزائية الحديثة؟

يتبع…

د.فريد بن جحا
م/ وكيل الجمهورية لدى المحكمة االبتدائية بالمنستير
ومدّرس بكلية الحقوق بسوسة

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق