الأخبارتونس

التلبس في القانون التونسي

إعلانات إعلانات إعلانات إعلانات إعلانات

بقلم: الدكتور جابر غنيمي

المساعد الأول لوكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بسوسة

مدرس جامعي

عرف الفقيه ” اسمان ” التلبس بأنه “الصورة التي يتم فيها مشاهدة الشخص بصدد ارتكاب الفعل، وهو ما تتوضّح معه الحقائق وتمحى الشكوك”.

 ومن جهة أخرى عرف الدكتور محمد زكي أبو عامر التلبس بكونه ” حالة واقعية يعبر عنه مجموعة من المظاهر الخارجية التي تدل بذاتها على أن جريمة تقع أو بالكاد قد وقعت وقوامها انعدام الزمن أو تقاربه بين وقوع الجريمة واكتشافها “.

و نلاحظ أن إجراءات التلبس كانت محل اهتمام من القدم، فالقانون الروماني اعتبر أن الجريمة متلبس بها تستوجب عقاب مالي أشد من الجريمة غير المتلبس بها. واعتبر قانون الألواح الاثني عشر أن السرقة غير المتلبس بها تستوجب عقابا ماليا، غير أن السرقة المتلبس بها تستوجب عقابا بدنيا شديدا.

و اعتمد القانون الفرنسي إجراءات التلبس في مجلة التحقيق الجنائي لسنة 1808 .            

أما التشريع الإسلامي كمصدر معتمد قبل صدور مجلة الإجراءات الجزائية لسنة 1921 اختلفت آراء مذاهبه الفقهية، فتارة يحصر المالكي التلبس في صورة ضبط المتهم حال مباشرته الفعل، وتارة أخرى يوسع الحنفي مفهوم التلبس ليشمل مباشرة الفعل في الحال ومباشرة الفعل في زمن قريب من الحال.

ورغم غياب تعريف للتلبس في مجلة الإجراءات الجزائية إلا أنها تضمنت في القسم الخامس من الباب الأول للكتاب الأول ” في إقامة الدعوى العمومية ومباشرة التحقيق ” بعنوان ” في الجنايات والجنح المتلبس بها “.

و لقد نص الفصل 33 من مجلة الإجراءات الجزائية على ما يلي: “تكون الجناية أو الجنحة متلبسا بها :

أولا: إذا كانت مباشرة الفعل في الحال أو قريبة من الحال.

ثانيا: إذا طارد الجمهور ذا الشبهة صائحا وراءه أو وجد هذا الأخير حاملا لأمتعة أو وجدت به آثار أو علامات تدل على احتمال إدانته، بشرط وقوع ذلك في زمن قريب جدا من زمن وقوع الفعلة.

وتشبه الجناية أو الجنحة المتلبس بها كل جناية أو جنحة اقترفت بمحل سكنى استنجد صاحبه بأحد مأموري الضابطة العدلية لمعاينتها ولو لم يحصل ارتكابها في الظروف المبينة بالفقرة السابقة”.

إن دراسة التلبس يقتضي تحديد حالاته ( المبحث الأول) و أثاره ( المبحث الثاني)

المبحث الأول: حالات التلبس

لقد ميز المشرع بين ثلاثة حالات للتلبس: التلبس الحقيقي ( الفقرة الأولى) و التلبس الاعتباري ( الفقرة الثانية) و الجريمة المشبهة بالمتلبس بها ( الفقرة الثالثة)

الفقـرة الأولى: التلبس الحقيقي

لقد عرف المشرع حالة التلبس في معناه الحقيقي أو المادي بالفقرة الأولى من الفصل 33 من مجلة الإجراءات الجزائية بالجناية أو الجنحة التي تمت معاينتها حال مباشرة الفعل أو في ظرف زمني قريب من الحال:

 – أما في حالتها الأولى فهي تنطبق على صورة مباغتة ذي الشبهة بصدد ارتكاب الجريمة سواء من طرف المتضرر أو الشهود أو أعوان السلطة العمومية.

– أما في حالتها الثانية فهي تنطبق على صورة قيام فاصل زمني قصير بين ارتكاب الجريمة ومباغتة ذي الشبهة يكون معه إيقاعها قريبا من الحال، كأن يتم العثور على المظنون فيه بمسرح الجريمة بعيد حصولها أو يقع اكتشاف الجريمة بمجرد مغادرته للموطن بقطع النظر عن تجسم الشبهة القائمة ضده بآثار مادية تركها بمسرح  الجريمة أو بشهادة شهود لا زالوا متواجدين بالمكان من عدمه.

ويكفي لقيام حالة التلبس أن تكون الفترة الزمنية الفاصلة بين إيقاع الجريمة واكتشافها قريبة.

وبالرجوع إلى القانون التونسي و كذلك القانون المقارن و خاصة منه القانون الفرنسي و المصري يلاحظ أنه لم يقع تحديد الحيز الزمني الذي تبقى فيه الجريمة متلبسا بها، حيث أن المشرع التونسي اكتفى بالتنصيص على أن مباشرة الفعل يجب أن تكون قريبة من الحال، أما المشرع المصري فقد استعمل لفظة ” عقب ارتكابها ببرهة يسيرة” .

وأمام الغموض في تحديد الزمن الذي تبقى فيه الجريمة متلبسا بها أصبح المجال واسعا لاجتهاد رجال الفقه و فقه القضاء، فهناك من يرى أن المشرع قد تعمد عدم تحديد الزمن في هذه الحالة لكي يعطي للقضاء حرية تقدير حالة التلبس وفقا لظروف الواقعة.

وهناك من الفقهاء من يرى أن هذا الزمن يجب أن يقتصر على اللحظات التي تلي ارتكاب الفعل لأن هذا ما أراده المشرع ضمنيا.

إن ترك تقدير هذه المدة الزمنية لاجتهاد مأمور الضابطة العدلية اعتمادا على ما يعرض عليه من وقائع، وعدم تحديد هذا الوقت ” القريب من الحال ” بساعات معينة تجنبا لعرقلة عمله يساهم في كشف الحقيقة، ولكن هذه السلطات الاستثنائية لا يجب أن تؤخذ على إطلاقها وذلك حتى يظل التوازن موجودا بين مصلحة الدولة في توقيع العقاب وبين احترام الحريات الفردية وهو ما يجعل تقدير هذه المدة الزمنية خاضعا لتقدير محكمة الموضوع.

وقام إجماع على صعيد الفقه وفقه القضاء يقتضي بروز عناصر الجريمة بالظاهر من خلال أدلة مادية قوية توحي بارتكابها حالا أو قريبا من الحال بما يبرر إجراء أعمال التفتيش في إطار الجريمة المتلبس بها.

الفقـرة الثانية: التلبس الاعتباري

لقد عرف المشرع الجريمة المعتبر متلبس بها بالفقرة الثانية من الفصل 33 من م ا ج بالجناية أو الجنحة التي تبعتها مطاردة الجمهور لذي الشبهة صائحا وراءه أو إذا وجد هذا الأخير حاملا لأمتعة أو وجدت به آثار أو علامات تدل على احتمال إدانته، بشرط وقوع ذلك في زمن قريب جدا من زمن وقوع الفعلة، مميزا بالوجه المشار إليه بين حالتين اثنتين :

– أما الأولى فهي تنطبـق على حالة مطـاردة ذي الشبهة مــن طـرف الجمهور في شخص المتضرر أو غيره من أفراد الناس صائحا وراءه بنعته بما ارتكبه من أفعال.

اعتمد المشرع كلمة ” جمهور ” وهي كلمة عامة يمكن أن تشمل المجني عليه، الشهود الذين عاينوا الجريمة أو أي شخص آخر.

 بيد أن مطاردة الجاني من قبل الجمهور لا تكتمل إلا بتوفر الصياح، ويقصد به الملاحقة الصوتية بشكل يوضح رغبتهم في القبض عليه، فصرخات العامة تصدر في مواجهة المتهم لإدانته بصفة صريحة ومباشرة.                      

وقد اعتمد فقه القضاء الفرنسي نفس المبدأ حيث اعتبر أن مثل هذا الصياح علامة تدل على وجود جريمة اقترفت منذ برهة يسيرة.

لكن هل يشترط دائما في كل الحالات اقتران التتبع بالصياح؟

يؤكد جل الفقهاء على ضرورة اقتران التتبع بالصياح إذا كان ذلك من قبل العامة وذلك بصريح النص.

في هذا الإطار وجب التفرقة بين صياح العامة والإشاعة العامة، فالأولى هي بمثابة الإدانة الصريحة والمباشرة للجاني، أما الثانية فهي مجرد شك أو ريبة ترتكز على اتهام ضعيف غير مؤكد.

إن إيراد هذه الصورة من قبل المشرع تنجر عنها سلبيات ماسة بقرينة البراءة على اعتبار أن الصياح هو من رسوبيات ردود الفعل لدى المجتمعات البدائية لأنه يتسم بنوع من العفوية، ومن الطبيعي جدا أنه وسط ضجة أصوات الجمهور المنادية بالاتهام لن يسمع أحد صوت المتهم المنادي بالبراءة.

 و اشترط المشرع لاعتبار الجريمة متلبسا بها أن تقع مطاردة الجمهور لذي الشبهة في زمن قريب جدا من زمن وقوع الجريمة، إلا أن قصر الفترة الزمنية بين وقوع الجريمة وتتبع الجاني هو أمر خاضع لاجتهاد مأمور الضابطة العدلية تحت رقابة محكمة الموضوع، حيث أنه من الصعب تحديد مدة زمنية معينة تقوم خلالها حالة التلبس هذه وذلك لاختلاف الظروف من قضية إلى أخرى.

ولكن الإشكال يبرز عند قيام المطاردة بعد قيام الجريمة بزمن طويل نسبيا.فهل تبقى حالة التلبس قائمة؟

في بعض الأحيان تكون المطاردة وليدة جريمة قد وقعت منذ أيام ومثال ذلك حصول اعتداء على شخص معين وبعد أيام من هذا الاعتداء يلتقي المجني عليه بالجاني فيتولى ملاحقته بالصياح ويسانده العامة في ذلك، فإلى أي مدى تبقى حالة التلبس قائمة؟

وبالرجوع إلى القانون المقارن نلاحظ أن المشرع اللبناني أكد صلب الفصل 36 من مجلة الإجراءات الجزائية اللبنانية أن حالة التلبس تكون موجودة إذا قام العامة بمطاردة الجاني خلال 24 ساعة اللاحقة لارتكاب الفعل المجرم، أما المشرع التونسي فلم يحدد هذه المدة وتبرير ذلك هو عدم تقييد مأمور الضابطة العدلية عند قيامه بالأبحاث وذلك نظرا لاختلاف الوقائع من قضية إلى أخرى، وأن رقابة محكمة الموضوع لأعمال هذا الأخير خير ضمان لإرساء الدقة في الأبحاث ولاحترام حريات الأفراد. 

– أما في حالتها الثانية فهي تنطبق على صورة العثور على ذي الشبهة حاملا لأمتعة من آلة جريمة أو وثائق أو مسروق أو لآثار مادية من جروح أو تلويث ثياب بالدماء وغيرها من الآثار التي توحي بمشاركته في ارتكاب الجريمة.

وهذه الصورة تستلزم مشاهدة الجاني بعد وقت قريب جدا من وقت وقوع الجريمة حاملا لأشياء أو به آثار أو علامات يستدل منها احتمال ارتكابه لجريمة.

ومن الملاحظ انه لم يقع تحديد المقصود ب” الأمتعة “، فالنص جاء عاما تاركا المجال لاجتهاد مأمور الضابطة العدلية.

وقد اعتمد فقه القضاء هذا المبدأ من خلال القرار الصادر عن محكمة الاستئناف بنابل في 15 مارس 2001 والتي أكدت فيه أن تولي أعوان الأمن إلقاء القبض على المتهم وهو بصدد بيع الأدباش المسروقة يعتبر تلبسا.

لقد مكن المشرع مأمور الضابطة العدلية من اعتماد إجراءات التلبس في الصورة التي يوجد فيها بالجاني علامات أو آثار تفيد احتمال ارتكابه لجريمة من ذلك مثلا البصمة، خدوش حديثة أو دماء ظاهرة بالملابس.

لكن الآثار لا تقتصر على ما هو مادي وإنما تمتد لتشمل تصرفات المتهم من ذلك مثلا فقدان المتهم لقدرته على التحكم في نفسه عند سؤاله من قبل مأمور الضابطة العدلية.

لكن هذا الرأي من شأنه المساس بضمانات المتهم على اعتبار أن الارتباك أو الخوف الذي قد يظهر على المظنون فيه لا يعتبر سببا حتميا، ذلك أن هذا الارتباك قد يكون مرده صعوبة الموقف الذي يمر به المظنون فيه.

وفي هذا الإطار يثار إشكال يتمثل في مدى ضرورة أن تكون هذه الأمتعة والآثار والعلامات ظاهرة لقيام حالة التلبس. وهل يمكن اللجوء للتفتيش بهدف الوصول إليها؟

ويلاحظ هنا أن المشرع التونسي أو الفرنسي لم يتطرق إلى هذا الإشكال.

 ولكن فيما يتعلق بالآثار والعلامات التي ” وجدت ” بالجاني من المفروض أن تكون واضحة لا لبس فيها ولكن في المقابل تفتح المجال لمأمور الضابطة العدلية لتفتيش المشبوه فيه حتى يتمكن من بيان الأمتعة، لأن هذا الأخير يجب أن يكون ” حاملا لأمتعة “.

 والحمل يمكن أن يكون ظاهرا كما يمكن أن يكون خفيا.

لكن عموما فان عدم الدقة في التشريع في كثير من الأحيان  يكون ملاذا لتجاوزات عديدة قد تأثر على تطبيق القانون وكذلك على الحريات الفردية، وهو ما جعل محكمة التعقيب الفرنسية في قرارها المعروف بقرار ” AZNAR ” تأكد على أن ” مجرد معرفة شخص معين لدى العموم بقيامه ببعض الرهانات القانونية لا يبيح لمأمور الضابطة العدلية تفتيشه في الطريق العام”.

وبالتالي يجب أن تكون هذه الأمتعة والآثار والعلامات التي تنبني عليها هذه الصورة من صور التلبس واضحة حتى يبقى التوازن موجودا بين تطبيق القانون وحماية الحريات الفردية.

لقد اشترط المشرع مشاهدة الأمتعة والآثار على الجاني بعد وقت قريب جدا من وقوع الجريمة، إلا أنه لم يحدد المقصود بهذا ” الزمن القريب جدا “، فجاءت عبارات النصوص عامة تفتح المجال أمام مأمور الضابطة العدلية للاجتهاد تحت رقابة محكمة الموضوع.

هذا ولم يعرف المشرع مدلول هذه العبارة الواردة بالفقرة الثانية من الفصل 33 من م.إ.ج، إلا أنه قام إجماع حول اعتبار أن العبارة المشار إليها تغطي فترة زمنية أطول من تلك التي عبر عنها المشرع عند تعرضه لحالة التلبس بالمعنى المادي “بمباشـرة الفعــل حــالا أو قريبـــا من الحـال.

الفقـرة الثالثة: الجريمة المشبهة بالمتلبس بها:

لقد توسع المشرع التونسي في صور التلبس بالجريمة حيث نص الفصل 33 من م.ا.ج على أنه “و تشبه الجنحة أو الجناية المتلبس بها كل جناية أو جنحة اقترفت بمحل سكنى استنجد صاحبه بأحد مأموري الضابطة العدلية لمعاينتها ولو لم يحصل ارتكابها في الظروف المبينة بالفقرة السابقة”.

هذه الصورة لا تعتبر تلبسا بطبيعتها ولكنها مشابهة للتلبس، وتبعا لذلك يجول هذا الوضع لمأمور الضابطة العدلية اعتماد إجراءات التلبس حتى ولو لم تدخل هذه الصور تحت أي من الصور التقليدية للتلبس.

ويستوجب قيام هذه الصورة شرطين أساسيين: يتمثل الأول في ضرورة وقوع جريمة بمحل سكنى، والثاني في استنجاد صاحب المحل بمأمور الضابطة العدلية.

– وقوع جريمة بمحل سكنى: يجب لقيام هذه الصورة من صور التلبس وجود جريمة معاقب عليها جزائيا تكون إما جناية أو جنحة تم اقترافها بمحل سكنى.

والمقصود من لفظة ” محل سكنى ” هو المحل الذي تقيم فيه العائلة بصفة قارة أو مؤقتة وما يتبعه من مرافق سواء كانت مغلقة أو مفتوحة شريطة أن تكون مسيّجة وأما الأماكن المعدة للتجارة أو الصناعة، فلا تعد محلات سكنى وعملا على ذلك لا يمكن اعتماد إجراءات التلبس عند وقوع الجريمة داخلها.

إضافة إلى هذا الشرط يجب على صاحب المحل أن يستنجد بمأمور الضابطة العدلية ويطلب منه إجراء معاينة للجريمة الواقعة بمحل سكناه.

 – استنجاد صاحب المحل بمأمور الضابطة العدلية: تقتضي هذه الحالة الأخيرة من حالات التلبس استنجاد صاحب المحل بمأمور الضابطة العدلية لمعاينة جريمة حصلت بمحل سكناه.

ويبقى تقدير توفر شروط هذه الصورة خاضعا لاجتهاد مأمور الضابطة العدلية حسب ظروف كل واقعة، والذي يجب عليه الانتقال على عين المكان اثر إعلامه من طرف صاحب المحل بوجود الجريمة وذلك قصد التثبت وتقدير مدى إمكانية اعتماد إجراءات التلبس إذ قد يلجأ إلى اعتماد الإجراءات العادية عندما يتبين له أن صاحب المحل علم بها ولكنه التزم الصمت.

 وتعرضت هذه الصورة من صور التلبس إلى نقد فقهي هام سببه رفض جانب من الفقهاء إخضاع البحث فيها لإجراءات التلبس، حيث اعتبروا أن اعتماد إجراءات التلبس تبرره حالة التأكد والاستعجال حتى لا تمحى الأدلة بينما يلاحظ في هذه الصورة تلاشي عامل الزمن والذي يعتبر أهم معطى يجسد حالة التلبس.

المبحث الثاني : أثار التلبس:

إن توفر صور التلبس يترتب عنه توسيع صلاحيات الضابطة العدلية ( الفقرة الأولى) كما يعتمده أساسا لاتخاذ إجراءات مقيدة للحرية ( الفقرة الثانية ).

الفقرة الأولى: توسيع صلاحيات الضابطة العدلية بمناسية الجريمة المتلبس بها

أقر المشرع لمأموري الضابطة العدلية صلاحيات أوسع بمناسبة البحث في الجريمة المتلبس بها مقارنة بأعمال البحث الأولي.

وخول الفصل 34 من م ا ج لوكيل الجمهورية ولمساعديه في جميع صـور الجنايات أو الجنح المتلبس بها ما لحاكم التحقيق من السلط إلى جانب سلطة التتبع.

كما نص الفص 26 من م ا ج على “وليس له فيما عدا الجنايات أو الجنح المتلبس بها أن يجري أعمال تحقيق، لكن يمكنه أن يجري بحثا أوليا على سبيل الاسترشاد لجمع أدلة الجريمة، ويمكنه استنطاق المشبوه فيه بصفة إجمالية وتلقي التصريحات وتحرير المحاضر فيها”.

و خول الفصل 35 من م ا ج ” لحاكـم التحقيق … في صورة الجناية المتلبس بها جميع الأعمال المخولة لوكلاء الجمهورية طبق القانون زيادة على ما له من الوظائف الخاصة به ويجب عليه إعلام وكيل الجمهورية حالا.  وله بالخصوص أن يسمع الشهود بدون سابقية استدعاء وأن يلقي القبض بمجرد إذن شفاهي على ذي الشبهة الذي كان حاضرا ثم إنه يأمر بنفسه بتنفيذ قراراته. وبعد الفراغ من ذلك يبعث بتقاريره إلى ممثل النيابة العمومية الذي يقرر في شأنها ما يراه صالحا.

– الجمع بين سلطتي التتبع والتحقيق: اعتمادا على إجراءات التلبس يقع التوسيع في صلاحيات النيابة العمومية لتشمل ما لحاكم التحقيق من سلط، ونفس المبدأ بالنسبة إلى حاكم التحقيق الذي تتسع صلاحياته لتشمل جميع مهام وكيل الجمهورية. فبتوفر التلبس تمنح لوكيل الجمهورية صلاحيات واسعة أقرها الفصل 34 من م.ا.ج.

هذه الصلاحيات منها ما هو متعلق بالأشياء ومنها ما هو متعلق بالأشخاص.

 – بالنسبة إلى الصلاحيات المتعلقة بالأشياء: فهي أولا تتمثل في التوجه على عين المكان، إلا أن المشرع لم ينص على مثل هذا الإجراء صراحة بيد أنه في التطبيق يقع اعتماده حماية لآثار الجريمة وسعيا إلى كشف الحقيقة.

وفي هذا الإطار يتوجب معرفة مدى ضرورة إعلام وكيل الجمهورية لحاكم التحقيق بتحوله على عين المكان؟

صلب مادة التلبس لم يتعرض المشرع التونسي لهذا الإشكال وهو خلافا لما كان عليه الحال صلب مجلة الإجراءات الجزائية لسنة 1921 .

إن الجدير بالملاحظة هو أن وكيل الجمهورية عند قيامه بالمعاينة الموطنية وجب عليه اتخاذ جميع الوسائل التحفظية قصد الحفاظ على معالم وآثار الجريمة من ذلك مثلا تغطية آثار الأقدام أو الاستعانة بخبير لرفعها أو رفع بصمات الأصابع، ذلك أن المعاينة الدقيقة تعتبر من أهم الإجراءات التي تفتح الباب أمام تحقيق العدالة دون ظلم أو تجاوز.

كما تمنح لوكيل الجمهورية في حالة التلبس صلاحية التفتيش.

 وقد اهتم المشرع بإجراءات التفتيش ضمن الفصول من 93 إلى 96 من م.ا.ج.وبالرجوع إلى الفصل 93 من م.ا.ج.

ويلاحظ أن التفتيش يجرى في جميع الأماكن التي قد توجد بها أشياء يساعد اكتشافها على إظهار الحقيقة، وبالتالي فهو لا يقتصر على سكن الجاني وإنما يشمل كل مكان يفترض وجود أدلة إثبات فيه.

ففي صورة التلبس يجوز لمأموري الضابطة العدلية التفتيش في محلات السكنى دون توقف على إذن حاكم التحقيق وبالتالي يصبح لوكيل الجمهورية الحق في التفتيش.

وقد حدد المشرع في الفصل 95 من م.ا.ج. أوقات التفتيش إلا أنه جعل من حالة التلبس مبررا لخرق ما نص عليه هذا الفصل وذلك لما تقتضيه إجراءاته من سرعة في البحث.

فهل يشمل التفتيش الأشخاص أم يقتصر على المساكن؟

ولم يتعرض المشرع التونسي لهذا الإشكال، إلا أنه وبالرجوع إلى الفصل 93 من م.ا.ج لنا أن تتبين من خلال عبارة ” جميع الأماكن ” أنها عبارة عامة تنسحب على جميع الأماكن التي يعتقد وجود أدلة فيها بما في ذلك الأشخاص المشتبه فيهم.

فبالإضافة إلى أن فقه القضاء يبيح هذا الإجراء لما يتضمنه من أهمية في كشف الحقيقة في العديد من القضايا.

وتفتيش الأشخاص يعني البحث والتفتيش بجسمه وملابسه وما يحمله معه من متاع.

و قد اقتضى الفصل 96 من م.ا.ج. ضرورة اصطحاب امرأة أمينة عند قيام مأمور الضابطة العدلية بالتفتيش، وهدف ذلك هو قيام هذه الأخيرة القيام بتفتيش النساء المتواجدات بالمحل حفاظا على حياء المرأة وصيانة لعرضها.هذا القيد يتعلق بالنظام العام ومخالفته تؤدي إلى بطلان إجراءات التفتيش وما أسفر عنها من أدلة.

إن ما يجب التأكيد عليه هو أن التفتيش يجب أن لا يكون فيه إهدار لكرامة المتهم أو إيذائه لا بدنيا و معنويا، فالتفتيش لا يجوز أن يحصل بعنف كتمزيق الملابس أو استخدام وسائل جارحة للكرامة الإنسانية أو مؤلمة بدنيا.

ومن آثار التفتيش، الحجز، وقد نظمه المشرع صلب الفصول من 97 إلى 100 من م.ا.ج. حيث يمكن لوكيل الجمهورية حجز الأشياء التي من شأنها الإعانة على كشف الحقيقة ويقتضي هذا الإجراء احترام الشكليات التي فرضها المشرع على قاضي التحقيق ذاته في الحالات العادية كتحرير قائمة في المحجوز بمحضر ذي الشبهة.

وقد أصدرت جل التشريعات نصوصا قانونية تحمي أسرار الأفراد والأسرار المهنية التي يمكن الكشف عنها أثناء عمليتي الحجز والتفتيش، من ذلك أن المشرع الفرنسي وتكريسا منه لحماية الحياة الشخصية أورد عقوبة مالية وبدنية ضد كل من يتولى كشف مثل هذه الأسرار وهو ما لم يتطرق إليه التشريع التونسي.

ومن الصلاحيات الأخرى الممنوحة لوكيل الجمهورية المتعلقة بالأشياء هي الإذن بإجراء الاختبار، وهو عملية ذات صبغة فنية يقوم بها شخص مختص بتكليف من السلطة المختصة نظمها المشرع في قانون 1993 المنقح سنة 2010 والذي يعنى بمسألة الاختبار.

كما منح القانون صلب الفصل 34 من م.ا.ج. لوكيل الجمهورية صلاحيات أخرى تتعلق بالأشخاص وهي:

أولا سماع الشهود، حيث يمكن لوكيل الجمهورية في حالة التلبس وعند توجهه على عين المكان، سماع الشهود الحاضرين بدون سابقيه استدعاء ودون اللجوء إلى مطالبتهم بأداء اليمين القانونية.

ثانيا: استنطاق ذي الشبهة، حيث يمكن لوكيل الجمهورية عند توجهه على عين المكان استنطاق ذي الشبهة دون أن يتقيد بشكليات الاستنطاق المنصوص عليها بالفصل 69 من م.ا.ج.كما منحت لوكيل الجمهورية صلاحيتي الإيقاف وإصدار البطاقات القضائية.

و مكن المشرع حاكم التحقيق في صورة التلبس من صلاحيات إضافية، ولكن ما يلاحظ هنا أن هذه السلطات الاستثنائية يختلف تطبيقها باختلاف طبيعة الفعل المجرم إن كان جنحة أو جناية. ففي صورة الجنحة المتلبس بها تقتصر صلاحيات قاضي التحقيق على معاينة الجريمة وتحرير تقرير في الموضوع بوصفه عونا من أعوان الضابطة العدلية حسب ما أكده الفصل 14 من م.ا.ج الذي ينص على” حاكم التحقيق بوصفه مأمورا للضابطة العدلية أن يعاين كل جريمة ارتكبت بمحضره حال مباشرته لوظيفته أو اكتشفت أثناء عملية بحث قانوني. 

لكن فيما عدا صورة الجناية المتلبس بها، ليس له أن يتعهد بالنازلة ولا يمكنه تحقيق أي فعل بدون قرار في ذلك من ممثل النيابة العمومية”.

تحافظ في هذه الصورة أي صورة الجنحة المتلبس بها، النيابة العمومية على سلطاتها كسلطة تتبع وتتمتع بمهمة تقرير مال المحاضر المحررة من طرف حاكم التحقيق مما يبقي على مبدأ التفرقة بين سلطتي التتبع والتحقيق، وفي المقابل تتسع سلطات حاكم التحقيق في صورة الجنايات المتلبس بها لتشمل سلطتي التتبع والتحقيق معا عملا بمقتضيات الفصل 35 من م.ا.ج.

 كما نزّل مأموري الضابطة العدلية من قضاة نواحي وشرطة وحرس منزلة المساعدين لوكيل الجمهورية وأقر لهم في الجنايات والجنح المتلبس بها نفس السلط والصلاحيات  الموكولة له مؤهلا إياهم استثنائيا للقيام بأعمال التحقيق دون التوقف لإجرائه على إذن كتابي ( ينص الفصل 11 من م.إ. على “ مأمورو الضابطة العدلية المشار إليهم بالأعداد 2 و3 و4 من الفصل 10 هم مساعدون لوكيل الجمهورية، ولهم في الجنايات والجنح المتلبس بها ما له من السلط وعليهم أن يعلموه حالا بما قاموا به من الأعمال، وليس لهم فيما عدا ذلك إجراء أي عمل من أعمال التحقيق ما لم يكونوا مأذونين بإجرائه بإذن كتابي ).

هذا وقد اقترن توسيع سلطات مأموري الضابطة العدلية بالجمع بين صلاحياتهم المألوفة وصلاحيات سلطات التحقيق بتبسيط الإجراءات الاعتيادية المعمول بها التي لا تفترض بمناسبة البحث في الجريمة المتلبس بها التقيد بالشكليات التي أحاط بها المشرع أعمال التحقيق.

وخول المشرع في هذا الإطار لمأموري الضابطة العدلية القيام بنفس الأعمال الموكولة لهم خلال البحث الأولي من تلقي تصريحات المتضرر والإعلامات الاختيارية أو الوجوبية الصادرة عن الغير وسماع الشهود واستنطاق ذي الشبهة والاحتفاظ به عند الاقتضاء والتوجه على العين لجمع الأدلة المادية للجريمة والتفتيش والحجز إلا أنه لم يتوقف عند تلك الأعمال بل تجاوزها لغيرها كما أقر لهم صلاحيات أوسع مقارنة بالأعمال المألوفة التي خول لهم القيام بها بمناسبة أعمال البحث الأولي.

– تلقي تصريحات المتضرر والإعلامات الاختيارية أو الوجوبية: يخضع تلقي تصريحات المتضرر والإعلامات الاختيارية أو الوجوبية خلال البحث في الجريمة المتلبس بها إلى نفس الاجراءات في نطاق البحث الأولي.

– تلقـي تصريحـات الشهـود : يمكن لأعوان الضابطة العدلية سماع كل من يرون فائدة في شهادته بقطع النظر عن القوادح القانونية القائمة في مواجهته ودون لزوم لأداء اليمين ولا لسبق استدعاء. غير أنه خلافا لأعمال البحث الأولي فإنه يجب على كل شخص دعي إلى الإدلاء بشهادته أن يحضر لدى مأموري الضابطة العدلية ويدلي بأقواله في الموضوع الذي طلب منه أداء الشهادة فيه وإلا أرغم على الحضور باستعمال القوة العامة عند الاقتضاء.

 – إستنطاق ذي الشبهة : خوّل المشرع لمأموري الضابطة العدلية بمناسبة توجههم على العين في حالة التلبس بالجريمة استنطاق ذي الشبهة حالا وإجراء المكافحات الضرورية التي تقتضيها أعمال البحث دون التوقف على أي إجراء (الفصل 69 من م.إ.ج في فقرته الخامسة).

كما أخضع استنطاق ذي الشبهة إلى نفس النظام ولو في غير حالة التلبس إذا كان هناك تأكد ناتج عن حالة شاهد في خطر الموت أو عن وجود أثار على وشك الزوال.

وخلافا لأعمال البحث الأولي فإنه يجب على ذي الشبهة الذي دعي للحضور من قبل مأمـوري الضابطة العدلية أن يحضر ويدلي بجوابه بشأن الأفعال المنسوبة إليه وإلا أرغم على الحضور باستعمال القوة العامة عند الاقتضاء.

– التوجه على العين لجمع أدلة الجريمة :  خول المشرع لمأموري الضابطة العدلية إجراء المعاينات الضرورية التي تقتضيها أعمال البحث بمحل الواقعة والتوجه إلى مكان اقتراف الجريمة أو إلى مقر المظنون فيه أو إلى غيره من الأماكن التي يظن وجود أشياء فيها مفيدة لكشف الحقيقة (الفصول 56 – 53- 93 من م ا ج ).

ولمأموري الضابطة العدلية في هذا الإطار كما هو الشأن بالنسبة لأعمال البحث الأولي الدخول إلى جميع المحلات العمومية وغيرها من المحلات الخاصة غير المعدة للسكنى دون التوقف على موافقة أصحابها.

كما يمكن لهم الدخول إلى محلات السكنى والقيام بأعمال التفتيش وحجز الأشياء الصالحة لكشف الحقيقة دون التوقف على موافقة أصحابها (الفصل 94 من م.إ.ج). وأوجب المشرع على مأموري الضابطة العدلية في هذه الصورة التقيد بالإجراءات المسطرة قانونا لأعمال التفتيش (الفصل 95  اولا من م.إ.ج) بما في ذلك مقتضيات الفصل 96 من م.إ.ج التي توجب على مأمور الضابطـة العدلية أن يصطحب عند مباشرة التفتيش بمحلات السكنى امرأة أمينة إذا كان ذلك لازما حفاظا على الآداب العامة.

وفي صورة عدم تيسر حضور ذي الشبهة أو عدم قيام فائدة من حضوره لأعمال التفتيش يجب إحضار شاهدين من سكان المحل. وإذا لم يتسن ذلك يتولى مأمور الضابطة العدلية اختيارهما من ضمن الأجوار على أن يضمن إمضاءهما بتقرير التفتيش.

إلا أن المشرع لم يفرض خلال هذا الطور على مأموري الضابطة العدلية كما هو الشأن بالنسبة لأعمال البحث الأولي احترام أي توقيت لإجراء أعمال التفتيش بمحلات السكنى وتوابعها (الفصل 95 من م ا ج ).

وأوجب على مأموري الضابطة العدلية البحث عن الأوراق والأشياء التي من شأنها الإعانة على كشف الحقيقة وحجزها (الفصل 97 من م ا ج ). ولم يعلق في هذا الإطار قيامهم بأعمال التفتيش على شرط وجود خطر يقتضي تدخلهم خلافا لطور البحث الأولي (الفصل 97 في فقرته الثالثة م ا ج).

وأحاط المشرع أعمال التفتيش ببعض الضمانات بالنسبة لبعض الجرائم كجرائم المخدرات إذ حال دون تمكين مأموري الضابطة العدلية من دخول محلات السكنى ومباشرة أعمال التفتيش بها ولو في حالة التلبس بالجريمة ما لم يسبق الترخيص لهم بذلك كتابيا من وكيل الجمهورية أو قاضي التحقيق حسب الأحوال.

غير ان بعض القوانين الخاصة نصت على إجراءات خاصة، الا ان حالة التلبس تخول القيام بإجراءات التفتيش و الحجز.

فقد نص الفصل 39  من القانون الأساسي عدد 9 لسنة 2018 المؤرخ في 30 جانفي 2018 المتعلق بتنظيم مهنة العدول المنفذين “يتمتع مكتب العدل المنفذ بالحماية القانونية فلا يجوز تفتيشه أو حجز محتوياته إلاّ بموجب إذن قضائي بعد إعلام رئيس الفرع الراجع له بالنظر أو من ينوبه ودعوته للحضور، وكل إجراء مخالف لذلك يعد باطلا إلاّ في حالة التلبس”.

ولا يجوز تفتيش مكتب المحامي إلا في حالة التلبس وبعد إعلام رئيس الفرع الجهوي المختص.
كما نص الفصل 46  من المرسوم عدد 79  لسنة 2011  المؤرخ في  20 اوت 2011 المتعلق بتنظيم  مهنة المحاماة ” ولا يجوز تفتيش مكتب المحامي إلا في حالة التلبس وبعد إعلام رئيس الفرع الجهوي المختص.

ولا تباشر أعمال التفتيش إلا بحضور المحامي وقاضي التحقيق ورئيس الفرع أو من ينيبه للغرض. ولا يشترط حضور المحامي إذا كان بحالة فرار.
وتسري هذه الأحكام على مكاتب الهيئة الوطنية للمحامين وفروعها”.
و قد ذهبت محكمة التعقيب إلى اعتبار ان التلبس يوسع للضابطة العدلية من صلاحياتها، و من ذلك نذكر القرار الجزائي عدد 945 مؤرخ في 6- 4- 1977″ تعتبر عملية الحجز     و التفتيش الواقعتين من رئيس مركز الامن الوطني و اعوانه صحيحة قانونا اذ انهم من اعوان الضابطة العدلية المخول لهم في الجنايات و الجنح المتلبس بها ما لوكيل الجمهورية   و حاكم التحقيق من السلط طبق الفصلين 10 و 11 م ن ج “.

و كذلك القرار الجزائي عدد 1685 مؤرخ في 11-5-2006″ ان ماموري الضابطة العدلية المشار اليهم بالاعداد 2 و 3 و 4 من الفصل 10 من م ا ج هم مساعدون لوكيل الجمهورية  و لهم في الجنايات         و الجنح المتلبس بها ما له من السلط من بينها اجراء التفتيش”.

 – الاحتفــاظ بذي الشبهــة: يخضع الاحتفاظ بذي الشبهة في إطار الجريمة المتلبس بها إلى  نفس قواعد العمل في نطاق البحث الأولي.

غير أن بعض القوانين الخاصة نصت على إجراءات خاصة بخصوص تتبع بعض الأشخاص.  لكن يمكن في حالة التلبس الاحتفاظ بهم.

فلقد نص الفصل 22 من القانون عدد 29  لسنة 1967 المؤرخ في 14 جويلية 1967 المتعلّق بنظام القضاء والمجلس الأعلى للقضاء والقانون الأساسي للقضاة ” لا يمكن بدون إذن من المجلس الأعلى للقضاء تتبّع أي قاض من أجل جناية أو جنحة أو سجنه لكن في صورة التلبّس بالجريمة يجوز إلقاء القبض عليه فيعلم عندئذ المجلس الأعلى للقضاء فورا”.

و ينص الفصل 69 من الدستور الصادر في 27 جانفي 2014 إذا اعتصم النائب بالحصانة الجزائية كتابة، فإنه لا يمكن تتبعه أو إيقافه طيلة مدة نيابته في تهمة جزائية ما لم ترفع عنه الحصانة.

أما في حالة التلبس بالجريمة فإنه يمكن إيقافه، ويُعلم رئيس المجلس حالا على أن ينتهي الإيقاف إذا طلب مكتب المجلس ذلك”.

و ينص  الفصل 46  من المرسوم عدد 79  لسنة 2011  المؤرخ في  20 اوت 2011 المتعلق بتنظيم  مهنة المحاماة”  وفي حالة التلبس يقوم مأمورو الضابطة العدلية بكل الإجراءات ما عدا سماع المحامي”.

–  إيقــاف ذي الشبهــة : الإيقاف هو الإجراء الذي خول المشرع بمقتضاه لقاضي التحقيق ولبعض مأموري الضابطة العدلية إلقاء القبض على ذي الشبهة والإبقاء عليه بين أيديهم لمدة قصيرة تكفل إحالته إما على النيابة العمومية أو على المحكمة المختصة حسب الأحوال.

وخول المشرع لوكيل الجمهورية ولمأموري الضابطة العدلية من شرطة وحرس في الجنايات والجنح المتلبس بها إلقاء القبض على ذي الشبهة بمجرد إذن شفاهي .

 كما أهل قضاة النواحي من باب التأويل بالأحرى بصفتهم مأموري ضابطة عدلية لإلقاء القبض على ذي الشبهة بشرط تقديمه فورا إلى أقرب محكمة (الفصل 12 من م ا ج ).   وأجاز لمشائخ التراب إلقاء القبض على كل من أدركوه حال تلبسه بجنحة أو بجناية على أن يباشروا إحضاره أمام المحكمة أو أمام أحد مأموري الضابطة العدلية من شرطة وحرس وحكام النواحي (الفصل 15 من م.إ.ج الذي ينص على” مشائخ التراب مكلفون في حدود مناطقهم الترابية بمعاينة الجنح والمخالفات المتعلقة بالأملاك الريفية. كما يتولون تحرير التقارير في الظروف التي وقعت فيها الجريمة وجمع أدلتها ويتتبعون الأشياء المختلسة في الأماكن التي نقلت إليها ويحجزونها. غير أنه لا يسوغ لهم الدخول لمحلات السكنى وتوابعها ما لم يكونوا مصحوبين بأحد مأموري الضابطة العدلية المعينين بالإعداد 2 و3 و4 من الفصل 10 وبدون أن يتجاوزوا حدود ما لهؤلاء المأمورين من السلط فيما يخص تفتيش المساكن والتقرير الذي يحرر في ذلك يمضيه من حضر من المأمورين المذكورين.  ويقبضون على كل من أدركوه حال تلبسه بجنحة أو جناية ويحضرونه أمام المحكمة أو أمام أحد المأمورين المبينين أعلاه).

–  الاخـتـبـــــارات: خول المشرع لمأموري الضابطة العدلية في إطار البحث في الجريمة المتلبس بها الاستئناس برأي خبير أو عدة خبراء في مسائل فنية قد تتجاوز حدود اختصاصهم. ويمكن لهم بمناسبة التوجه على مسرح الجريمة الاستعانة بكل من يرون فائدة في حضوره إلى جانب أعوان الشرطة الفنية والعلمية الذين يلعبون دورا هاما في جمع الأدلة المادية التي يخلفها الجاني بمسرح الجريمة من بصمات وغيرها من الآثار التي يمكن توظيفها قصد التعرف عليه. ويتنوع اختصاص هؤلاء الخبراء حسب طبيعة الجريمة المقترفة من أطباء وخبراء في الخطوط والأسلحة وغيرها من أوجه الاختصاص التي يلتجأ إليها أعوان الضابطة العدلية للكشف عن الجاني ومكافحة جميع مظاهر الجريمة التي اتخذت أشكالا وأبعادا مختلفة تجاوزت في بعض الأحيان حدود البلدان المعنية بها لتتخذ شكلا منظما على مستوى كوني مما جعلها تحظى باهتمام السلط العمومية لسائر المجتمعات الدولية التي تعمل على وضع أنظمة تكفل مكافحة الجريمة بالنجاعة الكافية مع التقيد بالشرعية على ضوء قانون الإجراءات الجزائية دون التغافل عن احترام حقوق الإنسان الذي وضع الدستور بجانبه قرينة البراءة إلى أن تثبت إدانته في محاكمة تكفل له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عن نفسه. ويعتبر الطور الاستقرائي أهم مراحل الخصومة الجزائية التي يلعب بمناسبتها مأمورو الضابطة العدلية دورا هاما في تهيئة القضايا للفصل وجمع الأدلة التي يمكن للمحاكم تأسيس قضائها عليها مما يستدعي وضع قواعد وإرساء تقاليد بحث يكون لها التصاق وثيق بقانون الإجراءات الجزائية يكفل احترام حقوق الإنسان ويضمن تفادي الأخطاء القضائية ويعزز مكانة هذه المؤسسة العاملة في إطار الحياد على البحث عن الحقيقة وإقامة العدالة الجزائية.

الفقرة الثانية: التلبس أساس لاتخاذ إجراءات مقيدة للحرية :

إذا ما تحققت حالة التلبس و ثبت تأكدها يمكن لحاكم التحقيق أن يصدر قرارا بالإيقاف التحفظي. كما يمكن لوكيل الجمهورية أن يصدر قرارا بالاحتفاظ.

– فيما يتعلق بالإيقاف التحفظي: عرف المشرع التونسي الإيقاف التحفظي بالفصل 84 من مجلة الإجراءات الجزائية الذي جاء به أن الإيقاف التحفظي هو وسيلة استثنائية يجب عند اتخاذها مراعاة القواعد الوارد ذكرها بالفصل 85 من المجلة المذكورة وهي: – أن يقع إيقاف المظنون فيه تحفظيا في الجنايات والجنح المتلبس بها…

وحدد المشرّع فترة الإيقاف التحفظي بستة أشهر لكنه أجاز لقاضي التحقيق إذا اقتضت مصلحة البحث إبقاء المضنون فيه بحالة إيقاف تمديد فترة الإيقاف بمقتضى قرار معّلل بالنسبة للجنحة مرة واحدة لا تزيد مدّتها على ثلاثة أشهر وبالنسبة إلى الجناية مرتين لا تزيد مدة كل واحدة على أربعة أشهر علما وأن القرار القاضي بالتمديد في فترة الإيقاف التحفظي قابل للاستئناف.

وتجدر الإشارة إلى أنّ الفصل 85 من مجلة الإجراءات الجزائية اقتضى بفقرته الأخيرة بأنه يتحّتم الإفراج بضمان أو بدونه بعد الاستنطاق بخمسة أيام لفائدة المضنون فيه الذي له مقر معين بالتراب التونسي ولم يسبق الحكم عليه بأكثر من ستة أشهر سجنا إذا كان أقصى العقاب المقرر قانونا لا يتجاوز عامين سجنا فيما عدى الجرائم المنصوص عليها بالفصول 68 و 70 و 217 من المجلة الجزائية.

ولا يمكن أن يترتب عن قرار دائرة الاتهام بإحالة الملف إلى قاضي التحقيق لمواصلة بعض الأعمال التي تقتضيها تهيئة القضية للفصل تجاوز المدة القصوى للإيقاف التحفظي للمتهم، التي يتحّتم في هذه الحالة، على قاضي التحقيق أو دائرة الاتهام، حسب الأحوال، الإذن بالإفراج عنه مؤقتا دون أن يمنع ذلك من أخذ التدابير لازمة بضمان حضوره.

إلا أن هذا الفصل لم يبين بصفة صريحة ما إذا كانت آجال الإيقاف التحفظي تشمل أيضا مرحلة التحقيق التي تلي قرار إرجاع القضية لقاضي التحقيق من قبل دائرة الاتهام لاستكمال الأبحاث فيها وهي الصورة التي يصبح فيها قاضي التحقيق غير متعهد بالقضية أصالة وإنما بصفته مكلفا بتنفيذ ما جاء بقرار دائرة الاتهام.

إن هذا الإجراء بوصفه يسلط قيدا على الحرية، يطرح انتقادات و إشكالات عدة خصوصا من حيث طاول المدة المقررة به، فالفترة المقررة بالفصل 85م.ا.ج فترة طويلة نسبيا وجب مراجعتها من قبل المشرع. كذلك حفاظا على قرينة البراءة وجب احترام الموقوف و معاملته كشخص بريء في طور التحقيق إلى أن تثبت إدانته فعليا.

– و في ما يتعلق بالاحتفاظ يمكن لوكيل الجمهورية عند توجهه على عين المكان إلقاء القبض بمجرد إذن شفاهي على ذي الشبهة الذي كان حاضرا ثم يمكنه إن يصدر بطاقة إيداع بالسجن في شأنه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق