الأخبار

الشاعر محمد خضير حارس الجمال يتألق في معرض القاهرة الدولي للكتاب وبيت الست وسيلة

علاء حمدي
​حين قرأ الشاعر محمد خضير قصائده هذا العام في بيت الشعر العربي (بيت الست وسيلة)، كان صوته يتهادى في المكان كأنه صدىً لقرون مضت، لكن بوعي “وجودي” معاصر. إن القوة الكامنة في شعر خضير، كما تجلت في قصيدتي “اعترافات مؤجلة لعنترة العبسي” و”قلب طري”، تكمن في قدرته على “قناع” الشخصية التراثية ليسرد من خلالها مأساته الشخصية والإنسانية.
​1. “اعترافات مؤجلة”: عنترة بوصفه اغتراباً وجودياً
​في قصيدته “اعترافات مؤجلة”، لا يستدعي خضير “عنترة” ليحدثنا عن فروسيته التقليدية، بل ليستدعي “جرحه”؛ الجرح الذي أنكره الأب والقبيلة.
يقول خضير ببراعة مذهلة:
​”وأنا غريبُ الّلونِ، أنكرَني أَبيْ / ومَضَىٰ إلى شَأْنِ القَبيلةِ شاهِرًا / سَيفَ الفُحولَةِ، تارِكًا قَتلاهُ بيْ”
​هنا نلمس “التكثيف الدرامي” ؛ فالقتل لا يقع على الآخرين فحسب، بل يقع “في” الشاعر/البطل. إن استخدام “سيف الفحولة” كأداة للإقصاء يمثل نقداً عميقاً للبنى الاجتماعية المتوارثة.
الشاعر هنا يقلب المعادلة الجمالية، فالسواد الذي عُيّر به عنترة يصبح هو مصدر “الغيث”:
​”عُيِّرتُ، ما انتَبهُوا بأنّي غيْمةٌ / لولا شَديدُ سَوادِها لمْ تَسْكُبِ!”
هذه الصورة ليست مجرد دفاع عن اللون، بل هي انتصار للإبداع الذي يولد من رحم المعاناة والسواد.
​2. جدلية الموت والحياة في “قلب طري”
​أما في قصيدته “قلب طري”، التي لاقت استحساناً كبيراً في أمسياته بالقاهرة، فينتقل خضير إلى منطقة أكثر شفافية. يبدأ بتساؤل فلسفي حارق:
​”مَنْ يقنِعُ المَوتىٰ بأنَّ المَوتَ حَي / ويَعيشُ بين النّاسِ في ثَوبٍ خَفي”
​هذا البيت يختزل رؤية الشاعر للموت ليس كـ “نهاية”، بل كـ “حضور” مستمر ومستتر. خضير هنا يطرح نفسه “كحالة شعورية” تصارع قسوة العالم بـ “قلب طري”. المدهش في هذه القصيدة هو انتقال الشاعر من “الخوف من الحزن” إلى “الخوف على الحزن”:
​”يا ذيلَ أيلولَ احتَملْني، هٰا أنا / أبتلُّ خَوفَ الحُزنِ أنْ يَبكِي عَلي”
وهي التفاتة شاعرية نادرة، تعكس رهافة الحس لديه.
​3. اللغة والتشكيل الموسيقي
​يمتلك محمد خضير نفساً طويلاً في قصيدة العمود، لكنه يطوعها لتكون “بريداً” للحداثة. استخدامه للقوافي المشبعة (صبي، أبي، مذهبي…) يعطي جرسًا جنائزيًا تارة، وحماسيًا تارة أخرى، بما يتناسب مع حالة “الاعتراف” و”المكاشفة”.
​لقد أثبت محمد خضير في محافل القاهرة هذا العام في معرض القاهرة الدولي للكتاب وبيت الست وسيلة) أن الشاعر الحقيقي هو من يستطيع أن يبعث من رماد التاريخ نيرانًا تضيء واقعنا الراهن. إنه لا يكتب للماضي، بل يستخدم الماضي “مرآةً” يرى فيها وجه الإنسان المعاصر المغترب، الباحث عن حريته فوق الماء، وعن حبه في كف ليلى.
​ هذه القصائد تعيد الاعتبار للقصيدة الموزونة التي تحمل هماً فلسفياً، وتؤكد أن محمد خضير هو واحد من حراس الجمال في المشهد الشعري الأردني والعربي المعاصر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى