الأخبارمقالات

التعويض للموقوفين والمحكوم عليهم الذين ثبتت براءتهم

إعلانات إعلانات إعلانات إعلانات إعلانات

بقلم: الدكتور جابر غنيمي
المساعد الأول لوكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بسيدي بوزيد
مدرس جامعي

نظرا للقيمة الثّابتة للحريّة كأحد الحقوق الجوهريّة فقد تمّ إصدار قانون يتعلّق بالتعويض للموقوفين والمحكوم عليهم الذين ثبتت براءتهم وقد تمّ تبويبه في م.إ.ج بما يدلّ على الطّابع الإجرائي لهذا القانون الذي يعتبر مكسبا هامّا للمنظومة القانونيّة التي تسعى بالدّرجة الأولى إلى حماية حقوق الأفراد وحريّاتهم.
وما يجعل هذا القانون أحد مميّزات التشريع التّونسي هو انفراده على خلاف بعض التشريعات العربية بالتعويض للموقوفين والمحكوم عليهم الذين ثبتت براءتهم، إذ أنّها لم تقرّ التعويض إلاّ بالنسبة لمن ثبتت براءتهم بمقتضى إعادة النّظر، ويكرّس بالتالي توجهات بعض التشريعات المتطوّرة التي تولي مسألة الحريات وحقوق الأفراد أهميّة بالغة وذلك لمزيد دعم حقوق الإنسان في ظل أنظمة سياسيّة تكرّس فكرة دولة القانون والمؤسّسات.
وإذا كان كلّ تساؤل حول حقوق الإنسان هو بالضرورة تساؤل حول المستوى الحضاري الذي بلغته الإنسانيّة فإنّ السّياسة التشريعيّة الحديثة في تونس تواكب مثيلاتها في القانون المقارن طالما أنّها تحرص على تحقيق معادلة بين حقوق الإنسان ومعالجة مظاهر الانحراف من خلال نظرة شموليّة وعامّة للظّاهرة الإجراميّة.
وتأسيسا على ذلك تبدو حقوق الإنسان اليوم كقيمة حضاريّة أساسيّة تتجاوز الحدود الوطنيّة والإقليميّة، تتمحور حولها مجموع القيم الإنسانيّة الأخرى. كما أنّ شعار الخصوصيّة في بعض الدّول لم يعد قيدا على التطبيق العالمي للمعايير الدّوليّة لحقوق الإنسان، وقد صادقت تونس منذ 29 ديسمبر 1968 على العهد الدّولي الخاص بالحقوق المدنيّة والسّياسيّة الصّادر عن الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة في 1 ديسمبر 1966 والذي أقرّ جملة من المعايير التي يجب أن تتوفّر في المحاكمة العادلة من ذلك أنّه : “من حق كلّ متّهم بارتكاب جريمة أن يعتبر بريئا إلى أن يثبت عليه الجرم قانونا“. كما وقع إقرار مبدأ التعويض للمتهم إذا ثبتت حصول خطأ قضائي أدّى إلى إدانته بدون موجب. كما نصت المادة الخامسة من الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان، على حق من أوقف احتياطيا خلافا للقانون بأن يعوّض له.
وبناء على ما ذكر نستشف أنّ قانون عـدد 94 لسنة 2002 المؤرخ في 29 أكتوبر 2002 المتعلق بالتعويض للموقوفين والمحكوم عليهم الذي ثبتت براءتهم جاء نتيجة لعدّة تطوّرات، اجتماعية وسياسية وقانونية، تتّحد كلّها حول هدف واحد ألا وهو الإنسان سعيا لحماية حقوقه وصون كرامته باعتبار أنّ الكرامة البشرية هي جوهر حقوق الإنسان.
وما يجعل قانون 2002 مكسبا هامّا وميزة جديدة للتّشريع التّونسي هو تقويضه لمبدأ قانوني هام بقي العديد من القرون متأصلا ويتمثّل في عدم مساءلة الدّولة عن نشاط مرفق القضاء العدلي وبذلك وقع تكريس مبدأ مسؤولية الدّولة عن الأخطاء القضائيّة، خاصة وأنّه ما من شكّ في أنّ القاضي الذي يطبّق القانون هو بشر، والبشر غير محفوظ وغير معصوم من الانزلاق في الخطأ. وعلى رأي أحد الفقهاء فإنّه : “لا علم القاضي ولا إدراكه بقادرين على جعله بمنأى عن الخطأ“، فالقاضي في النهاية إنسان وما وجد الإنسان إلا للخطأ والنسيان.
إضافة لذلك فإنّ القضاة قد يختلفون في درجات الفهم والتكوين والخبرة والتجربة والعلم أيضا، ولهذا كان اختلافهم أمر محتوم، ممّا قد يؤثّر على الشعور بالطمأنينة لدى المتقاضين، فالقانون يجب أن يكون له لون واحد بالنسبة لجميع المواطنين.
وعموما فإنّ إقرار التعويض للمتضرّر من الإيقاف التحفّظي أو السجن يعدّ ضمانة لحقوق الإنسان خاصّة وأنّ إجراء الإيقاف التحفّظي أو تنفيذ عقوبة السّجن لهما مساس بالدّرجة الأولى بحريّة الإنسان.
على أنّ فهم واستيعاب أبعاد قانون 2002 وتحديد مبناه يقتضي ضرورة الوقوف أمام تعريف التعويض تمّ التعرّض إلى التطوّر التّاريخي لفكرة التعويض من خلال القانون الفرنسي سواء على مستوى تطوّر النصوص القانونية أو على مستوى تطوّر فقه القضاء واستبعاد التعرّض لفكرة التعويض في القانون التّونسي مردّه حداثة هذا القانون وندرة الكتابات الفقهيّة.
والتعويض في اللغة من العوض و”العوض البدل والجمع أعواض عاضه منه وبه. والعوض مصدر قولك عاضه عوضا وعياضا ومعوضة وأعاضه، عن ابن جنّي. وعاوضه والاسم المعوضة وفي الحديث أبي هريرة : فلمّا أحلّ الله ذلك للمسلمين يعني الجزية، عرفوا أنّهم قد عاضهم أفضل ممّا خافوا. تقول عضت فلان وأعضته وعوضته إذا أعطيته بدل ما ذهب منه“ .
ولا يخرج اصطلاحا عن هذا المعنى إذ أنّه : “ما يلزم أداؤه من قبل المسؤول عن الضرر للمتضرّر بغرض إعادته كلما كان ذلك ممكنا، إلى الوضع الذي كان عليه قبل إصابته بالضرر“.
فالتعويض إذا هو الحق في جبر الضرر الحاصل من فعل الغير سواء كان هذا الفعل شخصيّا أو ناتجا عن الأشياء والحيوانات التي في حفظ الإنسان أو عن من هم تحت رقابته، كما قد يكون حصوله نتيجة الإخلال بالتزام عقدي أو سوء تنفيذه.
ورجوعا للشريعة الإسلامية نلاحظ أنّها لم تتعرّض إلى فكرة التعويض لوجود خطأ في جانب القاضي، وتعتبر الأحكام التي يصدرها هذا الأخير عنوانا للحقيقة بحيث لا يتمّ الرّجوع عنها، فما حكم به القاضي في مسائل الاجتهاد هو حكم الله تعالى ويجب على الجميع إتباعه، والرّأي المستقر في الفقه الإسلامي أنّ قضاء القاضي لا يبطل، فإذا قضى القاضي قضاء ثمّ ظهر له خطؤه فلا يجوز له أن يبطل قضاءه الأوّل.
وبناء على ذلك إذا قضى قاضي في دعوة معيّنة باجتهاده قضاء معيّنا، ثمّ رفعت إليه دعوى أخرى مماثلة فقضى فيها آخر باجتهاده أيضا، فإنّه يمنع عليه التعرّض لقضاء الأوّل، كما أنّه يمنع على أي قاض إبطال هذا القرار بعد صدوره صحيحا، فالخليفة أو بكر الصديق كان يصدر بعض الأحكام بناءا على اجتهاده وكان عمر بن الخطّاب يحضر جلسات الحكم ومع أنّ رأيه كان غير رأي أبي بكر في بعض الأحكام فإنّه لم يبطل شيئا منها بعدما عهد إليه منصب الخلافة.
والعلّة في عدم جواز مناقشة الأحكام في الشريعة الإسلاميّة هو أنّ إبطالها يؤدّي إلى عدم استقرارها واضطرابها وعدم الوثوق فيها وهو خلاف للمصلحة التي نصب القاضي لها.
كلّ هذه المعطيات تجعل إمكانيّة إثبات البراءة بعد صدور الحكم أمرا صعبا، رغم إقرار بعض الفقهاء إمكانيّة إعادة المحاكمة حيث توجد استثناءات لمناقشة الأحكام في الحالات التي تصدر فيها خلافا للنّص أو الإجماع أو القياس وهي في واقع الأمر وجوه للطعن في الأحكام تقابل وجوه الطعن المعترف بها في القوانين الحديثة. حيث أنّ هذه الأحكام قابلة لإعادة النّظر في حال رجوع الشاهد عن شهادته في الحدود والقصاص على اعتبار أنّ الحدود تدرأ بالشبهات فرغم إمكانية إعادة الحكم فإنّ الفقه الإسلامي لم يتعرّض إلى مسألة تعويض المحكوم عليه جزائيا وإن تمّ الرجوع في الحكم الصادر بالعقاب.
وإذا كان الفقه لم يتعرّض إلى المسألة فإنّ فهم معاني قانون 2002 تستدعي الاستئناس بالتجربة الفرنسية والتي كانت سبّاقة في هذا المجال، إذ أنّ القانون عدد 70-643 المؤرّخ في 17 جويلية 1970 المتعلق بالتعويض للموقوفين الذين تثبت براءتهم قد جاء نتيجة تطوّر تشريعي وفقه قضائي طويل امتدّ على فترة زمنية معتبرة.
فلقد اهتمّت النظم في فرنسا بمصير الأشخاص ضحايا الأخطاء القضائيّة نظرا لارتفاع عـدد الأشخاص الذين لحقهم ضرر جرّاء نشاط المرافق العامة، وكان ذلك منذ عهد لويس السابع عشر الذي تدخّل في القضيّة التاريخية المشهورة ليمنح ورثة شخص يسمّى كالاس منحة من حسابه الخاص لم يكن مبناها مسؤولية الدولة في تحمّل الأخطار النّاجمة عن عمل مرافقها العامة، بل إنّ هذه المنحة كانت مجرّد مساعدة ناتجة عن شعور إنساني وليست تعويضا يخضع لنظام قانوني ثابت ومتكامل المعالم.
ويعود أساسا عدم اهتمام المشرّع الفرنسي بهذه المسألة إلى المبدأ القانوني الذي كان سائدا في ظلّ الدّولة الحارسة، والذي بمقتضاه، تكون غير مسؤولة عن الأضرار النّاتجة عن نشاط مرافقها العمومية اعتبارا لمحدودية مجالات تدخّلها ولكن طرح فيما بعد إشكال يتعلّق بالتعويض للأشخاص الذين لحقهم ضرر جرّاء نشاط المرافق العامّة وذلك نتيجة تعدّد الميادين التي تدخل فيها الدولة سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية، بما يجعل تسبّب هذه المرافق في أضرار للغير أمرا واردا وهو ما يدعم فكرة تعويضهم المحمول على المجموعة التي كان نشاط المرفق العمومي، المتسبب في الضرر، مرصودا لخدمة مصالحها.
كلّ هذه التطوّرات جعلت فقه القضاء يزداد اهتماما بهذه المسألة ويعود السبق إلى محكمة التنازع التي أقرّت مبدأ مسؤوليّة الدولة عن الأضرار الناجمة عن نشاط مرافقها العمومية وإقرار الخطأ الممكن في جانبها وذلك في قرار “Blanco” الشهير الصادر في 08 فيفري 1873 حيث أقرّت هذه المحكمة مسؤوليّة تتحملها الدّولة نتيجة الأضرار المتسبّبة فيها للخواص بفعل مستخدميها أو أعوانها.
ورغم ذلك فإنّ مجلس الدولة الفرنسي رفض النظر في تعويض ضرر من أوقف تحفّظيا أو نفذت عليه عقوبة السجن بناءا على مبدأ الفصل بين الهيآت، والذي بمقتضاه يمتنع القضاء الإداري عن التدخّل في تقدير مدى وجاهة الأحكام والقرارات الصادرة عن مرفق القضاء العدلي اعتبارا إلى أنّ القضاء ليس إدارة بل سلطة.
وفي المقابل فإنّ مرفق القضاء العدلي امتنع كذلك عن النّظر في مثل هذه التعويضات اعتبارا إلى أنّه ليس هناك نص قانوني صريح يجيز مثل هذا التدخّل.
هذا التطوّر فقه القضائي جعل المشرّع الفرنسي يولي المسألة اهتماما ويتدخّل ليقرّ تعويضا للذين تمّت محاكمتهم أو نفّذت عليهم عقوبة السجن وثبت فيما بعد براءتهم وذلك بمقتضى قانون 8 جوان 1958 الذي أرسى إعادة النّظر في الأحكام في مادتي الجنح والمخالفات.
لكن وقبل صدور قانون 1958 صدر قانون 8 أفريل 1910 الذي تمّ بمقتضاه المصادقة على قانون الماليّة، حيث أقرّ مساعدة الأشخاص الذين تمّ الإفراج عنهم وثبتت براءتهم لدى حاكم التحقيق أو الأشخاص الذين حكم لفائدتهم بعدم سماع الدّعوى.
غير أنّ هذا القانون لم يكرّس إلاّ “إحسانا” تتصدّق به الدّولة من خزينتها وفق شروط مجحفة، يصعب بل يستحيل توفرها اعتبارا لاشتراط جسامة الضرر وهو ما جعل هذا القانون حبرا على ورق.
وبدخول القانون الفرنسي المؤرّخ في 17 جويلية 1970 حيز التنفيذ، فقد أقرّ إمكانيّة التعويض للموقوفين الذين ثبتت براءتهم إذا ما توفّرت شروط معيّنة من ذلك شرطي، الضرر غير الطّبيعي بشكل جلّي وعلى درجة خاصّة من الجسامة وضرورة إثبات الضّرر.
واعتبارا لصعوبة تحقّق هذه الشّروط كأساس لاستحقاق التعويض فإنّ المشرّع الفرنسي، تدخل بمقتضى تنقيحات متتالية وأقصى تلك الشّروط بما يجعل التعويض للموقوفين والمحكوم عليهم الذين ثبتت براءتهم حقّا مطلقا لا يخضع لأي شرط.
ولعلّ ما أثار الجدل هو الأساس القانوني للتعويض وحسب التبريرات الواردة بمشروع قانون 1970 فإنّ هذا الأساس ينحدر من مبدأ عرف التطبيقات في مادّة مسؤوليّة السلطة العامّة، إذ أنّ المجموعة يجب أن تتحمّل، في بعض الحالات وحتى في صورة غياب خطأ في جانب موظفيها أو أعوانها، آثار الخطر الناتج عن نشاط المرافق العامّة، كلّ هذا لغاية استبعاد المسّ بمبدأ المساواة بين المواطنين حيال تحمّل الأعباء العامّة.
فكلّ الأشخاص يعتبرون مساهمين بشكل متساو في تحمّل الأعباء العامّة والمواطن الذي يتحمّل أعباء إضافيّة يعتبر في وضعيّة غير عادلة ويجب تبعا لذلك منحه تعويضا.
وقد تمّ تكريس هذا المبدأ كأساس للتعويض للموقوفين الذين ثبتت براءتهم من قبل العديد من الفقهاء الفرنسيين.
وقد انتقد بعض الفقهاء هذا التأسيس اعتبارا إلى أنّ فقه القضاء الإداري هو الذي أسّس نظرية مساواة المواطنين أمام تحمّل الأعباء العامة وسبب وجود هذه النظرية هو منح الشخص الذي لحقه ضرر جرّاء نشاط الهيآت العمومية دون اشتراط وجود خطأ في جانب هذه الأخيرة، ولكن بالنسبة للذي تمّ إيقافه تحفظيا وثبتت براءته، كيف يمكن الإقرار، أنّه بتطبيق مبدأ المساواة، يجب أن يتمّ تعويضه وقد تمّ اتّخاذ قرار غير عادل في شأنه يتمثّل في إصدار بطاقة إيداع من قبل قاضي التحقيق، فنظام التعويض يصبح إذا مؤسّسا على مفهوم الخطر الاجتماعي الذي لحق الشّخص ويتحمّل نتيجته المرفق القضائي العدلي.
وما يعاب على هذا الرأي أنّه يفترض وجود خطأ في جانب حاكم التحقيق عند إصدار بطاقة إيداع ضدّ متّهم والحال أنّ إصدار بطاقة الإيداع جاء نتيجة ظروف واقعيّة وقانونيّة تضافرت لتجعل اتّخاذ مثل هذا الإجراء أمرا لا مفرّ منه، إضافة إلى أنّ القانون الفرنسي المتعلّق بالتعويض للموقوفين الذين ثبتت براءتهم الصّادر في 17 جويلية 1970 لم يشر إلى اقتران التعويض بضرورة وجود خطأ في جانب قاضي التحقيق.
نّ هذه المراحل والتطوّرات التشريعيّة والفقه قضائيّة التي مرّ بها القانون الفرنسي في مادّة التعويض هي التي اعتمدها المشرّع التونسي كركيزة أساسية لسنّ قانون عـدد 94 والأخذ بإيجابياته.
ولقد كان لصدور قانون 29 أكتوبر 2002 الصدى الطيّب لدى جميع الأوساط، فكان خطوة جريئة ورائدة في إطار تدعيم المنظومة والنّظرة الشّموليّة لحقوق الإنسان، وهذا القانون ولئن كان شبيه بالقانون الفرنسي من حيث الأهداف إلاّ أنّه يختلف عنه من حيث الموضوع والإجراءات التي ضبطها لتدعيم قرينة البراءة وصونها من تعسّف السّلطة العامّة.
على أنّ صدور قانون 2002 لم يكن لوحده قادرا على صون تلك القرينة إذ أنّ كلّ قاعدة قانونيّة من خصائصها الإلزام والعموميّة إضافة إلى أنّها تنشأ بطبيعتها مجرّدة وتحتاج لتفعيلها وتطبيقها تدخّل القاضي بوصفه الضامن للحريات الفردية والمؤهّل لتطبيق القاعدة القانونية التطبيق السليم ولو أدّى ذلك إلى المساس بالذّمة الماليّة للدّولة.
ولمّا كان القاضي الإداري في أنظار العامّة من النّاس هو قاضي الإدارة بالرّغم من جرأة الاجتهاد الذي يبذله لحماية الأفراد وصون حقوقهم وجرأة القرارات التي يصدرها في مواجهة الإدارة لرفع المظالم عن منظوريها، فإنّ المشرّع قد خرج عن المألوف ولم يسند اختصاص النّظر في مطالب التعويض للموقوفين والمحكوم عليهم الذين ثبتت براءتهم للقضاء الإداري بل أوكل ذلك لولاية القضاء العدلي رغم وجود الدّولة كطرف في الخصومة.
وعموما يمكن القول أنّ القانون عـدد 94 لسنة 2002، قد جاء ردّا عن العديد من التّساؤلات التي طالما كانت قائمة والمتعلّقة بمن تمّ إيقافهم تحفّظيّا ثمّ ثبتت براءتهم أو الذين تمّت محاكمتهم ونفّذت عليهم عقوبة السّجن وثبتت براءتهم.
على أنّه ما تجدر الإشارة إليه أنّ المشرّع التّونسي لم يتناول مسألة الاحتفاظ ضمن قانون 2002 رغم ما يشوب هذا الإجراء من ظروف قاسية في الأماكن المعدّة لذلك، إضافة إلى طول المدّة المقضاة التي تصل إلى 6 أيّام، كحدّ أقصى، كلّ هذا ألا يعطي الحقّ للشّخص المحتفظ به في طلب التّعويض عن تلك المدّة رغم ثبوت براءته فيما بعد.
ورجوعا للقانون التونسي الخاص بالتعويض للموقوفين والمحكوم عليهم الذين ثبتت براءتهم نلاحظ أنّه تضمن شروطا عديدة لا بدّ من توفّرها حتى يتمكّن، كلّ من أوقف تحفظيا أو نفّذت عليه عقوبة السجن وثبتت فيما بعد براءته، من استحقاق التعويض عن الضرر المادي والمعنوي اللاحق به نتيجة الإجراء السالب للحريّة.
غير أنّ إقرار هذا القانون ولئن حقّق بعض الحماية والضمان للحرية الفردية كأحد الحقوق الأساسية والجوهرية، فإنّ الإشكال الرّئيسي الذي يطرح هو الآتي :
كيف نظّم المشرّع مسألة التعويض للموقوفين والمحكوم عليهم الذين ثبتت براءتهم ؟
إنّ الإجابة عن هذه الإشكاليّة تستوجب التعرّض إلى استحقاق التعويض في (المبحث الأول) ثمّ إلى التعويض المستحق في(المبحث الثاني( .
المبحث الأول : استحقاق التعويض للموقوفين والمحكوم عليهم الذين ثبتت براءتهم
لقد جاء قانون عدد 94 لسنة 2002 المؤرخ في 29 أكتوبر 2002 المتعلق بالتعويض للموقوفين والمحكوم عليهم الذين ثبتت براءتهم ليقر مسؤولية الدولة عن الأضرار التي تترتب عن سير المؤسسة القضائية، ومن هذا المنطلق،فهو قانون هام وايجابي، إذ يمكن الأشخاص المتضررين من الأخطاء القضائية من التعويض.
إن الاطلاع على القانون التونسي الصادر في 29 أكتوبر 2002، المتعلق بالتعويض للموقوفين والمحكوم عليهم الذين ثبتت براءتهم، يبرز منذ الوهلة الأولى تضمين المشرع شروطا عديدة استوجب توفرها، حتى يتسنى للمتضرر الحصـول على مبتغاه وهو التعويض. وتستدعي هذه الشروط توضيحها وهي تنقسم إلى نوعيـن : الأولى متعلقة بالضرر (الفقرة الأولى)، أما الثانية فهي مرتبطة أساسا بتحديد الأشخاص الذين يستحقون التعويض (الفقرة الثانية(
الفقرة الأولى : الشــــروط المتعلّقــــــة بالضــــــــرر
لقد فرض قانون 2002 المتعلق بالتعويض للموقوفين والمحكوم عليهم الذين ثبتت براءتهم على طالب التعويض ضرورة إثبات الضرر الحاصل له حتى يتمكن القاضي من إجراء سلطته التقديرية من خلال تقييم هذه الشروط لمعرفة مدى توفرها من جهة ومدى جديتها من جهة أخرى، فلقد جاء بالفصل13 من القانون عدد 94 المؤرخ في 29 أكتوبر 2002 أنه : “يقضى للطالب بتعويض جملي عن الضرر الحاصل له إذا أثبت حقيقة الضرر وجسامته وأنه حال وناتج عن الإيقاف التحفظي أو تنفيذ عقوبة السجن“.

وبالتالي يمكن تقسيم هذه الشروط إلى شروط عامة (أ) وشرط خاص (ب(
أ_ الشروط العامة للضرر:
إنّ النظر في الشروط العامة للضرر تستوجب الرجوع إلى قواعد المسؤولية المدنية وتتمثل هذه الشروط في أن يكون الضرر حقيقيا وحالا (1) وناتجا مباشرة عن الإيقاف التحفظي أو تنفيذ عقوبة السجن (2(
1- وجــود الضـــــــرر :
الضرر المحقق قد يكون ضررا حالاّ وهو الذي وقع بالفعل، وقد يكون ضررا مستقبلا، والضرر المستقبل هو الضرر المحقق الوقوع وإن لم يقع بعد، أما الضرر المحتمل الوقوع فلا تعويض عنه لأنه ضرر لم يقع بعد ولا يعرف ما إذا كان سيقع في المستقبل أم لا
وبالتالي يبرز منذ الوهلة الأولى أن قانون التعويض لم يتعرض إلا للضرر المحقق والحال وهو ما يعني إقصاءه للضرر المستقبلي من مجال التعويض ويتجاوز بذلك ما إستقرت عليه قواعد المسؤولية بوجه عام سواء كانت عقدية أو تقصيرية من تعويض الضرر المستقبلي.
فالمشرع التونسي من خلال قانون 2002 يتميز بنظام خاص للتعويض فرغم رجوعه لقواعد المسؤولية المدنية من حيث إثبات الضرر،إلا أنّه رجوع منقوص بإعتبار أن قانون التعويض قد إستبعد من مجاله التعويض عن الضرر المستقبلي.
فقد يلحق الشخص الذي ثبتت براءته ضررا لكنه لن يشكّل ولن يظهر بوضوح إلا مستقبلا وإن كان ذلك مؤكّد كأن يضطرب نشاطه التجاري وتقلّ مداخيله وتتضخم ديونه بشكل يعرّضه مستقبلا إلى صدور حكم بتفليسه، غير أنّه لا يكن الحصول على تعويض عن هذا الضرر المستقبلي بإعتبار أن قانون التعويض يستبعد التعويض عن ذلك الضرر صراحة.
أما بالنسبة للمشرع الفرنسي وإن أردف الضرر الواجب التعويض في قانون 17 جويلية 1970 المتعلق بالتعويض للموقوفين الذين ثبتت براءتهم، ببعض الشروط فإنه لم يوسع فيها ولم يعددها كما جاء بقانون 2002 وإكتفى فقط بأن يكون الضرر غير طبيعي بشكل جلي وأن يكون على درجة خاصة من الجسامة، وقد إنتقد البعض إقرار مثل هذه الشروط في الضرر حتى يمكن أن يكون موضوع تعويض معتبرين أن التعويض يجب أن يكون بمقتضى القانون وليس بمقتضى إقرار شروط لذلك وترك تقدير مدى توافرها لسلطة القاضي المختصّ في التعويض فتدخلّ المشرع الفرنسي وقام بإلغاء هذه الشروط، كما تدخل أيضا لإلغاء شرط إثبات الضرر ليصبح بذلك التعويض حقا قانونيا وآليا لكلّ من أوقف تحفظيا وثبتت فيما بعد براءته.
وعموما، فإنّ إشتراط المشرع التونسي لضرورة إثبات الضرر من خلال إثبات شروطه وتضمين ذلك في مؤيدات الدعوى هدفه الأساسي هو إجراء القاضي لسلطته التقديرية من خلال تقييم مدى توفر هذه الشروط ومدى صحتها وجديتها، إذ أن القاضي في مادة التعويض يتمتع بسلطة تقديرية واسعة عند تقييم الضرر خاصة وأن هذه الأخيرة من المسائل المتصلة بالوقائع الراجعة إلى سلطة القاضي دون رقابة عليه في ذلك من قبل محكمة التعقيب بشرط التعليل السائغ المستمد مما له أصل ثابت وصحيح بأوراق القضية.
2- وجود علاقة سببية بين الخطأ والضرر:
جاء بالفصل 13 من قانون 2002 أن الضرر يجب أن يكون ناتجا مباشرة عن الإيقاف التحفظي أو عن تنفيذ العقوبة السجنية. ويقصد من استعمال عبارة “ناتجا مباشرة” في هذا النص إشتراط المشرّع ضرورة وجود ركن الرابطة السببية بين الإيقاف التحفظي وتنفيذ عقوبة السجن وبين الضرر المطلوب التعويض عنه، وهنا يجب على المتضرر إثبات أن الإيقاف التحفظي كان له دور في حدوث الضرر وأن الضرر ما كان ليتحقق لولا ذلك الإجراء السالب للحرية ويترك للمحكمة التي تنظر في دعوى التعويض تقييم وتقدير ذلك من خلال التأكّد من كون الضرر المدعى به بإمكانه أن ينتج عن إحدى الإجراءات السالبة للحرية.
وبالتثبت في الفصل 13 من قانون التعويض نستنتج أن المشرع التونسي تبنى بشكل صريح نظرية السبب المنتج وذلك من خلال استعماله لعبارة “ناتجا مباشرة”. وتقوم نظرية السبب المنتج بالتمييز بين الأسباب العارضة وهي الأسباب غير المألوفة والتي لا تحدث عادة الضرر المطالب بالتعويض عنه ولم تتسبب فيه إلا عرضا وبين الأسباب المنتجة التي تحدث الضرر المطالب بتعويضه.
وعموما، فإنه إذا أثبت المتضرر وجود الرابطة السببية بين الإيقاف التحفظي والضرر المطلوب التعويض عنه تبقى للقاضي السلطة الواسعة في تقييمه لإستخلاص وجود هذا الشرط في الضرر من عدمه.
وبناء على ما تقدم، فإن الموقوف أو المحكوم عليه الذي ثبتت براءته لا يمكن له أن يطالب بالتعويض إلا عن الضرر الناتج مباشرة عن الإيقاف التحفظي، ولئن كانت عبارة الضرر المباشر تعني أيضا أن يكون الضرر شخصيا بالنسبة لطالب التعويض فقد أجاز المشرع التونسي أيضا لقرين الشخص الذي ثبتت براءته أو أبنائه أو والديه طلب التعويض في صورة وفاة صاحب الحق، مما يستفاد منه أنه تجاوز مفهوم الضرر المباشر وبالتالي يكون المشرع من جهة قد إشترط توفّره وإثباته من طرف المتضرر نفسه، ومن جهة أخرى إستبعد إثباته إذا تعلّق بورثة المتضرر بإعتبار أن الضرر الذي يلحق بهم ليس ضررا مباشرا وشخصيا.
فضلا عن هذه الشروط العامة فإن قانون التعويض تميز بخصوصية من خلال إضافة شرط الجسامة.

ب_ الشرط الخاص بالضرر الجسامة
لقد أضاف المشرع التونسي في قانون التعويض شرطا آخر أوجب على طالب التعويض إثباته حتى يستحق التعويض.
ويثير هذا الشرط العديد من الصعوبات من حيث تحديد مفهومه (1) وإثباته من طرف المتضرر(2(
1- مفهوم الضرر الجسيم :
يتعلّق هذا الشرط بدرجة الضرر إذ جاء بالفصل 13: “يقضى للطالب بتعويض جملي عن الضرر الحاصل له إذا أثبت حقيقة الضّرر وجسامته وأنه حال وناتج عن الإيقاف التّحفظي أو تنفيذ عقوبة السجن.”
وبالرجوع إلى قواعد المسؤولية المدنية نلاحظ أنها لم تتعرض إلى كون الضرر المراد التعويض عنه يجب أن يكون جسيما وبالتالي فإن تضمين مشرع 2002 لهذا الشرط يبرز خصوصية هذا القانون.
وشرط الجسامة هو نفس الشرط تقريبا الوارد بالفصل 149 من القانون الفرنسي الصادر في 17 جويلية 1970 و الذي وقع إلغاءه لاحقا. والصعوبة التي تطرح تتعلق بتعريف الضرر الجسيم خاصة وأن القانون التونسي والقانون الفرنسي لم يعرّفا هذا المصطلح ، وتزداد المسألة تعقيدا بإعتبار أن الفقه كذلك لم يقم بتعريف هذا المفهوم ويعود ذلك إلى لأن هذا المفهوم خاص بقانون التعويض.
ولتعريف الضرر الجسيم لابدّ من الإنطلاق من مفهوم الضرر المجرد كيفما ورد في قواعد المسؤولية المدنية وكذلك بالرجوع إلى القانون الفرنسي بإعتبار أن المصطلحات الواردة به قد تساعد على إيجاد مقاربة لتعريف الضرر الجسيم، إذ ورد به أن الضرر الواجب التعويض هو الذي يكون” غير طبيعي بشكل جليّ وعلى درجة خاصة من الجسامة: «
un préjudice manifestement anormal et d’une particulière gravité» ، فالضرر الموجب للتعويض وفقا لقواعد المسؤولية المدنية، هو الضرر بنوعيه المادي والمعنوي، والضرر المجرد أو الضرر العادي هو أي ضرر مهما كان بسيطا يلحق بالذمة المالية للشخص أو يلحق بغير ذمته المالية دون تعرض إلى درجة هذا الضرر.
وقد حاول بعضهم إيجاد تعريف للضرر الجسيم، إذ وقع تعريفه بأنه ضرر يلحق من تثبت براءته سواء بذمته المالية أو بغير ذمته المالية ويكون غير مألوف بشكل معتبر وألحق به نقصا ذميّا أو مسّا معنويا استثنائيا.
وما يلاحظ في قانون 2002 في خصوص الضرر الجسيم أن المشرع قد ضيّق من نطاق التعويض ولم يتوسع فيه وهو يرجع أساسا إلى أن إقرار مسؤوليّة الدولة عن الأضرار المترتبة عن مرفق العدالة لا يزال حديث العهد ومحلّ جدل بين رجال القانون.
غير أن هذا التحليل وإن كان منطبقا على القانون التونسي للتعويض، بإعتباره حديث العهد فإنه ليس كذلك بالنسبة لباقي التشريعات وخاصة التشريع الفرنسي الذي أقرّ مسؤولية الدولة عن نشاط المرفق القضاء العدلي، إذ أن إقرار تعويض الضرر الناجم عن الإيقاف التحفظي الذي نصّ عليه قانون 17 جويلية 1970 لا يعتبر أوّل إقرار قانوني لهذه المسؤولية، إذ أنّ الإقرار يعود إلى القانون المتضمن لإعادة النظر كطريقة طعن إستثنائية يمكن بموجبها الحصول على التعويضات بالنسبة للشخص أثبتت براءته بموجب هذا الطعن وذلك منذ صدور قانون 1958.
وكذلك فإنّ تضمين شرط الضرر غير طبيعي بشكل جليّ وعلى درجة خاصة من الجسامة في القانون الفرنسي لاقى انتقادات شديدة من طرف بعض أعضاء لجنة التشريع بالمجلس الوطني الفرنسي، حيث نادوا إلى ضرورة إلغاء هذا الشرط معلّلين رأيهم بإعتبار أن الإيقاف التحفظي هو إجراء إستثنائي ونتيجة لذلك فإنّ الشخص الذي تمّ إيقافه وثبتت في ما بعد براءته سواء بمقتضى قرار بالحفظ صادر عن حاكم تحقيق أو بمقتضى قضاء المحكمة الجزائية المختصّة بعدم سماع الدعوى فإنّ الضرر موجود حقيقة في كلّ الحالات ولا داعي إلى إضافة مثل هذا الشرط.
وعموما، ما تجدر الإشارة إليه أن إشتراط المشرع ضرورة أن يكون الضرر جسيما لا يمكن تأسيسه إلا بناءا على معطيات اقتصادية واجتماعية، فالتعويض عن الضرر مهما كانت درجته يتطلب موارد مالية هامة تعجز الإمكانات المادية المتاحة لقانون حديث عن تلبيتها.
2- إثبات الضرر الجسيم :
تثير مسألة إثبات الضرر الجسيم إشكالات عديدة، إذ أن معيار جسامة الضرر لا يمكن تحديده بشكل ثابت وعام إعتبارا إلى لأنّ هذا المفهوم يختلف من شخص إلى آخر، فما هو ضرر جسيم في جانب شخص معيّن قد لا يكون كذلك عند شخص أخر خاصة إذا ما تعلّق الأمر بالضرر المعنوي إعتبارا إلى أنّ التركيبة النفسية للأشخاص تختلف بالضرورة وتختلف تبعا لذلك درجة الألم والحسرة نتيجة للإيقاف أو الخضوع للسجن.
ومهما يكن من أمر فإنّ المسألة تخضع لظروف ومعطيات كلّ حالة على حدة، وتبرز هنا السلطة التقديرية للقاضي ودوره في تقييم جسامة الضرر من عدمه.
وأخيرا يجب أن يكون التشريع أكثر تفتحا في حماية حرية الشخص وحماية كرامته، فمجرّد الاحتفاظ أو إيقاف الشخص تحفظيا حال أنّه بريء، يشكّل له ضررا جسيما وحالا، وإلاّ فما هو الضرر الجسيم الذي إشترطه المشرع، فهل يجب أن تقع للمتضرر كارثة أو مأساة أو تعذيب شديد أو تشهير فاضح يمسّ من حياته وشرفه وسمعته لكي نقرّ له بحقّه في التعويض.
وطالما أن المشرع الفرنسي نقّح قانون 1970 لما وجد فيه من قصور وعدم فاعلية، فلماذا لا يستفيد المشرع التونسي من تجربة المشرع الفرنسي ويضع صلب قانون 2002 أحكاما تراعي أكثر حقوق الإنسان وتركّز بشكل فعلي حقّ المتضرّر في التعويض

الفقرة الثانية : الشروط المتعلّقة بالأشخـــــاص
لقد مكّن قانون 2002 لبعض الأشخاص المعينين إمكانية إستحقاق التعويض (أ) فيما استبعد أشخاصا آخرين (ب(
أ_ الأشخاص الذين يستحقون التعويض:
لقد خوّل هذا القانون مبدئيا إلى المتضرر من الإيقاف أو الحكم بالسجن إمكانية استحقاق التعويض (1) لكن هذا الحق ينتقل في صورة وفاته إلى بعض الورثة (2(
1- المتضـــرر الأصلــــي :
خوّل الفصل الأول من قانون التعويض لكلّ من أوقف تحفظيا أو نفذت عليه عقوبة بالسجن ثم ثبتت براءته بأحد الأسباب المذكورة إمكانية مطالبة الدولة بالتعويض، ويستشف من خلال هذا الفصل أن المتضرر الأصلي يمكن أن يكون الموقوف تحفظيا أو المحكوم عليه بالسجن، وقد أوجب قانون 2002 شروطا ينبغي توفرها في كل شخص خضع إلى إيقاف تحفظي أو نفذت عليه عقوبة السجن حتى يتسنى له استحقاق التعويض، ومن أهمّ هذه الشروط نجد ثبوت البراءة وهو ما يستدعي تحديد مفهومها دون الخوض في صورها الذي سنتناوله بالتحليل لاحقا.
إن البراءة مصدرها فعل برأة والبارئ من أسماء الله عزّ وجلّ، وقال الازهـريّ : “وأما قولهم برئت من الدين، والرجل أبرأ براءة، وبرئت منك من فلان أبرأ براءة“وقوله عزّ وجلّ ﴿ براءة من الله ورسوله﴾ ويقال أبرأته مما لي عليه وبرأته تبرئة والبريء من الأمر يبرأ أو يبرأ، وقال إبن الأعربي البريء : المتفصى من القبائح المتنجي عن الباطل والكذب، البعيد عن التهم، النقيّ القلب من الشرك، والبريء الصحيح الجسم والعقل.
ومن الناحية القانونية فإن مصطلح البراءة كثيرا ما يقترن بعبارة “القرينة” واختلفت الآراء حول تعريف قرينة البراءة، حيث إعتبر البعض أنها: “معاملة الشخص، مشتبها فيه كان أم متهما، في جميع مراحل الإجراءات ومهما كانت جسامة الجريمة التي نسبت إليه، على أنه بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي بات ووفقا للضمانات التي قرّرها القانون للشخص“. كما إعتبر آخرون أن المقصود بقرينة البراءة : “هو أن كلّ شخص يكون محل تتبع جزائي يعتبر بريئا طالما لم تثبت إدانته بموجب حكم قضائي“.
وقد تعرّض المشرع التونسي إلى قرينة البراءة في العديد من المواضع من النصوص القانونية من ذلك ما جاء به الفصل 12 من الدستور: “كلّ متهم بجريمة يعتبر بريئا…“. وبالتالي فان المظنون فيه يتمتع بقرينة البراءة التي تحتلّ مرتبة دستورية، وبذلك تعتبر براءة المتهم هي الأصل وهو مبدأ أساسيا في النظام الديمقراطي للإجراءات الجنائية والتي بدونها لا توجد دعوى حقيقية وبذلك لا توجد محاكمة عادلة، وتأسيسا على ما ذكر يبدو الاختلاف واضحا وجليا بين البراءة وقرينة البراءة، فهذه الأخيرة لا تعدو أن تكون إلا مجرد قرينة قابلة للدحض بإثبات العكس أي الإدانة،بينما المقصود بالبراءة ما يناقض الإدانة ويعني أساسا البراءة الكاملة والواضحة والتي لم يعد بالإمكان المساس بها وتجعل بالتالي الشخص المتمتع بها بعيدا كل البعد عن أي تتبع جزائي يمكن أن يتخذ ضدّه، بينما يكون الشخص الذي تمتع بقرينة البراءة مهددا في أيّ لحظة باتخاذ تتبع جزائي ضدّه وما ينتج عنه من عقوبات، متى ثبتت إدانته.
والبراءة المستوجب توفّرها وثبوتها تختلف باختلاف السلطة الناطقة بها، إذ يمكن أن تكون صادرة عن حاكم التحقيق بموجب قرار بحفظ التهمة، على أنّه ليس كلّ قرار بحفظ التهمة يكون سندا للتعويض.
وقرار الحفظ المعتبر سندا للتعويض هو قرار الحفظ القانوني وبالتالي فالمشرّع إستبعد قرار الحفظ المادي كسند للتعويض، وهو ما نستشفه من أحكام الفصل الأوّل في فقرته الثانية من قانون 2002.
إضافة إلى ثبوت البراءة في الطور التحقيقي، فإنّه يمكن ثبوت البراءة في الطور الحكمي بموجب حكم صادر عن المحكمة المختصة.
غير أن الإشكال يبقى مطروحا بمن تثبت براءته بموجب آلية إعادة النظر، وهو ما يستدعي توضيحا، اعتبارا إلى أن قانون 2002 لم يتعرض إلى ذلك صراحة.
ويعد مطلب إعادة النظر طريقة طعن غير عادية يلتمس فيها المحكوم عليه إعادة النظر في الأحكام الباتة الصادرة بعقوبة في دعاوى الجناية أو الجنحة بهدف الرجوع عنها أو تعديلها أو تخفيفها إذا ظهر أنها مشوبة بخطأ جسيم في الوقائع.
والطعن بإعادة النظر يقصد منه تلافي الخطأ في حال إكتشاف وقوع القاضي الذي أصدر الحكم، كأن يتعلّق بثبوت الواقعة أو نسبتها للمحكوم عليه بعد أن يكون الحكم قد إكتسب حجية الأمر المقضي.
ويبرز هنا تساءل يتعلق بمدى قوة وثبات هذه الحجية أمام الخطأ المادي الذي وقع فيه الحكم، بحيث يكون للمحكوم عليه الحق في أن يرفع الأمر للقضاء لتجاوز هذا الخطأ أم تظلّ للحكم حجية مطلقة، وهو ما سيمثل حاجزا وعائقا حقيقيا أمام التعويض.
ولكن تم الاتفاق فقها وقضاء على تجاوز مبدأ حجية الأمر المقضي به اعتبارا إلى أنه قد يظهر بعد صدور الحكم وصيرورته باتا، أنه قد أتخذ بناءا على خطأ في الواقع نتيجة شهادة زورا أو تضافرت ظروف سيئة، وتكون نتيجة الخطأ القضائي تضرّر شخص بريء.
وهذا الخطأ لا يمسّ الضحيّة فقط،بل أنّه يلحق أيضا إضطرابا بالمرفق القضائي وكذلك بالمجموعة، وفي هذا السياق يعتبر الأستاذ GARRAUD أنّه : “من سوء الحظّ أنّه يستحيل تنظيم العدالة الزجرية بشكل يسمح بتفادي خطأ قضائي وعليه يجب مسح إدانات لحقت أشخاصا أبرياء“.
ولئن كان طلب إعادة النظر في القانون الفرنسي، في صورة قبوله موضوعيا والقضاء تبعا لذلك بالبراءة في جانب الشخص المحكوم عليه الذي قضى فترة من العقوبة السجنيّة، يمكن هذا الأخير من طلب التعويض، فإن الأمر على خلاف ذلك في القانون التونسي إذ أنه لم يقر إمكانية طلب التعويض في صورة ثبوت البراءة بمقتضى قبول مطلب إعادة النظر بالرغم من إقرار هذه الإمكانية صراحة في المداولات المتعلقة بقانون التعويض. وفي هذا السياق نلتمس من المشرع ضرورة التدخل وإدخال تنقيح على قانون 2002 وإدراج فصل يتيح إمكانية طلب التعويض لمن تثبت براءته بموجب آلية إعادة النظر، خاصة وأنه على الصعيد التطبيقي نلاحظ غيابا كليا لمطالب التعويض المؤسسة على ثبوت البراءة بموجب الطعن بإعادة النظر، وهذا راجع بالأساس إلى تخفي هذه الإمكانية في المداولات وعدم تكريسها صراحة في القانون.
إن توفر شرط البراءة، يبقى غير كاف لاستحقاق التعويض بل لابد كذلك أن يلحق الإيقاف التحفظي أو تنفيذ عقوبة السجن بمن تثبت براءته ضرر.
و يعرف الضرر على أنه المساس بحق من الحقوق المحمية قانونا، أي الإضرار بمصلحة مشروعة وبالتالي فإنه لا يجوز التعويض إذا كانت المصلحة الواقع الاعتداء عليها غير شرعية فالقانون لا يحمي الوضعيات التي تخالفه وعلى القاضي تبعا لذلك أن يقدر مدى شرعية المصلحة وأن يبحث في مدى جواز مسايرتها للأحكام والمبادئ الأساسية للتشريع، ولا يغفل عن إعمال قواعد النظام العام والأخلاق الحميدة.
ورجوعا للقانون المتعلق بالتعويض نلاحظ أنّ الحق المعتدى عليه والمحمي قانونا هو “الحرية” فالتقييد منها والمساس بها دون موجب يعتبر في حدّ ذاته ضرر موجب للتعويض وبالتالي فالشخص الواقع إيقافه تحفظيا أو الذي نفذت عليه عقوبة السجن، رغم أنه لم يرتكب أيّ فعل إجرامي يكون ضرورة من ذلك قد تضرّر إما ماديا أو معنويا.
على أنه رغم وجود هذا الضرر وثباته فإن قانون 2002 أوجب توفر العديد من الشروط فيه، حتى يكون موجبا للتعويض ولقد وقع التعرّض لها سابقا على أن ما يثير الاستغراب هو أن قانون2002 قد أوجب وحمّل طالب التعويض إلتزاما قانونيا صعبا وهو إثبات الضرر.
إنّ أوّل ما يقال عن الشرط إثبات الضرر لاستحقاق التعويض أنه شرط مجحف نظرا لاشتراط المشرع جسامة الضرر خاصة وأنه بالرجوع إلى قواعد المسؤولية المدنية سواء العقدية أو تقصيرية نلاحظ أنها لم تتعرض إلى كون الضرر المراد التعويض عنه يجب أن يكون جسيما، وهنا تبرز خصوصية قانون التعويض.
ورجوعا للشريعة العامة وتحديدا قواعد الإثبات نجد وأن المبدأ ينص على أن المتضرر هو الذي يتحمل عبء الإثبات، وعرّف البعض الإثبات على أنه إقامة الدليل أمام القضاء بطريقة من طرق الإقناع التي يحدّدها وينظّمها القانون على صحة واقعة متنازع فيها بقصد الوصول إلى النتائج القانونية التي تترتب على صحة الواقعة المذكورة. وبالتالي إقامة الدليل على وجود خطأ في جانب المسؤول أو إثبات الضرر والرابطة السببية بينهما.
وبذلك فإن المتضرر هو المحمول على إقامة الدليل بوجود الضرر وإثباته وعلى القاضي أن يقدر مدى كفايته حتى يتمكن من إعمال حكم القاعدة القانونية.
فالمتضرر من الإيقاف أو تنفيذ عقوبة السجن وجب عليه إثبات ضرر شخصي نتج له مباشرة من الإيقاف أو تنفيذ العقوبة وبذلك فإن قانون 2002 أكدّ على ضرورة وجود ركن الرابطة السببية بين الإيقاف التحفظي أو تنفيذ عقوبة السجن والضرر المطلوب التعويض عنه،وهنا لابدّ على طالب التعويض من إثبات أن الإيقاف التحفظي كان له دور في حدوث الضرر وأن الضرر ما كان ليتحقق لولا ذلك الإجراء السالب للحرية ويترك للمحكمة التي تنظر في دعوى التعويض تقدير ذلك.
وعموما فإنّ إشتراط المشرّع لضرورة إثبات الضرر فيه إثقال لكاهل المتضرّر وإفراغ لهذا القانون من أهدافه، بإعتبار أنه لا يختلف إثنان في كون تمضية مدّة معينة بالسجن تؤثر سلبا على الشخص خاصة وأنه بريء من التهمة المنسوبة إليه.
وما يدعم هذا القول ما جاء على لسان الأستاذ “Marc Ancel” :
«24 heures de prison dans une telle circonstance peut détruire toute une existence».
أما بالنسبة للقانون الفرنسي وإن أردف الضرر الواجب التعويض في قانون17 جويلية 1970 المتعلق بالتعويض للموقوفين الذين ثبتت براءتهم،ببعض الشروط فإنه لم يوسع فيما ولم يعددها كما جاء بقانون 2002 واكتفى فقط بضرورة أن يكون الضرر غير طبيعي بشكل جدي وأن يكون على درجة خاصة من الجسامة.
وانتقد البعض إبان مناقشة مشروع هذا القانون إقرار مثل هذه الشروط في الضر، معتبرين أن التعويض يجب أن يكون بمقتضى القانون وليس بمقتضى إقرار شروط لذلك وترك تقدير مدى توفرها للسلطة التقديرية للقاضي المختص بالتعويض خاصة وان مثل هذه الشروط تخلّ بمبدأ مساواة المواطنين أمام تحمل الأعباء العامة، اعتبارا إلى أنه لن يمنح التعويض إلى كل من أوقف تحفظيا وثبتت فيما بعد براءته بل لابد أن يثبت ذلك الشخص، إضافة إلى إثبات ضرره أن هذا الأخير غير طبيعي بشكل جلي وعلى درجة خاصة من الجسامة.
وهو ما حدا بالمشرع الفرنسي للتدخل في مناسبتين الأولى من خلال إلغاء مثل هذه الشروط بمقتضى القانون المؤرخ في 30 ديسمبر 1996 المنقح للفصل 149 من قانون 17 جويلية 1970، أما الثانية، كانت من خلال إلغاء شرط إثبات الضرر وذلك بمقتضى القانون عدد 1354-2000 المؤرخ في 30 ديسمبر 2000 ليصبح بذلك التعويض حقا قانونيا وآليا لكلّ من أوقف تحفظيا وثبتت فيما بعد براءته.
غير أن المشرع التونسي قد ضمن قانون2002 شروطا عديدة أقل ما يقال عنها أنها مجحفة، من شأنها أن تجعل حظوظ المترشح لطلب التعويض ضئيلة جدا في الحصول على مبتغاه.
2- المتضرر بالتبعيـــة:
جاء قانون 29 أكتوبر2002 لتعويض الموقوفين والمحكوم عليهم الذين ثبتت براءتهم بصفة مبدئية عند تضررهم، إلاّ أنه جعل هذا التعويض يشمل ورثته إذا ما لحقهم بدورهم ضرر، فقد نصّ الفصل الثاني من قانون التعويض على انتقال حق التعويض عند وفاة صاحب الحق إلى القرين والأبناء والوالدين فقط. ويفهم من ذلك أن الحق في التعويض ينتقل إلى هؤلاء الأشخاص فقط بمعنى أنهم يحلّون محل مورثهم في مباشرة إجراءات المطالبة القضائية في مختلف مراحلها حتى وإن لم يسبق للهالك أن أثار ذلك لدى القضاء.
غير أن إقرار مبدأ إنتقال حق المطالبة بالتعويض إلى ورثة تم تحديدهم حصرا يعتبر استثناءا اعتبارا إلى أن القانون جاء أساسا لتعويض المحكوم عليهم والموقوفين الذين ثبتت براءتهم في حين أن هؤلاء الورثة ليسوا طرفا في الدعوى الجزائية ولم يتم إيقافهم تحفظيا ولا تنفيذ عقوبة السجن عليهم، إضافة إلى أن هؤلاء الورثة لم يتم إثبات براءتهم خاصة وأن ثبوت البراءة يعتبر من أهم الشروط الواجبة التوفر في الأشخاص حتى يتسنّى لهم إستحقاق التعويض.
غير أنه ما يعاب على قانون 2002 أنه حصر الورثة الذين يمكن لهم إستحقاق التعويض وتبعا لذلك إمكانية المطالبة به في الزوجة أو الزوج والأبناء والوالدين ولم يسحب هذه الإمكانية على كل الورثة الشرعيين وتبرير ذلك هو أن هؤلاء تربطهم بالمورّث علاقة دموية متينة وعلاقة قرابة وباعتبار أن الضرر الحاصل لهم محقق وناتج مباشرة عن دخول مورثهم السجن وينعكس بالضرورة عليهم دون غيرهم ويمتد إليهم بحكم ارتباطهم به، ويتعين بالتالي إبقاء انسحاب الحق في التعويض عند وفاة صاحب الحق على من ذكر دون غيره من الورثة، إلا أنه في بعض الأحيان قد يفقد هذا الحل مبرراته، إذ قد يلحق أحد الورثة الشرعيين الذين لم يقع ذكرهم ضرر لا تتوفر فيه شروط التعويض كالأخ مثلا مما يفقده الحق في التعويض.
إن التوسيع في مبدأ التعويض يعتبر تكريسا لمقتضيات العدالة والإنصاف ويضمن تبعا لذلك مصالح الورثة التي تكون عادة مترابطة مع مصالح مورثهم بما يلحق بها ضررا معتبرا نتيجة إتخاذ إجراء سالب للحرية في جانبه.
وأخيرا تجدر الإشارة إلى أن هذا التوجه معمول به في جل التشريعات المقارنة من ذلك ما جاء بالفصل 620 من م.إ.ج المغربية: “إن الحكم الجديد المترتبة عنه براءة المحكوم عليه يمكن بطلب منه أن يمنح تعويضا بسبب الضرر الذي لحقه من الإدانة، فإذا كان الشخص الذي استهدف للخطأ القضائي قد توفي انتقل الحق في رفع طلب التعويض حسب نفس الشروط إلى زوجته وأصوله وفروعه“، وما يلاحظ أن التشريعات المقارنة قد تعاملت بطرق مختلفة فيما يتعلق بقائمة الورثة المخوّل لهم استحقاق التعويض، فالبعض ضيّق في القائمة والبعض الآخر وسّع فيها على خلاف المشرع التونسي الذي اتخذ حلا معتدلا من شأنه استبعاد كل المطالبات عديمة الجدوى والتي لن تكون إلاّ عبئا ثقيلا على المحكمة وإهدار لوقتها.
ب_ استبعاد بعض الأشخاص:
لئن مكّن قانون التعويض المتضرر الأصلي وبعض الورثة الذين تم تحديدهم حصرا من إمكانية إستحقاق التعويض، فقد أقصى أشخاصا آخرين رغم ثبوت براءتهم وتوفر الضرر في جانبهم ومن بينهم نجد الشخص المتسبب في إيقافه أو تنفيذ عقوبة السجن عليه (1) وكذلك الشخص المحتفظ به (2(

1- الشخص المتسـبـب:
لقد نصّ المشرع التونسي في الفصل 4 من قانون 2002 على أنه : “يرفض طلب التعويض إذا كان الطالب هو المتسبب كليا أو جزئيا في الحالات التي أدت إلى إيقافه تحفظيا أو الحكم عليه بالسجن.”
وبالتالي فإن طالب التعويض إذا كان هو المتسبب في إيقافه أو تنفيذ عقوبة السجن عليه رغم توفّر باقي الشروط، يسقط حقّه في التعويض.
وأصل هذا الشرط هو قواعد المسؤولية المدنية والتي تعتبر أن خطأ المتضرر واحد من الأسباب المعفية من المسؤولية ويتخلف بموجبها الترابط السّببي بل ويخرجنا أصلا من دائرة المساءلة بإعتبار أنّه لا يوجد أمامنا مسؤول، ويخضع تقدير خطأ المتضرّر إلى سلطة القاضي وعليه أن يقيسه قياسا موضوعيا بالاعتماد على معيار الرجل العادي، فمتى كان سلوكه خروجا عن المعتاد والمألوف جاز إعتباره خطآ وإستوجب إخراج المدعى عليه من دائرة المطالبة،إذ لا يمكن جبر أحد على تعويض ضرر ألحقه غيره بنفسه.
ورجوعا إلى الفصل المذكور، نلاحظ أن المشرع قد إستعمل عبارات فضفاضة “تسبب كلي”، “تسبب جزئي” وهي عبارات عامّة وغير دقيقة وقادرة على إستيعاب العديد من الحالات وبالتالي تتضاءل وتتراجع حظوظ طالب التعويض في الحصول على مبتغاه.
وعدم منح هذا الشخص تعويضا مردّه عدة اعتبارات، فهذا الشخص لم يعد بريئا إذ أصبحت إدانته واضحة ومؤاخذته ممكنة، فالشخص الذي ضلّل العدالة وتسبب في إدانة نفسه في البداية، ثم لمّا ثبتت براءته قضائيا يطلب التعويض.
فهذا غير منطقي، ومثال ذلك الشخص الذي يتهم نفسه لكي لا يقع تتبع إبنه من أجل السرقة ويعترف ويدلي بالأشياء التي وقعت سرقتها، ويقع تتبعه من أجل جريمة السرقة في هذه الحالة لا يجوز له أن يطالب بالتعويض على أساس قانون 2002 نظرا لكونه إثراء بدون سبب وليس تعويضا في نطاق منظومة متكاملة ومتوازنة.
وقد ذهب فقه القضاء التونسي إلى رفض العديد من مطالب التعويض] وأساس هذا الرفض هو تسبب الشخص كليا أو جزئيا في إيقافه تحفظيا أو تنفيذ عقوبة السجن عليه.
2- الشخص المحتفظ بـــه:
لعله توجه حميد أن يقر المشرع التونسي مسؤولية الدولة عن مرفق عام العدالة، من خلال إقراره حق التعويض من حيث المبدأ، والذي يحتاج إلى الكثير من الإصلاح التشريعي والإرادة الفعلية لتكريسه، ذلك أن العدالة تقتضي أن يلتزم المجتمع بجبر ضرر المتضرر، الذي قيدت حريته، وأسيء لسمعته بغية الحفاظ على مقومات المجتمع.
على أن هذا التوجه لم يكن توجها كاملا لتدعيم حقوق المتهم، الذي أهدرت حريته، فالكثير من النقائص اعترت قانون 2002، وأهم هذه النقائص هي تغاضي المشرع عن إقرار الحق في التعويض للشخص الذي وقع إيقافه بدون وجه حق من قبل الأجهزة الأمنية، أو الشخص الذي وقع الإحتفاظ به من قبل أعوان الضابطة العدلية، أو أجهزة الشرطة أو الحرس الوطني، حال أنه بريء.
ورغم ما أحاطه المشرع من ضمانات للمحتفظ بهم من ذلك الرقابة القضائية للإحتفاظ، تحديد مدّته، إقرار إجراء الفحص الطبي، تعليل قرارات إتخاذه أو التمديد فيه، يبقى إجراءا خطيرا. ويعدّ هذا الحد من الحرية بحد ذاته، أشد وطئا على الشخص من فترة الإيقاف التحفظي، فبالإضافة إلى سوء المعاملة التي يراها المرء لدى مراكز الشرطة لمجرد الإشتباه به، أو أحيانا لشكاية لا أساس لها من الصحة، فإنه يقع الزجّ به في مراكز الأمن لعديد الأيام والليالي دون أن يكون له الحق في التعويض عن الضرر الذي أصابه في صورة ثبوت براءته.
وأخيرا يمكن القول أن المشرع التونسي لم يقر الحق في التعويض للأشخاص الذين خضعوا لهذا الإجراء الإستثنائي، وكان حريا به أن يضع قواعد تجعل من التعويض حقا ثابتا في صورة الإحتفاظ التعسفي وهو ما يعطي القانون المتعلق بالتعويض شأنا أكبر في مجال تدعيم حقوق الإنسان.
بعد أن وقع تخصيص الفصل الأول من هذا البحث لدراسة شروط إستحقاق التعويض وجب النّظر في حالاته.
الفقرة الثانية : حالات استحقاق التعويض
إن المتأمّل في قانون التعويض للموقوفين والمحكوم عليهم الذين ثبتت براءتهم، يلاحظ أن المشرّع قد حصر استحقاق التعويض في حالتين فقط، ويكون بالتالي قد أقصى حالات أخرى تؤدي إلى حرمان شخص من التعويض رغم أنه حرم من حريته دون أن يرتكب فعلا يعاقب عليه القانون فالمحتفظ به لدى مأموري الضابطة العدلية لا يدخل تحت طائلة هذا القانون رغم النتائج السلبية المترتبة عن هذا الإجراء.
وتستدعي حالات استحقاق التعويض تحليلها وبيان أسبابها وشروطها سعيا إلى فهم أبعاد هذا القانون، والتي تتمثل أساسا في مرحلة التحقيق (أ) وفي مرحلة المحاكمة (ب(
أ _ مرحــــــلــــــــــــــة التحقـــيــــــــق:
يعرّف التحقيق بأنه مجموع الإجراءات التي تهدف للتوصل للحقيقة بجمع الأدلة المادية والمعنوية قصد معرفة الحقيقة والتثبت منها في جريمة وقع ارتكابها حتى لا تطرح على المحاكم غير التهم المركزة على أساس قويّ من الوقائع والقانون. ولقد أورد الفصل الأول من قانون عدد94 إمكانية إستحقاق التعويض لمن تمّ تتبعه بفتح تحقيق ضدّه وأذن قلم التحقيق بإصدار بطاقة إيداع ضدّه إلى أنه عند ختم الأبحاث اتخذ قرارا بحفظ التهمة لأسباب معينة، وبالتالي نرى أن استحقاق التعويض يستوجب خضوع المتضرّر للإيقاف التحفظي (1) وضرورة صدور قرار معيّن من حاكم التحقيق (2(

1_ خضوع المتضرّر للإيقاف التحفظي:
لقد تعرّض المشرّع التونسي للإيقاف التحفظي في القسم الخامس من الباب الثاني من م.إ.ج تحت عنوان “في التحقيق” مما يستدعي تعريفه ثمّ التعرّض إلى إجراءاته.

  • تعريف الإيقاف التحفظي:
    إن الإيقاف التحفظي هو إجراء إستثنائي لما فيه من مساس بحرية الفرد إذ بموجبه يمكن إيقاف المتهم في الجنايات والجنح المتلبّس بها، أو غيرها من الجنايات والجنح عندما تتوفر قرائن قوية تستلزم الإيقاف بإعتباره وسيلة أمن لتلافي اقتراف جرائم جديدة أو ضمانا لتنفيذ العقوبة أو طريقة توفّر سلامة البحث وذلك لمدّة ستة أشهر قابلة للتمديد مدّة ثلاث أشهر وذلك مرّة واحدة بالنسبة للجنحة،و مرتين بالنسبة للجنايات بحساب أربعة أشهر لكل فترة تمديد أي أن الإيقاف في الجنايات يصل إلى أربعة عشر شهرا وهي مدّة طويلة جدا يودع خلالها المتهم في السجن قبل أن تثبت إدانته.
    وبالتالي فإنّ الإيقاف يسلب المتّهم حريته مدّة من الزمن تحدّدها مقتضيات ومصلحة البحث ووفق ضوابط قررها القانون، لهذا يعتبر قيدا قانونيا على الحرية الشخصية ويقوم على خرق واضح لقرينة البراءة المفترضة دستوريا لكل شخص، لهذا فقد أكّد المشرع التونسي على طابعه الاستثنائي بالفصل 84 م.إ.ج.
    أما بالنسبة للتشريعات العربية فإن المادة 32 من قانون الإجراءات الجزائري ينصّ على أن : “الحبس الاحتياطي إجراء إستثنائي“. وكذلك الشأن بالنسبة للفصل 152 من قانون المسطرة المغربية الذي نصّ على أن: “الاعتقال الاحتياطي تدبير إستثنائي“.
    أما التشريع الفرنسي فقد أكّد على أنّ الشخص الموجهة إليه التهمة أو الممتحن “La personne mise en examen” والمعتبر بريئا، يبقى حرّا لكن يمكن الحدّ من حرّيته لضرورة التحقيق أو كوسيلة أمن بإخضاعه لتدابير المراقبة القضائية وإذا ما تبيّن عدم كفايتها أمكن بصفة إستثنائية إيقافه مؤقتا.
    وهذا الإجماع على الطابع الاستثنائي لهذا الإجراء دليل على خطورته على حرية الفرد من جهة ومساسه بقرينة البراءة من جهة أخرى.
  • إجراءات الإيقاف التحفّظي:
    إنّ الإيقاف التحفظي يخضع إلى إجراءات دقيقة لابدّ من اعتمادها حتى لا يصبح الإيقاف تعسفيا، ذلك أن المشرع قد أوكل اتخاذ هذا الإجراء إلى جهاز قضائي معين بأمر وهو حاكم التحقيق الذي ينعت بأنه أعظم رجل في الدولة نظرا لشساعة سلطته في البحث عن الحقيقة، إذ تعهد له القضية بصفة لا رجوع فيها بمقتضى قرار بإجراء البحث.
    وقد أوجب على هذا الأخير عدم الإفراط في اعتماد الإيقاف التحفظي بل يجب عليه الاقتصار على الحالات التي يوجد ما يبررها واقعا وقانونا حسب الفصــل 85 م.إ.ج وهي التلبس، وجود قرائن قويّة، ضمان تنفيذ العقوبة وتوفير سلامة البحث، كما أوجب المشرع أن يكون قرار الإيقاف التحفظي أو قرار التمديد فيه معلّلا أي متضمنا للأسانيد الواقعية والقانونية التي تبرره.
    ويتمّ الإيقاف التحفظي عن طريق إصدار بطاقة إيداع بالسجن من طرف حاكم التحقيق ضد المظنون فيه، ثم يقوم بإستنطاقه ويدوّن عمله في محاضر لتكون دليلا على مسار التحقيق، ويجب أن يتّسم التحقيق وفق ما يقتضيه تحرير هذه المحاضر القضائية بالشفافية المطلقة نظرا لكونها من العوامل الرئيسية والمؤثرة في الأحكام القضائية.
    ويعرّف الاستنطاق بأنّه الإجراء الذي يواجه فيه المتهم بأدلة الاتهام المساقة عليه ليسلم بها أو يدحضها، ويعدّ الاستنطاق عملا من أعمال التحقيق وهو من أهم إجراءات الدعوى العمومية فهو الذي يربط بين جميع وقائعها، ويبحث في مدى جديتها لتحقيق هدفها الأوّل في الوصول إلى الحقيقة وتوقيع العقاب على المذنب.
    وقد نصّ المشرع التونسي صلب الفصل 53 م.إ.ج على الصبغة الكتابية للإستنطاق، ويجمع الفقه على أن الاستنطاق لا يكون إلا مع متهم حيث يقصد به الوصول إلى معلوماته وإيضاحاته سواء بالإقرار الصادر عن هذا الأخير أو بالإنكار، وما يبرّره ثمّ يقع البحث في مدى جدّيته وسلامة هذه الأقوال.
    ويتيح الإستنطاق للمتهم فرصة للتدخّل في الدعوى وأن يسمع صوته للسلطة المختصة بصفته صاحب الشأن الذي تتأثر مصلحته بالقضية، وقد نصّ الفصــل 69 م.إ.ج على أنّه : “يثبت حاكم التحقيق هوية ذي الشبهة عند حضوره لأول مرة ويعرفه بالأفعال المنسوبة إليه والنصوص القانونية المنطبقة عليها ويتلقى جوابه بعد أن ينبهه بأن له الحق في ألا يجيب إلا بمحضر محام يختاره وينص على هذا التنبيه بالمحضر“. وأخيرا إذا ثبتت صفة المتهم في الشخص يترتب عليها عديد الواجبات أهمها الخضوع إلى طلبات قاضي التحقيق القانونية والإلتزام والخضوع للأوامر الصادرة في نطاق القانون والمتعلقة بالإيقاف التحفظي.
    رغم ما أحاطه المشرع التونسي من ضمانات وإجراءات لعدم التعسف في استعمال هذا الإجراء، فإنه قد يحصل لسوء حظّ الشخص أن توجد قرائن وأدلة قوية تفيد أنه مرتكب الجرم وبالتالي يتخذ ضده قرار بالإيقاف والحال أنه بريء وبذلك يحق له المطالبة بالتعويض عن إيقافه تحفظيا.
    على أنه ليس لكل من أوقف تحفظيا ولم تثبت عليه الإدانة أن يستحقّ التعويض بل لابدّ أن يصدر لفائدته أحد القرارات التي إعتمدها قانون 2002 كسند لإستحقاق التعويض.
    2_ طبيعة القرارات الموجبة للتعويض:
    إن طرح مسألة قرارات الصادرة عن قاضي التحقيق لا يتعلق إلا بالنسبة لقرارات الحفظ بإعتبار أن قرارات الإحالة أو التخلي لا تنهي القضية وإنما تحيلها إلى جهات قضائية أخرى لتتعهد بها، وعموما فإن قرارات الحفظ الصادرة عن حاكم التحقيق لا توجب كلها التعويض، ورجوعا إلى قانون 2002 نلاحظ أنه إعتمد قرار الحفظ القانوني كسند للتعويض وإستبعد قرار الحفظ المادي.
  • اعتماد قرار الحفظ القانوني:
    إن حاكم التحقيق مكلف بالتحقيق في القضايا الجزائية والبحث بدون توان عن الحقيقة ومعاينة جميع الأمور التي يمكن أن تستند عليها المحكمة لتأييد حكمها وبعد أن ينتهي من إجراءات التحقيق في الدعوى المقامة أمامه فإنّه يتخذ قراره الختامي الذي يمكن أن يكون قرارا بأن لا وجه للتتبع حسب مقتضيات الفصل 106 م.إ.ج الذي ينص على أنه : “إذا رأى حاكم التحقيق أن الدعوى العمومية غير مقبولة أو أن الأفعال لا تشكّل جريمة أو أن الحجج القائمة على المظنون فيه غير كافية ، فإنّه يصدر قرارا بأن لا وجه للتتبع“. ويستخلص من هذا الفصل أن أسباب القرار الصادر بأن لا وجه للتتبع تكون إما قانونية أو واقعية.
    وقد عرّفت محكمة التعقيب القرار الصادر بأن لا وجه للتتبع لأسباب قانونية مقارنة بالقرار الصادر بأن لا وجه للتتبع الواقع لأسباب واقعية في قرار عدد 9580 مؤرخ في 27 فيفري 1974 وجاء به : “إذا كان الحفظ مركزا على أن الأدلة غير كافية لترجيح الإدانة فإنّه يكون حفظا فعليا، أما إذا كان مبنيا على أسباب واردة بالقانون الجزائي كقيام العذر الشرعي أو انقضاء الدعوى العمومية بإحدى الأسباب الشرعية إلى غير ذلك فإنه يكون حفظا قانونيا“.
    وقد عرف بعض الفقهاء قرار بأن لا وجه للتتبع بكونه أمر قضائي تصدره سلطة التحقيق لتقرّر عدم وجود مقتضى لإقامة الدّعوى الجنائية لسبب من الأسباب التي يبينها القانون.
    ويعرّف أيضا على أنه أمر قضائي من أوامر التصرف في التحقيق بمعناه الضيق لتصرف به النظر عن إقامة الدعوى أمام محكمة الموضوع لأحد الأسباب التي يبينها القانون، ويحوز على حجية من نوع خاص.
    وبالرجوع لقانون 2002 نلاحظ أنه تعرّض للقرار الصادر بأن لا وجه للتتبع لأسباب قانونية وهو ما يعبر عنه بقرار الحفظ القانوني والذي يمكن على أساسه استحقاق التعويض، فقد جاء بالفصل الأول من القانون يمكن لكل من أوقف تحفظيا مطالبة الدولة بالتعويض عن الضرر الذي لحقه من جراء ذلك في الأحوال التالية : إذا صدر في شأنه قرار بحفظ التهمة إما لأن الفعلة لا تتألف منها جريمة أو لأنه لا وجود لها أصلا أو لأنه لا يمكن نسبتها للمتهم.فقد يتضح لقاضي التحقيق أثناء قيامه بعملية البحث سبب من أسباب الإباحة أو مانع من موانع المسؤولية أو قد تكون هناك حالة من حالات انقضاء الدعوى العمومية وذلك رغم توافر أركان الجريمة فيضطر حاكم التحقيق إلى إصدار قرار الحفظ والمبنية على أسباب قانونية.
    وبالرجوع إلى القانون المذكور نستنتج أن المشرع قد أكد أن قرار الحفظ القانوني قد يتخذ من قبل قاضي التحقيق في شأن أحد المتهمين لتثبيت براءته من الأفعال المجرمة المنسوبة إليه بعد أن تمّ إصدار بطاقة إيداع في شانه وبالتالي فانه لا يستحق التعويض بالنسبة للشخص الذي ثبتت براءته بموجب قرار الحفظ القانوني الصادر عن حاكم التحقيق إلا إذا كان موقوفا تحفظيا بما يجعل احتمال حصول الضرر قائما هو ما يقصي من ميدان التعويض المتهم الواقع تتبعه وهو بحالة سراح، إذ أن هذا الأخير ليس له الحق في التعويض حتى في صورة صدور قرار في الحفظ لأسباب قانونية.
    ويستند طلب التعويض إلى قرار الحفظ القانوني لا إلى احتمال وجود خطأ في جانب قاضي التحقيق وذلك بإصداره لبطاقة إيداع بالسجن ضدّ متهم ثبتت فيما بعد براءته،إذ لم يقم حاكم التحقيق إلا بممارسة السلطات المخولة له قانونا.
    وسبب تأسيس المشرع التونسي للتعويض على أساس الحفظ القانوني راجع إلى كون هذا الأخير يستند إلى قرينة الحقيقة الثابتة من حيث المبدأ وهي لا تعني إلا القرارات التي إكتسبت حجية الأمر المقضي به، والتي لا يمكن مراجعتها بأي شكل من الأشكال.
    فالقرار الصادر بالحفظ القانوني الذي لم يقع الطعن فيه في الأجل المحدد قانونا أو الذي إستنفذ كلّ وسائل الطعن المتاحة يصبح بمثابة الحكم الصادر في موضوع القضية بمعنى أنه لا يجيز الرجوع إلى الدعوى الجزائية وهو ما يصبغه حجية الأمر المقضي به بما يجعله بطبيعته سندا لطلب التعويض على خلاف القرار الصادر بأن لا وجه للتتبع لعدم كفاية الحجة.

-استبعاد قرار الحفظ المادي:
إذا رأى قاضي التحقيق أنّ الحجج القائمة على المظنون فيه غير كافية فإنّه يصدر قرارا بأن لا وجه للتتبع ويأمر بالإفراج عن المظنون فيه إذا كان موقوفا. والقرار الصادر عنه هو قرار بأن لا وجه للتتبع لأسباب واقعية، أي حالة عدم قيام الحجة الكافية ويرجع تقدير كفاية الحجج أو عدم كفايتها لمطلق إجتهاد قاضي التحقيق وهو ما نستنتجه من العبارة الواردة بطالع الفصل 106 م.إ.ج “إذا رأى” وتكون الأدلّة التي أسفر عنها التحقيق غير كافية لترجيح الإدانة، أي أنه توجد أدلة لكنها غير كافية لإسناد الجريمة موضوع التتبع إلى المظنون فيه.
وتكون الحجج القائمة على المظنون فيه كافية إذا ترجحت معها كافة الإدانة ولا يشترط أن تكون حججا يقينية تؤدي قطعا إلى الإدانة لأنّ ذلك يدخل في نطاق وظيفة قاضي الموضوع الذي يفصل في الجريمة بناءا على اليقين لا على الشك والتخمين.
أما إذا كانت الأدلة لا تترجح معها الإدانة فإنّ قاضي التحقيق يصدر قراره بأنّ لا وجه للتتبع وذلك بإيقاف السير في إجراءات الدعوى العمومية وذلك بوضع حدّ للاتهامات القائمة على غير أساس وبناء على الشكوك، ويوفر على المتهمين مشقة الحضور أمام المحكمة، وعلى المحاكم وقتها الثمين الذي يجب أن يصرف في القضايا ثابتة.
فقرار الحفظ المادي هو قرار له حجية نسبية وظرفية، باعتباره وإن لم يثبت إدانة المتهم مبدئيا فإنه لم يثبت في المقابل براءته بشكل واضح وجليّ.
وبذلك يبرز أن المشرع التونسي لسنة 2002 أقصى من ميدان التعويض حالة من أوقف تحفظيا ثمّ صدر في شأنه قرار بحفظ التهمة المنسوبة إليه لعدم كفاية الحجة لأنّ هذا القرار لا تثبت به البراءة بصفة قطعية ويقينية.
ويبدو أنّ المشرّع التونسي متأثرا بتيار فقهي فرنسي سابق لصدور قانون 17 جويلية 1970 إذ يكرّس هذا الأخير فكرة “البراءة الواضحة” باعتبار أنّ هناك أشخاص يصدر في جانبهم قرار بحفظ التهمة لعدم كفاية الحجة ويبقى هناك شكّ قائم في جانبهم ولا يستحقون تبعا لذلك تعويضا لأنّ هذا الأخير يتطلب “براءة كاملة” لا يمكن أن يحوزها إلاّ القرار الصادر بأن لا وجه للتتبع لأسباب قانونية.
فعدم إعتبار قانون 2002 إمكانية أن يكون قرار الحفظ المادي سندا للتعويض له ما يبرّره إعتبارا إلى أن هذا القرار له حجية ظرفية ونسبية مشروطة بعدم ظهور أدلة جديدة يجوز معها إستئناف التحقيق من جديد وذلك ما لم تنته المدّة المقرّرة لسقوط الجريمة بالتّقادموما يدعم هذه الحجيّة الظرفيّة لقرارات الحفظ المادي الصادرة عن حاكم التحقيق هو إقرار المشرّع صلب الفصل 121 م.إ.ج إمكانية إستئناف التحقيق لظهور أدلة جديدة، إذ قد يؤول إستئناف التحقيق لظهور أدلة جديدة إلى إثبات إدانة من سبق أن صدر في شأنه قرار بحفظ التهمة لعدم كفاية الحجّة، وهو ما قد يؤدي في صورة إقرار إمكانية التعويض لمن صدر في شأنه مثل هذا القرار إلى تمتع شخص مذنب بالتعويض خاصة إذا ما تعلّق الأمر بجناية إعتبارا لطول مدّة سقوط التتبع في شأنها، ففي صورة التعويض للشخص الذي صدر في جانبه قرار بحفظ التهمة لعدم كفاية الحجة ثمّ يتمّ إستئناف التحقيق لظهور أدلّة جديدة فإنّ ذلك يؤدي إلى نتائج غير مقبولة لا منطقا ولا قانونا.
ومثال ذلك شخص وقع حفظ التهمة بشأنه لعدم كفاية الحجة، قد يكون متهما بجريمة قتل وهناك أدلة عديدة وهناك شاهد ربما شاهده مع القتيل في آخر وقت قبل وقوع الجريمة، وهناك ضغائن بينهما لكن ليس هناك وجود لأدلة الجريمة وواصل المتهم إنكاره وبالتالي يوجد شك وهذا الشكّ ينتفع به، فتحفظ التهمة ويطلق سبيله وبالنسبة لتمتعه بتعويض فهذا غير ممكن لأسباب عديدة أولهما هو أنّ هذا الشخص ليس بريئا بل تمتع بقرينة البراءة، ثانيها أنّ حفظ التهمة لعدم كفاية الحجة هو حفظ مادي وقد تطرأ أشياء وقد تكتشف حجج أخرى وعندئذ يتواصل التحقيق ويمكن أن يدان ذلك الشخص.
غير أنّه لابدّ من الإشارة إلى فقه القضاء الفرنسي وقبل صدور قانون 1970 قد رفض تعويض من صدر في جانبهم قرار بحفظ التهمة لعدم كفاية الحجة إعتبارا إلى أنّ المتهم لم يتمتع ببراءة كاملة وكان عليه أن يثبت براءته بشكل واضح وهذا الحلّ المعتمد يثير بعض الاستغراب عندما يذكر أن المتهم لم يثبت براءته إذ أنّ هذا الأخير ليست له سلطة التتبع والتحقيق حتى يتحمل إلتزاما بإثبات براءته.
لكن ما يلاحظ أنّ القانون الفرنسي لم يميّز عند إصداره لقانون التعويض بين قرار الحفظ المادي أو قرار الحفظ القانوني لطلب التعويض كما أن القانون البلجيكي أشار صراحة إلى أن قرار الحفظ سواء كان ماديا أو قانونيا يمكن أن يكون سندا لطلب التعويض.
غير أنه يمكن الإشارة إلى أن القانون البلجيكي إشترط أن لا تقلّ مدّة الإيقاف عن ثمانية أيام حتى يقوم الحق في التعويض في حين أن القانون التونسي لم يتعرّض إلى تحديد مدّة هذا الإجراء لطلب التعويض وهو ما يبدو أكثر ملائمة لهدف قانون التعويض الذي جاء لتكريس حماية الحرية كأحد الحقوق الأساسية.
وأخيرا تجدر الإشارة، أن المشرع التونسي أضاف إلى حالة الإيقاف حالة أخرى تمكن من خضع إليها ثمّ ثبتت براءته من طلب التعويض.
ب_ مرحــــــلــــــة المحاكـــمـــــــــــــــــة:
لقد أورد الفصل الأول من قانون عدد 94 المؤرّخ في 29 أكتوبر 2002 المتعلق بالتعويض صورة تتعلّق بإمكانية التعويض بالنسبة للأشخاص الأبرياء الذين سبقت إدانتهم من محاكم الدرجة أولى وسلّطت عليهم عقوبة سجنية.
وبذلك فإن استحقاق التعويض في هذه الحالة يقتضي مبدئيا ضرورة صدور حكم جزائي عن محكمة درجة أولى(1) مع وجوب أن يصدر لاحقا حكما معينا يكون سندا للتعويض (2 (
1 _ صدور حكم جزائي:
حتى يتسنى لطالب التعويض الحصول على مبتغاه، أوجب قانون 2002 ضرورة أن يصدر ضدّه حكم جزائي يقضي بتسليط عقوبة سجنية إضافة إلى ضرورة تنفيذها.

  • خضوع المتضرر لعقاب جزائي:
    لقد نص الفصل الأول من قانون عدد 94 المتعلق بالتعويض للموقوفين والمحكوم عليه الذين ثبتت براءتهم على أنه : “يمكن لكل من نفذت عليه عقوبة السجن مطالبة الدولة بالتعويض عن الضرر الذي لحقه..“.
    والمتمعن في أحكام الفصل يستشف أنّ تنفيذ العقوبة السجنيّة يقتضي ضرورة صدور حكم جزائي عن المحكمة المختصة يقضي بالإدانة وبالتالي تسليط العقوبة، وهو ما أوجبه قانون التعويض ذلك أنّ حق المطالبة بالتعويض تقتضي في البداية ضرورة صدور حكم عن محكمة درجة أولى يقضي بالإدانة وتسليط عقوبة سجنية ثمّ ثبوت البراءة لاحقا.
    وتتمثل عقوبة السجن في سلب حرية المحكوم عليه وإلزامه بالإقامة في أحد السجون المعدّة للغرض، وقد خصّص القانون الجزائي للعقوبة العديد من الأحكام،إذ تحتل الدرجتين الثانية والثالثة من سلّم العقوبات الأصلية المنصوص عليها بالمجلّة الجزائية.
    على أنّ الإشكال الذي يطرح هنا يتعلّق بالأشخاص الذين صدرت ضدّهم أحكام بالإعدام، ذلك أنّ ّقانون2002 لم يتعرّض إلى إمكانية إستحقاق التعويض بالنسبة للأشخاص الذين ثبتت براءتهم، بعد أن تمّ الحكم عليهم بالإعدام.
    وبالرجوع إلى الفصل الأوّل نلاحظ أنّ المشرّع التونسي أوجب لإستحقاق التعويض أن يكون طالبه قد تعرّض إما للإيقاف التحفظي أو لتنفيذ عقوبة سجنية وإستبعد من حالات التعويض من صدر ضدّه حكم بالإعدام من محكمة درجة أولى ثمّ ثبتت براءته والحال أنّ هذه العقوبة تعتبر خطيرة وأشدّ من عقوبة السجن.
    على أنّ المشرع التونسي قد أحاط الحكم بهذه العقوبة بالعديد من الإجراءات والاحتياطات اللازمة للتثبت والتروّي قبل النطق بها.
    إنّ الإجابة عن هذا الإشكال تقتضي ضرورة فهم أبعاد هذا القانون الذي سنّ ليعزّز مكانة الفرد ويحفظ كرامته ويكرس دولة القانون والمؤسسات وبالتالي فإن الشخص الذي صدر ضدّه حكم بالإعدام محكمة درجة أولى ثمّ ثبتت براءته لاحقا ويكون قد قضى فترة طويلة في السجن، يمكن له إستحقاق التعويض على أساس تلك الفترة المقضّاة في السجن، على أنّ الأخذ بهذا الرأي فيه شطط وخرق واضح للقانون باعتبار أنّ هذه الحالة أي عقوبة الإعدام مقصاة من حالات إستحقاق التعويض، وبذلك فمن صدر ضدّه حكم بالإعدام من محكمة درجة أولى ثمّ ثبتت براءته لاحقا فإنّه لا يمكن له المطالبة بالتعويض.
    وأخيرا، تجدر الإشارة إلى أنّ صدور حكم جزائي عن محكمة درجة أولى يقضي بالإدانة وتسليط عقوبة سجنية على المتهم لا يكفي لإستحقاقه التعويض، بل أوجب المشرّع ضرورة تنفيذ هذه العقوبة.
  • وجوب تنفيذ العقوبة:
    لقد أوجب الفصل الأوّل من قانون التعويض ضرورة تنفيذ العقوبة السجنية المسلّطة على طالب التعويض حتّى يتسنّى له الحصول على مبتغاه، وهذا أمر مفروغ منه بإعتبار أنّ تنفيذ العقوبة يجعل إحتمال وجود الضرر قائم خاصة وأنّ هذا الأخير شرط ضروري وأساسي لإستحقاق التعويض.
    وتأسيسا على مل سبق بيانه، نستشف أنّ المشرّع قد إستبعد من ميدان التعويض حالة الشخص الذي صدر ضدّه حكم غيابي قاضي بالإدانة عن محكمة درجة أولى ثمّ ثبتت براءته لاحقا، فهذا الشخص لا يمكن له المطالبة بالتعويض نظرا لغياب شرط أساسي وجوهري وهو وجود الضرر الذي يستوجب خضوع الشخص لأحد الإجراءات السالبة للحريّة والمتمثلة أساسا في الإيقاف التحفظي أو تنفيذ عقوبة السجن التي تتمّ أساسا بأحد السجون وهو ما نصّ عليه الفصل 13 من المجلة الجزائية الذي جاء به أنّه : “تقضى عقوبة السجن بأحد السجون“.
    وبالتالي فإنّ عدم خضوع الشخص لعقوبة السجن يؤدي إلى عدم حصول ضرر له وبالتالي عدم وجاهة إستحقاق التعويض.
    وأخيرا ما تجدر الإشارة إليه أنّ إستحقاق التعويض لا يستلزم صدور حكم جزائي أوّلي قاضي بالإدانة وتسليط عقوبة ووجوب تنفيذها فقط، بل لا بدّ أن يصدر لاحقا أحكام معيّنة تثبت البراءة بصفة قطعية وتكون تبعا لذلك سندا لإستحقاق التعويض.
    2 _ طبيعة الأحكام الموجبة للتعويض:
    يمكن لمن نفذت عليه عقوبة السجن أن يطالب بالتعويض عن الضرر المادي والمعنوي الذي لحقه جراء ذلك، إذا صدر في جانبه حكما يقضي بعدم سماع الدعوى أو إنقضت في جانبه الدعوى العمومية بموجب إتصال القضاء وتمت معاودة تتبعه جزائيا.
  • عدم سماع الدعـــوى:
    لقد نصّ الفصل 170 م.إ.ج على أنّه : “إذا رأت المحكمة أنّ الفعلة لا تتألّف منها جريمة أو أنّها غير ثابتة أو أنّه لا يمكن نسبتها إلى المتّهم فإنّها تحكم بترك سبيله“. وهذا الحكم يصبح باتا إذا ما إستنفذت في شأنه كلّ طرق الطعن أو أنّ آجال ممارستها إنقضت.
    وإذا ما أصبح الحكم بعدم سماع الدعوى باتا فإن الدعوى الجزائية تنقضي ويمنع السير في إجراءاتها بحيث لا يعود من الجائز إتّخاذ أيّ إجراء أو عمل يهدف إلى الرجوع إليها وتجديدها وإعادة النظر فيها أمام القضاء ولو تحت ستار تغيير الوصف القانوني للواقعة أو بناءا على ظهور أدلّة جديدة أو ظروف جديدة أو أي سبب من الأسباب. وهو ما إقتضاه الفصل 132 مكرّر م.إ.ج الذي ينصّ على أنّــه : “لا يمكن تتبّع من حكم ببراءته من جديد لأجل نفس الأفعال ولو تحت وصف قانوني أخر“.
    وإعتبارا إلى أنّ الحكم الذي صدر عن المحكمة الجزائية والقاضي بعدم سماع الدعوى إذا أصبح باتا تنقضي به الدعوى العمومية ولا يمكن معاودتها من جديد، هو الذي يبرّر إعتماد قانون التعويض لهذا الحكم كسند لإستحقاق التعويض.
    إذ بالرجوع للفصل الأول من قانون التعويض نجده ينصّ على أنّه : “يمكن لكلّ من أوقف تحفظيا أو نفذت عليه عقوبة السجن مطالبة الدولة بالتعويض عن الضرر المادي والمعنوي الذي لحقه من جرّاء ذلك في الأحوال التالية :
    – إذا صدر ضدّه حكم بالسجن ثمّ ثبتت براءته بوجه باتا للأسباب المذكورة أعلاه…“.
    وما يستشفّ من خلال ما سبق ذكره أنّ الحكم بعدم سماع الدعوى يجب أن يكون باتا ليِؤسس عليه حق التعويض وبالتالي فإنّ طلب التعويض في هذا المجال لا يثير جدلا بإعتبار وأنّ المتهم قضي في حقه إبتدائيا ثمّ تمت تبرئته في مرحلة ثانية أو تمّ إيداعه ثمّ قضي في حقه بعدم سماع الدعوى وأضحى الحكم باتا على أنّه بالرجوع للفصل الأول من قانون التعويض نلاحظ أنّه إستعمل عبارة “الأسباب المذكورة أعلاه” فما المقصود بها ؟
    إنّ الأسباب المذكورة أعلاه هي الأسباب التي ينبني عليها قرار الحفظ القانوني الصادر عن حاكم التحقيق وهي أنّ الفعلة لا تتألف منها جريمة أو أنّه لا وجود لها أصلا أو أنّه لا يمكن نسبتها إلى المتهم.
    وتأسيسا على ذلك، فإنّه لا يستحق التعويض بمجرّد صدور حكم عن المحكمة الجزائية يقضي بعدم سماع الدعوى، بل يجب أن يكون هذا الحكم مؤسسا على الأسباب القانونية المذكورة آنفا، وتبعا لذلك لا يمكن أن يؤسس إستحقاق التعويض على مقتضيات الفصل 170 م.إ.ج مثلما ذهب إليه البعض إعتبارا إلى أنّ الفصل المذكور تضمن صراحة إمكانية القضاء بعدم سماع الدعوى إذا كانت الفعلة غير ثابتة أي أنّه لم تقم الحجة الكافية لنسبتها إلى المتهم، وهي نفس الصورة التي يصدر فيها قاضي التحقيق قرار بأن لا وجه للتتبع لأسباب واقعية والتي لا يمكن أن تكون سندا للتعويض، بإعتبار أنّ من تثبت براءته بموجب قرار بأن لا وجه للتتبع لأسباب واقعية، مازال في جانبه شك ولم يتمتع “ببراءة كاملة” .
    ويثار إشكال قانوني هام يتمثّل في إيقاف متهم تحفظيا من قبل حاكم التحقيق، وبعد إجراء أعمال التحقيق، تمت إحالته على المحكمة المختصة التي رأت أنّ الفعلة لا تتألّف منها جريمة أو أنّه لا وجود لها أصلا أو أنّه لا يمكن نسبتها إلى المتهم وقضت تبعا لذلك بعدم سماع الدعوى، ففي هذه الحالة هل يحق لهذا الشخص المطالبة بالتعويض، خاصة وأنّه لم يصدر في جانبه حكما إبتدائيا يقضي بإدانته وتسليط عقوبة السجن عليه،و كذلك لم يصدر في شأنه قرار بحفظ التهمة لأسباب قانونية ؟
    إنّ المشرع التونسي لم يشر صراحة إلى هذه الصورة التي يوقف فيها المتهم تحفظيا ثمّ تثبت براءته بموجب حكم صادر عن محكمة درجة أولى سواء كانت دائرة جنائية أو جناحية أو محكمة ناحية.
    ويتأكد ذلك بالرجوع إلى مقتضيات الفصل الأوّل من قانون التعويض الذي نصّ على حالات معيّنة يجوز فيها إستحقاق التعويض، كلّ هذا يبقى التساؤل قائما فيما يتعلّق بإمكانية التعويض لمن أوقف تحفظيا وثبتت براءته بموجب حكم صادر عن محكمة البداية يقضي بعدم سماع الدعوى.وبالتالي نستشف أنّ إستبعاد إمكانية التعويض في مثل هذه الحالة تتنافى ومقتضيات العدالة ويبدو بعيدا عن الأهداف التي من أجلها سنّ هذا القانون.
    إضافة إلى هذه الحالة، إستبعد أيضا قانون 94 لسنة 2002 إمكانية التعويض في صورة صدور حكم بالإدانة وتسليط عقوبة بدنية على المتهم، إذ في بعض الحالات تصدر المحكمة الجزائية حكما يقضي بالإدانة غير أنها تحدد مدّة العقوبة بأقل من تلك التي قضاها المتهم في سجن الإيقاف بمقتضى بطاقة الإيداع الصادرة عن حاكم التحقيق، وهذا الاستبعاد يبدو في محلّه من حيث المنطق والقانون بإعتبار أن قانون 2002 لم يتناول إلا الذين “ثبتت براءتهم”.
    على أنّ عدم قبول هذه الإمكانية قد يمسّ بحقوق شخص قضى فترة إيداع بالسجن تتجاوز ما تمّ الحكم به من قبل المحكمة، وبالتالي فإنّ هذا الاستبعاد يعتبر ماسّا بمقتضيات العدالة وإحترام الحرية كحقّ أساسي يحظى بقيمة ثابتة.
  • إتصـــال القضـــــاء:
    لقد نصّ الفصل الأول من قانون التعويض على حالة أخرى تثبت بها براءة المتهم وتوجب التعويض وهي أن يصدر ضدّه حكم في موضوع سبق أن إتصل به القضاء. ذلك أنّه من المتفق عليه فقها وقضاء أن المحكمة الجزائية تتقيد بالأفعال المادية المحالة عليها ومن واجبها فحص تلك الأفعال فحصا يستوعب كلّ الأوصاف القانونية، فإن قضت بترك السبيل كان حكمها غير قاصر على الجريمة المحالة عليها بل شاملا لكلّ الجرائم التي يمكن أن تتألف منها تلك الأفعال، وبالتالي فإن القيام بدعوى ثانية بوصف جديد لنفس الأفعال التي سبق القضاء فيها سيشكل خرقا لمبدأ إتصال القضاء.
    كلّ هذا يتفق مع النص التشريعي الذي يمنع محاكمة شخص مرتين لأجل نفس الأفعالإضافة إلى ما جاء بالفصل 4 م.أ.ج : “تنقضي الدعوى العمومية بإتصال القضاء“.
    عموما فإن الحكم الذي إتّصل به القضاء هو الحكم الذي إصطبغ بحجية الأمر المقضي وتعليل حجية الحكم الجزائي تعود إلى مراعاة الاستقرار أو الأمن القانوني لتحقيق مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع معا، فتوفر الطمأنينة للفرد بوضع حدّ فاصل للنزاع يشعره بإمكانية الحياة الهادئة الحرة بعيدا عن خطر إثارة الجريمة من جديد، وتحقّق مصلحة المجتمع في حسن سير القضاء بمنع عرض النزاع الذي حكم فيه من جديد بما يترتب على ذلك من إحتمال تعارض الأحكام الأمر الذي يقلّل من إحترامها ومن الثقة في عدالة القضاء الذي أصدرها، فضلا عن زيادة أعبائه بإشغاله بطعون لا تعرف النهاية بما يصرفه عن النهوض الكامل بمهامه.
    كل هذه الأسباب جعلت المشرع التونسي يقرّ إمكانية استحقاق التعويض لمن تمّت مقاضاته من أجل فعل معيّن وأصبح ذلك الحكم باتا وتمت مقاضاته ثانية من أجل نفس الفعل، إلا أنّ المشرع لم يبين ما إذا كان مجرّد صدور حكم ضدّ من سبق أن ثبتت براءته في دعوى سابقة أو تمّت إدانته بموجب نفس الأفعال موضوع ذلك الحكم يكفي ليقوم الحق في التعويض أم أنّه لا بدّ من تنفيذ ذلك الحكم الجديد ؟
    يبدو من الصيغة الواردة بالنص أن المشرع يفترض صدور حكم ثان في نفس الموضوع قاضيا بعقوبة سجنية نفذت ضدّ المحكوم عليه حتى يتسنى طلب التعويض،لأن القول بخلاف ذلك أي أن يكون الحكم الثاني صادرا بالبراءة ليس له من معنى في الفلسفة التي يقوم عليها إقرار نظام التعويض،إضافة إلى أنّ تنفيذ العقوبة السجنية يجعل إحتمال حصول الضرر قائما خاصة وأن هذا الأخير شرط أساسي لإستحقاق التعويض.
    ويطرح إشكال هنا يتعلّق بكيفية إثبات البراءة في هذه الحالة،إذ لابدّ أن يتولى المتهم الذي حوكم من أجل واقعة معينة وصدر في شأنها حكم أنهى الدعوى الجزائية، ثم أقيمت الدعوى عليه ثانية من أجل ذات الواقعة الدفع بعدم جواز النظر في الدعوى لسبق الفصل فيها، وهو دفع موضوعي يهدف إلى عدم قبول الدعوى الجديدة لأنها هي بعينها الدعوى التي تمّ الفصل فيها والتمسّك بهذا الدفع حق لأطراف الدعوى إضافة إلى أن المحكمة يجب أن تثيره من تلقاء نفسها لتعلقه بالنظام العام. وهذا ما جعل البعض يعتبر أن إحتمال طلب التعويض على هذا السند يبدو ضعيفا إن لم نقل مستحيلا، إذ لا يعقل أن يكون المتهم قد سلبت حريته من أجل نفس الأفعال ولا يتمسك بالدفع بسبق مقاضاته من أجلها إلاّ أن الأمر وارد من الناحية الواقعية إذا تعلّق الأمر بالأحكام الغيابية أو الأحكام المعتبرة حضورية، وفي صورة عدم تمسك المتهم بسبق مقاضاته فإنه يتحمل مسؤولية الضرر الواقع عليه بسكوته إعتمادا على ما جاء بالفصل 4 من هذا القانون.
    على أنّ هذا الرأي فيه خرق واضح للقانون، فالمتهم الذي لا يتمسك بالدفع بسبق مقاضاته لا يتحمّل مسؤولية ذلك تطبيقا للمبدأ القانوني القائل أنه لا يعاقب أحد مرتين من أجل نفس الفعلة، كما أنه لا يفقد حقه في التعويض إعتبارا إلى أنّ قانون 2002 نصّ صراحة على إمكانية إستحقاق التعويض في صورة صدور حكم بالسجن في موضوع سبق أن إتصل به القضاء.
    وإذا توفرت حالة من حالات إستحقاق التعويض إضافة إلى توفر شرطا البراءة والضرر يحظى المتضرر بتعويض من جراء خضوعه لأحد الإجراء السالبة للحرية ويتميز هذا التعويض بنظام خاص يختلف عن التعويض الوارد بقواعد المسؤولية المدنية، ويتعين النظر في إجراءات المطالبة بالتعويض وتقديره.
    المبحث الثاني : التعويض المستحق للموقوفين والمحكوم عليهم الذين ثبتت براءتهم
    يسعى المشرع التونسي في ظل السياسة الجنائية الحديثة لجعل هذه الأخيرة متماشية مع السياسة الإجتماعية، ولتخفيف الوطء على الأشخاص الذين كانوا عرضة لإجراءات زجرية تمسّ من حريتهم وكرامتهم فقد أقرّ المشرع التونسي التعويض للموقوفين والمحكوم عليهم الذين ثبتت براءتهم، ولعلّ في هذا التعويض ما يحوي مفهوم الاعتذار الضمني للأشخاص الذين تعرّضوا لإجراءات نالت منهم في أجسادهم وأنفسهم، ويتميز قانون 2002 بإعتماده لنظام خاص في التعويض يبرز خصوصية هذا القانون على أنّ ذلك لا يبرر عدم الرجوع والاستئناس بأحكام القانون المدني كلما إقتضى ذلك.
    ولقد تعرض المشرع التونسي إلى التعويض المستحقّ للموقوفين والمحكوم عليهم الذين ثبتت براءتهم ضمن الباب الثالث تحت عنوان” في التعويضات” في الفصول 13و14 و15 من قانون 2002 والنظر في التعويض المستحق يستوجب في البداية قيام المتضرر لدى القضاء لطلب التعويض(الفقرة الأولى) ثم تقدير التعويض المناسب(الفقرة الثانية(
    الفقرة الأولى : طلــــب التعويــــــــض
    لئن كان الحق في التعويض ينشأ من لحظة وقوع الضرر، فإن هذا الحق يظلّ متخفّ إلى حين صدور الحكم الذي يكشفه ويقويه ويحولّه إلى علاقة مديونية على حد تعبير الأستاذJean Carbonnier” “. فقبل الحكم لا يكون للمتضرر سوى سبيلا قانونيا وإمكانية تحويل هذا الحق إلى علاقة دائنية وذلك باللجوء إلى القضاء أي بتحريك الدعوى ضد المسؤول، وبالتالي فالحكم هو الذي يعطي فعالية للحق ويحولّه من سكونه وجموده إلى دين في ذمة المسؤول.
    وبالرجوع لقانون 2002 نلاحظ أنه قد أوجب عل كل طالب تعويض ضرورة اتباع إجراءات معينة(أ) لتكريس حقه في التعويض ومطالبة المسؤول بأدائه (ب(
    أ _ إجراءات طلب التعويــــــض:
    لكل حق دعوى تحميه ودعوى التعويض هي الوسيلة القانونية لإقرار حق التعويض، وهي الوسيلة القضائية التي يستطيع من خلالها المتضرر الحصول على تعويض وقد نص قانون عدد 94 لسنة2002 المؤرخ في 29 أكتوبر 2002 المتعلق بالتعويض للموقوفين والمحكوم عليهم الذين ثبتت براءتهم، على جملة من الإجراءات وأوجب إتباعها، حتى يتسنى لطالب التعويض الحصول على مبتغاه.
    وهذه الإجراءات تتعلق أساسا بمطلب التعويض)1) وبطريقة إستدعاء المطلوب(2(
    1 _ شروط مطلب التعويض:
    لقد إقتضى قانون 2002 أن يتضمن مطلب التعويض جملة من التنصيصات الوجوبية إضافة إلى وجوب تقديمه في الأجل المحدد قانونا.
  • التنصيصات الوجوبية للمطلب :
    لقد أوجب المشرّع في الفصل 6 من قانون التعويض جملة من التنصيصات لا بدّ أن يتضمنها مطلب التعويض إعتبارا إلى أنّ هذا الفصل إعتمد عبارة “يجب” وبالتالي فإن تخلّف أحد هذه التنصيصات أو غيابها قد يترتب عنه بطلان عريضة الدعوى خاصة إذا ما تعلّق الأمر بأحد التنصيصات الهامة والجوهريّة التي لها تأثير كبير في وجه الفصل في القضية.
    وقد نصّ قانون 2002 على أن يرفع مطلب التعويض إلى كتابة محكمة الاستئناف بتونس بواسطة محامي وذلك بعريضة كتابية مصحوبة بالمؤيدات ويجب أن تشتمل على العنوان المختار للطالب ووقائع الدعوى وتاريخ الإيداع بالسجن وتاريخ وعدد القرار الصادر بحفظ التهمة أو الحكم القاضي بالبراءة ومبلغ التعويضات المطلوبة وأسانيدها القانونية.
    والملاحظ من خلال هذا الفصل أنّ المشرع أوجب على طالب التعويض تقديم مؤيدات دعواه إضافة إلى باقي التنصيصات الأخرى وهو ما يبرز عدم كفاية هذه التنصيصات لرفع الغموض والفصل في القضية، خاصة وأن القاضي في النزاعات المدنية يعتبر حكما وعليه فمن واجب القائم بالدعوى تحديد النزاع وضبط طلباته وتقديم الحجج المدعمة لهاسعيا للوصول لمبتغاه وهو التعويض عن الضرر الذي لحقه جراء خضوعه لأحد الإجراءات السالبة للحرية.
    ولمّا كانت الدعوى تهدف إلى تعويض الضرر، وجب تبعا لذلك أن تكون هذه المؤيدات مثبتة لوقوع الضرر، وحتى يكون هذا الضرر موجبا للتعويض ينبغي أن تتوفر فيه العديد من الشروط التي تم تحديدها بالفصل 13 من قانون التعويض وبالتالي فإنّ إثبات شروط الضرر من الأسس التي تجعل حظوظ طالب التعويض وافرة للحصول على مبتغاه، وبذلك فإنّ إعتماد المشرّع لمصطلح “المؤيدات” بالفصل 6 من قانون التعويض يقصد به أساسا إثبات الضرر وشروطه خاصة وأن باقي التنصيصات الوجوبية تستكمل بها مبدئيا أوراق القضية.
    غير أن السؤال المطروح يتعلق بما إذا كانت المحكمة ستكتفي بما يقدمه طالب التعويض أم انه يمكن لها استكمال الأبحاث وذلك بإحالة القضية على قاض مقرر وإنتداب أهل الخبرة للقيام بالاختبارات اللازمة للتثبت من حصول الضرر ومن توفر نوع الضرر المستوجب للتعويض.
    إنّ الإجابة عن هذا الإشكال تستوجب الرجوع إلى قانون المرافعات المدنية والتجارية لغياب نص خاص ينظم هذه المسألة في قانون 2002 خاصة وأن هذا القانون قد نص على هذه الإمكانية إذ جاء بالفصل 12 منه: “تنطبق على مطالب التعويض قواعد الإجراءات المبيّنة بـ م.م.م.ت فيما لا يتخالف مع أحكام هذا القانون“.
    وبالرجوع إلى م.م.م.ت في الفصول 101 وما بعده يمكن للمحكمة المختصة بالنظر في مطالب التعويض إنتداب خبير، على أن رأيه لا يقيد المحكمة، كما أوجب الفصل 102 من م.م.م.ت أنه إذا كانت الدولة طرفا في القضية فإن الاختبار يكون بواسطة ثلاثة خبراء إلا إذا إتفق الطرفان على خبير واحد.
  • أجل تقديم المطلب:
    جاء بالفصل الثالث من قانون التعويض أن طلب التعويض يرفع خلال أجل ستة أشهر من تاريخ صيرورة القرار أو الحكم المحتج به باتا وإلاّ سقط الحق.
    ومبدئيا لا بدّ من تحديد متى يصير القرار أو الحكم باتا حتى يمكن أن يكون سندا لرفع مطلب التعويض.
    فيما يتعلق بقرار بأن لا وجه للتتبع لأسباب قانونية الصادرة عن حاكم التحقيق والذي يمكن أن يكون سندا للمطالبة بالتعويض، فقد نصّ الفصل 109م.إ.ج على أن: “قرارات حاكم التحقيق تحال فورا على وكيل الجمهورية للاطلاع عليها وله حقّ إستئنافها في جميع الحالات في ظرف أربعة أيام من تاريخها.
    ويعلم القائم بالحق الشخصي بالقرارات في ظرف ثمانية وأربعين ساعة وله حق إستئناف ما كان مجحفا بحقوقه المدنية قبل مضي أربعة أيام من تاريخ الإعلام.وقرار الإحالة على دائرة الاتهام يعلم به المظنون فيه ويكون له حقّ إستئنافها في الأجل نفسه“.
    وبالتالي، لا يجوز للمظنون فيه حسب الفصل المذكور، إلاّ استئناف القرار القاضي بإحالته على دائرة الاتهام، وبداهة فإنّه لا مبرر ولا مصلحة في من صدر في شأنه قرار بأن لا وجه للتتبع أن يستأنفه فيصبح القرار باتا بداية من تاريخ انتهاء أجل إستئنافه، إذا لم يقم بإستئنافه بقية الأطراف المخول لهم ذلك.
    أما النيابة العمومية وحسب منطوق الفصل 109 م.إ.ج يمكنها إستئناف جميع قرارات ختم البحث المتخذة من قبل حاكم التحقيق إعتبارا إلى أن دورها يتمثل في حماية الدعوى العمومية المتمثلة في حق المجتمع في توقيع العقاب اللازم على مقترفي الجريمة، ومن بين القرارات القرار القاضي بأن لا وجه للتتبع فإذا لم تمارس النيابة العمومية حقها في الطعن في تاريخ أربعة أيام من تاريخ صدوره فإن القرار يصبح باتا.
    أما فيما يتعلق بإستئناف القائم بالحق الشخصي وخاصة في حالة صدور قرار بأن لا وجه للتتبع، إذا تراءى له أن فيه إجحاف بحقوقه المدنية ومضرّ بمصالحه فإنّ له أجل أربعة أيام لاستئناف القرار وذلك من تاريخ إعلامه به، وإذا إنقضى ذلك الأجل ولم يمارس حقه في الاستئناف فإن القرار يصبح باتا ويكون تبعا لذلك سندا للمطالبة بالتعويض.
    أما بالنسبة للأحكام والقرارات الصادرة عن المحاكم الجزائية المختصة فإنها تصبح باتة متى استنفذت فيها طرق الطعن أو أنّ آجال ممارستها قد إنقضت ويتوجب أن تكون هذه الأحكام أو القرارات قاضية إما بعدم سماع الدعوى أو بإنقضاء الدعوى بموجب إتصال القضاء أو ثبوت البراءة بموجب آلية إعادة النظر.
    وبالرجوع للفصل 213 م.إ.ج نجده ينص على أن : “الاستئناف يكون غير مقبول فيما عدا صورة القوّة القاهرة إن لم يقع في أجل أقصاه عشرة أيام من تاريخ صدور الحكم الحضوري أو من تاريخ الإعلام بالحكم الذي إعتبر حضوريا على معنى الفصل 175 فقرة أولى م.إ.ج أو من تاريخ إنقضاء أجل الاعتراض على الحكم الغيابي، كما يمكن أن يسقط الاستئناف إذا لم يقع إعلام المتهمين والمسؤولين مدنيا خلال أجل ستين يوما بالنسبة لاستئناف الوكلاء العامين لدى محاكم الاستئناف فإنه بالنسبة للطعن بالتعقيب وهو طريقة طعن غير عادية فإنه بالرجوع للفصـــل 262 م.إ.ج نجده ينصّ على نفس الآجال وهي عشرة أيام وستين يوما.
    وقد كرّس فقه القضاء التونسي هذا التوجه في العديد من القرارات منها القرار الجزائي عدد 5873 مؤرخ في 4 ديسمبر 1968 : “إنّ آجال الطعون في الأحكام يتحتم احترامها لتعلّقها بالنظام العام“.
    وقد أثير أثناء مناقشة مشروع قانون التعويض طلب يتعلق بالترفيع في الأجل المحدد لرفع مطلب التعويض إلى سنة عوضا عن ستة أشهر وذلك ضمانا لتوفير ظروف أيسر وأفضل لصاحب الحق لتقديم مطلبه بهدف الحصول على تعويض خاصة وأن هذا الأجل يطرح عديد الصعوبات بالنسبة للورثة باعتبارهم ليسوا أطرافا في الدعوى العمومية ولا يمكنهم الإلمام بوضعية مورثهم بما قد يهدر حقهم في طلب التعويض غير أن المشرع التونسي إعتمد أجل ستة أشهر حتى لا يطيل أمد نزاعات المطالبة بالتعويض وحتى لا تندثر وسائل الإثبات.
    وهذا الحلّ المعمول به من طرف المشرع التونسي يبدو منطقيا لعدّة إعتبارات إذ من شأنه إستبعاد عرض دعاوى المطالبة غير الجدية على المحكمة وما ينجرّ عنه من تكاثر مطالب التعويض وإهدار لوقت المحكمة الثمين.كذلك فإنّ الأجل المعمول به في التشريع التونسي كرسته جلّ التشريعات المقارنة من ذلك المشرع الفرنسي، على أن بعض القوانين المقارنة قد رفعّت في أجل المطالبة إلى سنة، من ذلك القانون السويسري.
    وقد أثير إشكال أثناء مناقشة مشروع قانون التعويض يتعلق بكيفية الإعلام بهذه القرارات أو الأحكام حتى يمكن لمن لحقه ضرر المطالبة بالتعويض خاصة وأن الفصل الثالث لم يتعرض إلى ذلك، غير أنّه يمكن تجاوز هذا الإشكال باعتبار أنّه لا حاجة للإعلام إذ المبدأ في المادة الجزائية هو أنّ المتهم يقع إستدعاءه للحضور لدى المحكمة مرّة واحدة وذلك إحتراما لحق الدفاع، ثمّ أنّ مسؤولية متابعة القضية محمولة على المعني بالأمر، وحرصا على مصالحه يمكنه الاتصال بكتابة المحكمة كلّما إقتضى الأمر ذلك.
    وهذا ما جعل قانون 2002 يعتبر أنّ أجل القيام بطلب التعويض لا يبتدئ من تاريخ الإعلام وإنما من تاريخ صيرورة الحكم أو القرار باتا، وهو أمر بإمكان المتهم الحريص أن يعلمه.
    إن إحترام الأجل المحدد قانونا من طرف طالب التعويض للقيام بدعواه غير كاف لاستحقاقه التعويض، بل لا بدّ من احترام الشروط المتعلقة بالإستدعاء.
    2 _ شروط إستدعاء المطلوب:
    إن النظر في هذا الشرط يقتضي ضرورة تعريف المطلوب ثم التعرض إلى شكل الاستدعاء.
  • تعريف المطلــــوب:
    لقد نص الفصل الأول من قانون 2002 على أنه يمكن لكل من أوقف تحفظيا أو نفذت عليه عقوبة السجن مطالبة الدولة بالتعويض عن الضرر الذي لحقه.
    وبذلك فالمدّعي عليه في مادة التعويض هي “الدولة” وبالتالي فالمشرع التونسي مثل كل التشريعات تقريبا التي أقرت التعويض للموقوفين والمحكوم عليهم الذين ثبتت براءتهم إعتبر الدولة طرفا مطلوبا في دعوى التعويض إعتبارا إلى أنها تتحمل تبعة الأضرار المترتبة عن سير مرفق القضاء العدلي.وتجدر الإشارة، إلى أن وجود الدولة كطرف مدعى عليه يوجب مقاضاتها لدى المحاكم المنتصبة بتونس ومشرع 2002 لم يخالف هذه القاعدة وعهد لمحكمة الاستئناف بتونس بالنظر في دعاوى التعويض.
    وقد أوجب فقه القضاء التونسي توفر شروط في جانب المطلوب وإعتبر أن : “المقام عليه يجب أن يكون ذا أهلية وصفة“وإعتبارا إلى أن الدولة منزّلة منزلة الصغير غير المميز فلا بدّ من القيام على من يمثلها قانونا.ودعوى التعويض يستوجب أن يتم رفعها ضدّ المكلف العام بنزاعات الدولة كلما كانت الدعوى موجهة ضدّ الدولة أو ضدّ أحد المؤسسات العمومية ذات الصبغة الإدارية، وفي هذا الإطار يجب الرجوع إلى ما نص عليه القانون عدد13 لسنة 1988 المؤرخ في 7 مارس 1988 المتعلق “بتمثيل الدولة والمؤسسات العمومية ذات الصبغة الإدارية والمؤسسات الخاضعة لإشراف الدولة لدى سائر المحاكم” إذ جاء بفصله الأول : “ترفع من المكلف العام بنزاعات الدولة أو ضدّه الدعوى التي تكون الدولة طرفا فيها طالبة كانت أو مطلوبة لدى المحاكم العدلية أو الإدارية…“.
    ورجوعا إلى قانون 2002 المتعلق بالتعويض نلاحظ أنه لم يخالف هذه القاعدة.
  • شكل الاستدعــــاء:
    يجب أن يرفع طالب التعويض المطلب محتويا على جميع التنصيصات ومحترما للآجال، ويتولى كاتب المحكمة تقييد العريضة بالدفتر المعد للغرض ويحيلها على رئيس المحكمة الذي يأذن بنشر القضية بالجلسة التي يعينها ويأذن بجلب الملف. كما أوجب قانون 2002 على طالب التعويض إحترام جملة من الشروط المتعلقة أساسا بشكل الاستدعاء، فقد نص الفصل 6 منه : “ وعلى الطالب إستدعاء المكلف العام بنزاعات الدولة للحضور أمام المحكمة في أجل لا يقل عن 60 يوما قبل تاريخ الجلسة وذلك بواسطة عدل منفذ ويكون الاستدعاء مرفوقا بالوثائق المستند إليها“.
    والملاحظ من خلال هذا الفصل أن المشرع أوجب على طالب التعويض إستدعاء المكلف العام بنزاعات الدولة في أجل محدد قانونا بستين يوما قبل تاريخ الجلسة، وعدم إحترام هذا الأجل يعرّض الدعوى للرفض.
    كما أوجب أن يتم الاستدعاء بواسطة جهاز مختص يتمثل في المؤسسة القانونية المعروفة بعدل التنفيذ مع ضرورة توجيه نظير من عريضة الدعوى ونسخة من المؤيدات إلى المكلف العام بنزاعات الدولة بإعتباره إجراء وجوبي يؤدي إلى رفض الدعوى شكلا في صورة عدم إحترامه.
    وهذه المهمة التي يقوم بها العدل المنفذ منصوص عليها بالفصل 5 م.م.م.ت : “كل إستدعاء أو إعلام بحكم أو تنفيذ يكون بعدل منفذ ما لم ينصّ القانون على خلاف ذلك.” وقانون 2002 لم يخرج عن هذه القاعدة إذ عهد لعدل التنفيذ مهمة تبليغ الاستدعاء إلى المطلوب وبالتالي فإنّ إحتكار عدل التنفيذ لهذه المهمة أدى إلى تخليص القاضي من أعباء هذه العملية كتحرير الإستدعاءات أو الإشراف على توجيهها والتي كانت من وظائفه في ظلّ مجلة المرافعات المدنية الصادرة في 1910.
    وإعمال أحكام الفصل 5 م.م.م.ت يدلّ على توجه المشرع التونسي إلى تحميل الأطراف ومساعدي القضاء ببعض الأعمال الإجرائية،إضافة إلى ذلك فإن الاستدعاء بواسطة عدل منفذ يحقّق ضمانات لا يوفّرها التبليغ بالطريقة الإدارية خاصة منها المعتمدة على أجهزة البريد، وأهم هذه الضمانات هي إثارة مسؤولية عدل التنفيذ عندما يخطأ في عملية التبليغ، كما أنه يتأكد من بيانات محضر التّبليغ. على أن إيجابيات الاستدعاء بواسطة عدل المنفذ لا تخفي سلبياته، ذلك أنها طريقة مكلفة مقارنة بالاستدعاء بالطريقة الإدارية مما قد يثقل كاهل طالب التعويض.
    وما دام النزاع القضائي يستوجب حضور الأطراف حتى يتسنّى للمدعي إثبات حقوقه بما له من مؤيدات ويكون للمطلوب إمكانية الإقرار بها أو دحضها وهذا ما يستدعي إعلام المطلوب بالدعوى حتى تتيسر له الإجابة عنها.
    ولذلك فرض القانون على المدّعي إستدعاء خصمه للحضور أمام المحكمة ليجيب عن الدعوى، والتثبت من سلامة إجراءات تبليغ الاستدعاء هو من الإجراءات الأولية ضرورة أنّه لا يجوز النّظر في إدعاءات الطالب وفحص مؤيداته قبل التحقّق من كونه أعلم الطرف المقابل بطلباته بصفة قانونية.
    وقد قضت محكمة الاستئناف بتونس في قرارها عدد 16 بتاريـخ 20/05/2005 برفض مطلب التعويض شكلا نظرا لكون محامي الطالب تقاعس عن القيام بإستدعاء خصمه للحضور.
    وعموما فإن طالب التعويض حتى يتسنى له الحصول على هدفه وجب عليه إحترام كلّ الشروط الشكلية السالفة الذّكر، وهذه الشروط هي بالأساس إجرائية ومن المعلوم أن القواعد الإجرائية آمرة وتهم النظام العام وتتطلب لاحترامها معرفة قانونية دقيقة قد تخفى على العموم، بما قد يفقد العديد من طالبي التعويض حقهم.
    ب_ الجهة المطالبـــــة بالتعويــــض:
    إن الضرر الواقع للمتضرر من إيقاف التحفظي أو من تنفيذ عقوبة السجن ناتج بالأساس عن خلل في سير عمل العدالة، وبما أن المجتمع هو المستفيد الأول من سير هذا المرفق فإن الدولة هي التي تتحمل التعويض عن ذلك الضــــرر (1) إلا أن خطأ هذا المرفق يمكن أن يكون نتيجة لسوء نية الشاكي أو القائم بالحق الشخصي أو شاهد الزور المتسبب في صدور القرار أو الحكم مصدر الضرر وهو ما من شأنه أن يبرر رجوع الدولة عليهم (2(
    1_ التعويض على كاهل الدولة:
    إن تحميل الدولة واجب التعويض للمتضرر من الإيقاف أو تنفيذ عقوبة السجن يجرنا إلى البحث عن أساس المسؤولية ثم إلى إنعكاساتها.
  • أساس مسؤولية الدولة:
    إن إقرار التعويض للمتضرر من جراء الإيقاف التحفظي أو تنفيذ عقوبة السجن الغير مبررة قانونا، يقتضي أن هناك شخصا ماديا أو معنويا سيحمل على كاهله واجب التعويض المفروض، وباعتبار أن الضرر الحاصل ناشئ عن السير الخاطئ لمرفق العدالة، يحق التساؤل عن مسؤولية الدولة عن أعمال السلطة القضائية التي لم تلق قبولا لدى الكثير من الفقهاء الذي وقفوا منها موقف المعارضة، ولم يروا فيها مبررا كافيا لإبعاد أعمال القضاة من نطاق المسؤولية. وأوّل من أقرت مسؤولية الدولة عن التوقيف الاحتياطي التعسّفي هي محكمة باريس الابتدائية الكبرى منذ سنة 1966، وإستندت في أحكامها على مبدأ رفع دعوى التعويض إذا توفرت شروط مخاصمة القضاة.ثم هجرت هذا المبدأ في سنة1981 وأخذت في أحكامها اللاحقة بمبدأ جواز قيام مسؤولية الدولة متى أمكن توافر شرطين وهما إثبات وجود خطأ مرفقي وتوافر براءة طالب التعويض.
    وعموما، فقد حمّل المشرع في إطار قانون عدد 94 لسنة 2002 مسؤولية تعويض الشخص عن ضرره المادي والمعنوي للدولة وذلك في الفصل الأول منه رغم أن معظم التشريعات لم تقرر مبدأ التعويض عن التوقيف الإحتياطي التعسفي وذلك من باب عدم مسؤولية القضاة عن أعمالهم ولو أخطأوا التقدير وكذلك عدم مسؤولية الدولة عن هذه الأعمال.
    ولعل من أبرز سمات هذا القانون خصوصية نظام التعويض، بإعتبار أن المسؤولية الواقع إقرارها هي مسؤولية مفترضة لا يمكن إعفاء الدولة منها وهي بذلك تختلف بطبيعتها عن المسؤولية المحمولة على الدولة في القانون العام والناتجة عن أخطاءها أو أفعالها الضارة والتي تتميز بنظام مختلف يشترط فيه إثبات الخطأ، وبالتالي فإن القانون التونسي يتميز بنظام مزدوج للمسؤولية :
    الأولى في القانون العام منصوص عليها بالفصل 84 م.إ.ع ويشترط فيها إثباب الخطأ.
    الثانية نظام خاص للمسؤولية دون إثبات الخطأ حسب قانون 2002.
    وبالتالي عندما يطبق النص الخاص، يحفظ العام بإعتبار أننا أمام نظام خاص للمسؤولية.
    وتنبني مسؤولية الدولة عن الأضرار التي تسبب فيها مرفق الفضاء العدلي على أساس تحمل المخاطر أي نظرية الخطر الإجتماعي غير العادي، فتكون الجماعة المتمثلة في الدولة ملزمة بتعويض الأضرار.
    وبالتالي يمكن القول أن أساس هذه المسؤولية يكمن في أن المرافق العامة تعمل لصالح الجماعة التي تستفيد منها، فإذا ترتب على سير المرافق العامة ضرر خاص بأحد أعضاءه، فإنّه من العدل أن تتحمل الجماعة عبء تعويضه، ولذلك يكون للفرد الموقوف إحتياطيا تعسفيا الحق في التعويض بناءا على الخطر الإجتماعي الذي يتعرض له بوصفه فردا في الجماعة، لا بسبب الخطأ في إتخاذ الإجراءات الجنائية ضدّه.
    ويبدو أن المشرع التونسي من خلال قانون 2002، قد تبنّى صراحة هذه النظرية لإقرار مسؤولية الدولة عن الأضرار التي يتسبب فيها مرفق القضاء العدلي نتيجة للإيقاف التحفظي” غير العادل” أو تنفيذ العقوبة السجنية.
  • إنعكاسات مسؤولية الدولة:
    إن إرساء مسؤولية الدولة وتحميلها واجب التعويض للشخص المتضرر يعتبر ضمان إضافي للمتقاضي في تركيز ثوابت إحترام الفرد وحماية حريته وعدم الإستخفاف بها بحيث لا يكون قرار الإيقاف أو الحكم بالسجن إلا على أسس ثابتة وله ما يبرره قانونا وطبقا للإجراءات المعينة.
    وعموما، فإنّ إقرار مسؤولية الدولة عن الأضرار التي يتسبب فيها مرفق القضاء العدلي يعكس حرصا من المشرع على عدم إمكانية مساءلة القضاة باعتبار أن مخاصمة القضاة تعتبر طريقا صعبا أحيط فيه القضاة بضمانات كبيرة قصد حمايتهم وعدم إعطاء الفرصة لأحد لمساءلتهم، علاوة على أنه لو ترك القاضي تحت تهديد دعاوى التعويض المرفوعة ضدهم فلن يشعر بالاستقلال في الرأي عند القيام بعمله وقد يؤدي ذلك إلى تعطيل مرفق القضاء.
    إضافة لذلك فإن إقرار مسؤولية الدولة في ميدان هام وحساس يتعلق بحرية الفرد أمام الجهاز القضائي سيزيد حتما في توفير الضمانات الجزائية للمتقاضي وسيمكن جهاز القضاء من إتخاذ القرارات الصائبة وذلك من خلال مزيد التدقيق والحرص والحذر عند اتخاذ أي إجراء سالب للحرية حتى لا يثقل كاهل الدولة بتعويضات هي في غنى عنها.
    ورغم إيجابيات إقرار مسؤولية الدولة عن الأضرار المترتبة عن سير العدالة، فإنه يخشى على مستوى التطبيق أن تكون واعزا للبحث عن الإدانة مهما كانت الأسباب وعدم الحكم بالبراءة بأقصى ما يمكن لتفادي إنعكاسات قرار الحفظ أو البراءة من حيث إقرار مسؤولية الدولة بها خاصة وأنه ما يلاحظ على مستوى التطبيق كثرة المطالب المرفوضة أصلا بتعلّة تسبب الشخص كليا أو جزئيا في إيقافه أو تنفيذ عقوبة السجن عليه.
    على أن الثقة وروح المسؤولية التي يتمتع بها قضائنا تجعلنا نعتقد أن إقرار مسؤولية الدولة عن الأضرار المترتبة عن سير العدالة سيعزز المنظومة القضائية وسيزيد من إرساء روح الشعور بالطمأنينة لدى المتقاضين.
    2 _ حق رجوع الدولة على الغير:
    إن رجوع الدولة بما دفعته على الغير يثير العديد من الإشكاليات سواء على المستوى القانوني أو على مستوى فقه القضاء.
  • على المستوى القانوني:
    لم يمنح المشرع التونسي للدولة حق الدفع بمسؤولية الغير للتفصي من التعويض، والهدف من ذلك هو تجنيب المتضرر متاهة الخوض في إجراءات مرهقة ومكلفة ضدّ أشخاص قد يعجز لاحقا عن تنفيذ الحكم ضدهم بسبب عسرهم وبالتالي فإنّ مسؤولية الدولة تمتدّ لتستوعب هذه الوضعية مع تقرير حقها في الرجوع بما دفعته على من تسبب عن سوء نية وعمدا في صدور الحكم مصدر الضرر.
    فقد جاء بالفصل 14 من قانون عدد 94 لسنة 2002 على أنه: “للدولة أن ترجع بما دفعته على الشاكي أو القائم بالحق الشخصي أو شاهد الزور إذا تسبب عن سوء نية في صدور القرار أو الحكم مصدر الضرر.”
    والملاحظ أن الفصل 14 المذكور جاء تقريبا بنفس صياغة الفصل 150م.إ.ج الفرنسية، إذ خوّل هذا الفصل للدولة حق الرجوع بقيمة التعويض الذي منح لمن تضرر من التوقيف الإحتياطي، على المبلّغ سيئ النية أو شاهد الزور، الذي تسبب في خضوع المدعى عليه للتوقيف الإحتياطي أو إطالة مدّته.
    وبالتالي يبرز أن حصر رجوع الدولة على هؤلاء الأشخاص يعني أن الدولة لا يمكنها الرجوع بالتعويض على القاضي الذي إلتجأ عند القيام بعمله إلى آلية الإيقاف التحفظي، كذلك المبدأ يقتضي أن القاضي غير مسؤول عن أعماله وقراراته المتخذة في إطار ما له من سلطة الإجتهاد، ما لم يثبت العمد وقصد الإساءة إلى المتهم، لأن العمل القضائي هو عمل إجتهادي بالأساس، وبذلك فإن تقرير مسؤولية على عاتق القاضي يؤدي إلى المساس بحريته وإلى الحيلولة بينه وبين تأدية واجباته على الوجه الأكمل خوفا من الحرج وشبح المسؤولية، إضافة إلى أن تهديد القضاة بمسؤولية مطلقة عن أي خطأ يدعوهم إلى التردد في ما هو من وظائفهم، وضرر ذلك بالمصلحة العامة جسيم.
    وهكذا، فإن رجوع الدولة على الشاكي أو القائم بالحق الشخصي أو شاهد الزور المتسببين عن سوء نية في صدور قرار الإيقاف أو الحكم بالسجن، من شأنه أن يسهّل على طالب التعويض الحصول على غايته وأن يكفل ردع الشاكي أو القائم بالحق الشخصي أو شاهد الزور.
  • على مستوى فقه القضاء:
    ما يلاحظ على مستوى التطبيق، أن المحاكم لم تطبق هذا المبدأ المتمثل في كون التعويض يحمل على كاهل الدولة، في صورة توفر شروطه من ذلك ما جاء في القرار التعقيبي حيث إعتبرت فيه المحكمة أن المسؤولية عن المرفق القضائي لا يمكن أن تمتدّ لتشمل مسؤولية الأشخاص عما تسببوا فيه من ضرر للغير عند إرتكاب جريمة الشهادة زورا في قضية جزائية أو الإدعاء بالباطل أو الإيهام بجريمة ولذلك فإن حق المعقب ضده في التعويض يكون قائما تجاه من تسبب في الضرر طبق قواعد الحق العام للمسؤولية الشخصية نظرا لإنعدام أساس المطالبة بالتعويض لعدم حصول تعسّف من جانب الجهاز القضائي يوجب تحمّل نتائجه لترتبها عن نشاط المرفق العام القضائي.
    وهذا ما يؤدي إلى القول أن محكمة التعقيب قد خرقت أحكام الفصل 14 من قانون 2002، إذ أن المبدأ يقتضي أن تقوم الدولة بالتعويض بإعتبار أن مسؤوليتها مفترضة ثم ترجع هذه الأخيرة بما دفعته على الشاكي أو شاهد الزور خاصة وأنه سبقت الإشارة إلى كون إقرار مسؤولية الدولة يسهل على المتقاضي الحصول على التعويض حتى لا يشعر أنه ظلم مرتين الأولى من خلال إيقافه تحفظيا أو سجنه، أما الثانية من خلال تعقيد الأمر بالنسبة إليه في الحصول على تعويض من أشخاص قد يصعب مطالبتهم نتيجة لعسرهم.
    ويمكن القول، أن الأخذ بما ذهبت إليه محكمة التعقيب في القرار السالف الذكر يتعارض مع فلسفة التعويض ويفرغ هذا القانون من جدواه.
    الفقرة الثانية :تقدير التعويـــــض
    إن الأصل في التعويض أن يكون كاملا ومساويا لقيمة الضرر بمختلف عناصره، المادية منها والمعنوية على حدّ السواء، ذلك هو المبدأ العام الذي تستوجبه الوظيفة الحقيقية للتعويض، وقانون 2002 المتعلق بالتعويض عن الموقوفين والمحكوم عليهم الذين ثبتت براءتهم لم يحد عن هذا المبدأ، وبما أن الضرر هو المساس بحق من الحقوق المحمية قانونا، يفترض لجواز التعويض عنه أن تتوفر فيه جملة من الشروط ويبقى التحقق منها من صميم أعمال القاضي إضافة إلى تحديد أنواع الضرر الموجب للتعويض.
    وتتطلب عملية تقدير التعويض وضبط قيمته المالية جهدا جبارا ونشاطا ذهنيا متحرّرا من قيود الجداول الحسابية والتقييمية، وتفرض على القاضي أن يأخذ في إعتباره جميع العناصر المكونة للضرر لضبط أهميتها ووقعها على المتضرر مادة وعاطفة.
    وقد أشار مشرع 2002 إلى جملة من المعايير التي تساعد القاضي على تقدير التعويض المناسب خاصة وأن تقييد سلطته بالجداول الحسابية يتجافى والمبادئ العامة التي تحكم نظام التعويض في إطار التقدير الحرّ.
    ويتجه التساؤل حول الطرق والقواعد التي وضعها المشرع لتقدير مبلغ التعويض(أ) ثم النظر في مضمون التقدير(ب(.
    أ _ طــــرق التقديــــــــــر:
    إن قاضي التعويض يعالج النزاعات المتعلقة بجبر الأضرار حالة بحالة، وهو يتموقع بين القاعدة القانونية العامة التي تقتضي أن يكون التعويض كاملا وبين خصوصيات كل ضرر ومميزات كل متضرر.
    فهو يتمتع بسلطات مطلقة في ضبط قيمة التعويض وتحويل تقييماته للضرر إلى مبالغ مالية، وقد أسند المشرع مهمة التقدير لجهة قضائية (1) ومكّنهم من اعتماد معايير معينة (2(
    1 _ القضاء المختص:
    لقد أسند قانون 2002 لمحكمة الإستئناف بتونس وكذلك محكمة التعقيب مهمة تقدير التعويض.
  • اختصاص محكمة الاستئنــــاف:
    إن المختص بتقدير الحق في التعويض عن التوقيف الإحتياطي في القانون الفرنسي هي لجنة خاصة تسمى اللجنة الوطنية للتعويض تتكون من ثلاثة مستشارين من محكمة التعقيب، تصدر هذه اللجنة قراراتها بصفة نهائية ولا تقبل أي طريق من طرق الطعن، وقد أختير أعضاؤها من أعلى هيئة قضائية لما تتوفر فيهم من ضمانات مثل المقدرة والتجربة والحكمة.
    أما بالنسبة للمشرع التونسي فقد أسند قانون 2002 المتعلق بالتعويض إختصاص النظر في مطالب التعويض إلى محكمة الإستئناف بتونس وذلك تماشيا مع أحكام الفصل 32 م.م.م.ت واعتبار هذه المحكمة درجة أولى في التقاضي بسبب خصوصية الخصومة وطرفيها ولتفادي المرور بمحكمة إبتدائية نظرا لما تستغرقه القضية المرفوعة لديها من وقت وهذا من شأنه أن يفقد التعويض جدواه، إضافة إلى وجود قضاة متمرسين بحكم إحاطتهم الشاملة والعميقة مما يمكنهم من حسم المطالب بالدقة والسرعة اللازمة ويستنتج بذلك أن قضاة محكمة الإستئناف بتونس هم الجهاز القضائي المكلف بالنظر في مطالب التعويض وعند استيفاء المطلب لشروطه الشكلية تمرّ المحكمة للنظر في الأصل وتبعا لذلك إمكانية تقدير التعويض.
    ويتعين على قضاة محكمة الإستئناف تفحص كل المؤيدات المدلى بها لضبط حجم الضرر وتقدير قيمته وجمع كل العناصر التي تمكنهم من تقييم التعويض المناسب الكفيل برفع الضرر.
    ولئن يتمتع القاضي بسلطة واسعة في التقدير، إلا أن هذه السلطة تخضع لبعض القيود التي يجب على القاضي احترامها والخضوع إليها حتى يكون التقدير متماشيا واقعا وقانونا مع الضرر،ذلك أن تقدير قيمة التعويض مشروطة بالتعليل السائغ والمستمد مما له أصل ثابت في أوراق الملف، وبشرط التقيد بما طلبه المتضرر وبالتالي الحكم بأكثر مما طلبه يوجب النقض،وهذا ما إستقر عليه فقه القضاء التونسي في العديد من القرارات المتعلقة بالتعويض.
    وبذلك، فإنّ تقدير التعويض ولئن كان من المسائل الموضوعية الراجعة لمطلق سلطان القاضي فإنه مطالب بإظهار العناصر الواقعية والقانونية التي اعتمدها توصلا إلى النتيجة التي انتهى إليها حتى تتمكن محكمة التعقيب من حق المراقبة على اجتهاد حكام الأصل وبالتالي فانه إذا قضى القاضي دون إبراز العناصر التي ركز عليها اجتهاده فيكون قضاءه مخالفا للقانون وضعيف التعليل بصورة تعرضه للنقض.
  • دور محكمة التعقيب:
    لقد نص الفصل 8 من قانون التعويض على : “إن الحكم الصادر عن محكمة الإستئناف قابل للطعن أمام محكمة التعقيب في ظرف عشرين يوما بداية من تاريخ الإعلام به“.
    ويستخلص من هذا الفصل أن تقدير التعويض من محكمة الإستئناف ليس تقديرا نهائيا بإعتبار أن الحكم الذي تصدره يمكن أن يكون قابلا للطعن لدى محكمة التعقيب.
    وبذلك نلاحظ أن قانون 2002 أحدث تعديلا جديدا لدور محكمة التعقيب فلم تعد هذه المحكمة محكمة قانون فقط بل أصبحت محكمة أصل يمكن أن تنظر في أصل التقدير أو أن تعدله بنفسها دون إحالة على محكمة درجة أولى من ذلك أن محكمة التعقيب إعتبرت في أحد قراراتها “وحيث أن الضرر يشمل عنصرين وهما الضرر المادي والضرر المعنوي بصريح الفصل الأول من القانون ولا يحول عدم ثبوت تحقق أحدها دون الحق في التعويض عن العنصر الذي ثبتت حقيقته وجسامته وإنما يترتب عن ذلك أن يكون تقدير المبلغ الجملي المحكوم به في حدود ما المضرة الحقيقية بفرعها الذي ثبتت جسامته وبدون إحتساب الفرع الذي لم يرقى إلى حكم اليقين والثبات“.
    وبالتالي نستشفّ أنّ محكمة التعقيب تنظر في الأصل وهو ما يعبر عنه بنظرية التصدي، ولها تبعا لذلك مراجعة التقدير الذي إنتهى إليه حكام الأصل وذلك إما لإقراره وتأييده أو تعديله، على أن نظر محكمة التعقيب في الأصل قد وقع التنصيص عليه في م.م.م.ت منذ التنقيح المدخل عليها بقانون 1 سبتمبر 1986 وتضمين ذلك في قانون 2002 يبرز العديد من الإيجابيات من سرعة لفصل النزاعات وإنهائها وإقتصاد في النفقات واختصار للإجراءات حتى لا تبقى القضية بين محكمة الإحالة ومحكمة التعقيب في مد وجزر قد يطولان مما يرهق طالب التعويض ماديا ومعنويا. وعلاوة على هذا فإن قيام محكمة التعقيب ذاتها بالحكم في الموضوع يوفر ضمانات أفضل بالنسبة للمتقاضين باعتبار أن قضاة محكمة التعقيب هم أكثر القضاة تجربة ودراية.
    2_ معايير التقدير:
    تجدر الإشارة بداية إلى أن الظروف التي يجب على القاضي اعتمادها عند ممارسة السلطة التقديرية هي الظروف المتعلقة بالمتضرر وليست تلك المتعلقة بالمسؤول، لأن مبدأ كفالة التعويض تقتضي أن نقصي هذا الأخير ونكتفي بالأول كما تقتضي أن نقيم الضرر على ضوء المعطيات الخاصة المتعلقة بكل متضرر على حدة وبصفة مستقلة بما يحجر معه اعتماد الجداول التقييمية والحسابية وهو ما أقره فقه القضاء التونسي من ذلك القرار التعقيبي المدني عدد 4534 المؤرخ في 6 جانفي 1980 الذي جاء فيه:”إن تقدير التعويض عن الضرر يراعى فيه وقع ذلك الضرر على المتضرر ومدى تأثيره عليه دون الإلتفات لحالة من تسبب فيه وهو ما يتماشى مع ما يقره الفقه وتقتضيه مبادئ العدل والإنصاف.
    ورجوعا إلى قانون عدد 94 لسنة 2002 المتعلق بالتعويض للموقوفين والمحكوم عليهم الذين ثبتت براءتهم نجده ينص على ذلك صراحة في الفصل 13 فقرة ثانية التي جاءت بها أنه: “ويراعى في تقدير التعويض مدة الإيقاف أو مدة العقوبة المقضّاة فعلا بالسجن وكل الظروف الواقعية المفيدة للتقدير.”
    وبالتالي فان تقدير التعويض مسألة موضوعية تدخل في السلطة التقديرية للقاضي فهو يقدر كل حالة على حدة مراعيا في ذلك ملابسات القضية، وعند التقدير يستند القاضي إلى المعايير المنصوص عليها بالفصل 13 من قانون عدد 94 من ذلك أنه يجب عليه الأخذ بعين الإعتبار طول مدة الإيقاف أو تنفيذ عقوبة السجن أو قصرها، إذ أنه ليس من العدل أن نعوض لشخص تم إيقافه لمدة أيام معدودة مثلما نعوض لشخص آخر قضى مدة طويلة في السجن. وبالتالي فإن طول هذه المدة أو قصرها من شأنه أن يحددّ حجم الأضرار التي لحقت طالب التعويض.
    إضافة إلى معيار مدة الإيقاف أو مدة العقوبة المقضاة فعلا بالسجن، توجد معايير أخرى تخضع للسلطة التقديرية للقاضي. وهي ما أسماها المشرع “كل الظروف الواقعية المفيدة للتقدير“وكان حريا بالمشرع التونسي أن يضيف أيضا “كل الظروف الشخصية المفيدة للتقدير“، إلا إذا اعتبرنا أن الظروف الشخصية تدخل ضمن الظروف الواقعية. والأرجح أن هذا ما قصده المشرع وبذلك فإن القاضي عند تقديره للتعويض عن الضرر يجب أن يأخذ في الاعتبار عنصرين متعارضين :
    الأول يتعلق بالحالة المتولدة من الفعل الضار.
    الثاني يتعلق بالحالة التي كانت توجد بالفعل لو لم يقع الفعل الضار.
    وكل عنصر من هذه العناصر من الممكن أن يتأثر بالمعطيات الذاتية للفرد فالقاضي إذا وعند النظر في الضرر بغاية ضبط حجمه وتحليل عناصره حتى يخلص إلى تقدير التعويض المناسب عنه، فإنه يركن إلى إعتماد مقياس ذاتي فينظر إلى شخصية المتضرر بجميع مكوناتها وتمثلاتها، كما ينظر إلى ما إلتبس بها من ظروف داخلية وظروف خارجية
  • اعتبار الظروف الداخلية:
    فيما يخص الظروف الداخلية ومثال ذلك الأحوال التي قد يؤدي فيها الخضوع للإيقاف إلى إحداث تضخيم لحالة مرضية موجودة قبل وقوعها إذ يحصل أن يكون المتضرر مصابا بمرض وتعكرت حالته بسبب إيقافه تحفظيا.
    وبالتالي لابد من تقييم الحالة السابقة للأجراء السالب للحرية والحالة للاحقة له وإستخلاص عناصر كل منهما كلما ثبت وأن المضاعفات ما كانت لتحصل لولا خضوع المتضرر لأحد الإجراءات السالبة للحرية ويستعين القاضي في ذلك بأهل الخبرة بإعتبارها أمورا فنية تتطلب معارف خاصة على أن رأيهم لا يلزمه ولا يقيده.
    والى جانب الحالة الصحية للمتضرر، يأخذ القاضي في إعتباره سنّ المتضرر وجنسه لأن هذه الظروف لها تأثير على حجم الضرر وبالتالي قيمة التعويضات التي سيحكم بها، فالضرر الذي يصيب عجوزا من جراء الإيقاف التحفظي يكون وقعه أشد وأثره أبلغ من الضرر الذي يصيب شابا في مقتبل العمر، وبالتالي فلابد من إعتبار كافة الظروف اللصيقة بالشخص والكامنة في ذاته والتي من شأنها أن تؤثر في الضرر بالارتفاع أو بالانخفاض على حد السواء دون أن تساهم في إحداثه.
    وعموما، فإن الضرر يختلف من شخص إلى آخر في حجمه ووقعه بحسب البنية الجسدية والتركيبة النفسية والوضعية الصحية والاجتماعية والاقتصادية، وهو ما نص عليه قانون 2002 ضمنيا من خلال عبارة “كل الظروف الواقعية المفيدة للتقدير” وهي عبارات عامة تستوعب الكثير من الوضعيات.
  • اعتبار الظروف الخارجيــة:
    إن الظروف الخارجية هي الظروف التي تحيط بالشخص فتميزه عن غيره وهي عموما المتعلقة بوضعه الاجتماعي والمهني والمالي، ويقوم القاضي بتقييم حجم الضرر ومداه بالاستناد إلى الوضع الأسري للمتضرر إذ أن الضرر من الإيقاف الذي يصيب إمرأة متزوجة يختلف إذا ما أصاب شابة، والذي يعيل زوجة وأبناء يكون ضرره أشد من ضرر الأعزب. كما يجب على القاضي أن لا يهمل الوضع المهني للمتضرر وأن يجعل التعويض يتفاوت إرتفاعا وإنخفاضا بإختلاف الوظيفة التي يشغلها المتضرر.
    ويؤثر كذلك الوضع المالي كظرف من ظروف الملابسة على الضرر دون أن يتدخل في حدوثه وعلى القاضي أن يضعه في إعتباره عندما يتولى تقدير التعويض وليس القصد بالوضع المالي كون المتضرر فقيرا أو غنيا لأن إعتبار ذلك من شأنه أن يكون متعارضا مع فلسفة التعويض التي تقتضي أن يقوم المسؤول بجبر الضرر الحاصل وإنما القصد من ذلك هو مداخيل المتضرر وما يتقاضاه يوميا أو شهريا فالذي يتقاضى أجرا مرتفعا يكون ضرره أشد من ضرر شخص يتقاضى أجرا ضعيفا.
    ومن الأمثلة على ذلك أن الضرر الذي يصيب مهندسا أو طبيبا أو محاميا من جراء الإيقاف التحفظي غير شرعي أو تنفيذ عقوبة سجنيه، يختلف عن الضرر الذي يصيب شخص عاطل عن العمل أو فلاح بسيط، وبالتالي فإن ذلك يؤثر في تقدير مبلغ التعويض.
    وعموما فإن القاضي يجب عليه الاعتماد عند تقدير التعويضات على المعطيات الواقعية المفيدة للتقدير وهي معطيات متصلة بالمتضرر مثل السنّ والجنس والوضع العائلي والاجتماعي والمدة المقضاة فعلا بالسجن.
    ب _ مضمـــــــــــــون التقديـــــــــــــــــر:
    إن القاعدة العامة في التعويض هي أن يؤسّس على مقدار الضرر الذي أصاب الفرد من جراء تصرف معين سواء كان ضررا ماديا أو معنويا، فالتعويض من شأنه أن يعيد الضحية إلى الحال التي كان عليها قبل وقوع الفعل غير المشروع بهدف بلوغ الأمن الإجتماعي الذي يسعى المشرع إلى تحقيقه مما يوجب أن يكون التعويض مكافئا ومعادلا للضرر، وقانون2002 لم يخرج عن هذا المبدأ العام الذي تستوجبه الوظيفة الحقيقية للتعويض وتفرضه القواعد العامة للمسؤولية المدنية وقد نص على ضررين يتم على أساسهما التعويض وهما الضرر المادي (1) والضرر المعنوي (2(
    1 _ تعويض الضرر المادي:
    إن التعرض إلى التعويض عن الضرر المادي يستدعي النظر في مفهوم الضرر المادي ثم إلى عناصره.
  • مفهوم الضرر المـــادي:
    لقد نصّ الفصل 13 من قانون التعويض على أنّه : “يقضى للطالب بتعويض جملي عن الضرر الحاصل له…” وهذا الفصل يرجعنا إلى الفصل الأول من نفس القانون الذي مكّن كل من أوقف تحفظيا أو نفذت عليه عقوبة السجن ثم ثبتت براءته بوجه بات من حقه في المطالبة بالتعويض عن الضرر المادي والضرر المعنوي الذي لحقه.
    وبالرجوع إلى النظرية العامة للتعويض، نجد أن الفصلين 82 و83 م.إ.ع نصا على وجوب التعويض للمتسبب في مضرة غيره الحسية أو المادية حيث نصّ الفصل 82 على أنه : “من تسبب في مضرة غيره عمدا منه واختيارا بلا وجه قانوني سواء مكان الضرر حسيا أو معنويا فعليه جبر الضرر الناشئ عن فعله إذا اثبت أن ذلك الفعل هو الموجب للضرر مباشرة“.
    كما نصّ الفصل 83 م.إ.ع على أنّه : “من تسبب في مضرة غيره خطآ سواء كانت المضرة حسية أو معنوية فهو مسؤول بخطئه إذا أثبت أنه هو السبب الموجب للمضرّة مباشرة“.
    ولعل الاستئناس بهذين الفصلين أمر ضروري لتحديد ماهية الضرر المادي وهذا النوع من الضرر يقع على المال فقط أي على الذمة المالية للشخص ويتمثل فيما لحق الشخص من خسارة وما فاته من كسب وهذا المفهوم للضرر المادي تبرزه الفصول 107 و278 م.إ.ع.
  • عناصر الضرر المادي:
    يتجسد الضرر المادي في عناصر محسوسة بالإمكان معاينتها حجما وقيمة ومن خلال هذين النصين يمكن حصر الضرر المادي في عنصرين وهما: الخسارة اللاحقة بالمتضرر والكسب الذي فاته، فالخسارة الحاصلــة «DAMNUM EMERGENS» هي كلّ ما يلحق الذمة من إفتقار بسبب الفعل الضار مثل إتلاف شيء أو ضياع حق أو بذل مصاريف لدرء الفعل ذاته.
    أما الكسب الفائت» «LUCRUM CESSANS فهو الأرباح التي كان من الممكن تحقيقها لو لم يحصل الفعل الضار ومثال ذلك المداخيل التي كان سيجنيها صاحب سيارة أجرة لو لم يتعرض للإيقاف التحفظي. وما يجب التذكير به أنه لا يجوز تعويض هذه العناصر المتعلقة بالضرر المادي إلا إذا كانت محققة وأكيدة بيقين قاطع وإثبات ذلك يعود للمتضرر بإعتباره المتحمل للحجة والبرهان ولعل إثبات ذلك لا يطرح مشكلة بالنسبة للقاضي، إذ عليه أن يتفحص المؤيدات المتقدمة دليلا للدعوى للتأكد من تحقق الضرر من عدمه.
    وإن كانت إقامة الحجة على الخسارة والكسب الفائت سهل إذا تعلقت بضياع أجرا أو دخلا فإنّ الأمر على عكس ذلك بالنسبة للتعويض عن الضرر المستقبل الذي يطرح العديد من الإشكاليات فيما يتعلق بمدى تحققه قطعا ويقينا وهو ما حدا بفقه القضاء الفرنسي إلى وضع قيود للتعويض عنه إذا كان بعيد التحقق، أما إذا كان الضرر قريب الحصول فإن إمكانية التعويض عنه تبقى جائزة،وبالرجوع لقانون 2002 نلاحظ أنه إستبعد من مجاله التعويض عن الأضرار المستقبلية وبالتالي فإن فوات الكسب من الممكن التعويض عنه بإعتباره ضرر محقق وأكيد بينما تفويت الفرصة مقصاة من ميدان التعويض بإعتبار أنه يتخللها الشكّ.
    والضرر المادي يمكن أن يحصل نتيجة الإعتداء على الحرمة الجسدية للشخص أو الإعتداء على حق أو مصلحة مالية، كما يمكن أن يحصل من الإعتداء على حرية الإنسان. ويشمل التعويض عن الضرر المادي ما يمس الحقوق والمصالح المادية للمتضرر أي ما يصيبه في كيانه المالي وما يطال ذمته المالية مباشرة كخسارة لحق بها أو مصاريف تبذل، كما يمكن أن يكون الضرر المادي ناتجا عن المساس بالحرمة الجسدية فالضرر الجسدي هو الذي يلحق السلامة الجسدية للإنسان فيظهر في إحداث عاهات أو الإصابة بأمراض مزمنة ويستوجب لدرئه نفقات علاج وأدوية وركون للراحة مما يمنع الشخص من مباشرة مهنته أو حتى الطرد من وظيفته.
    وعموما، فإن كل عنصر من عناصر الضرر يجب التعويض عنه إذا كان محققا وثابتا إذ أن المبدأ يفترض أن يكون التعويض كاملا ومن شأنه أن يرجع حالة المتضرر إلى ما كانت عليه.
    ورغم حداثة هذا القانون فإن فقه القضاء إستجاب لطالبي التعويض عن الأضرار المادية التي لحقت بهم جراء الإيقاف التحفظي أو الزجّ بهم في السجن لمدة معينة فقد ذهبت محكمة الإستئناف بتونس في أحد قراراتها إلى قبول مطلب التعويض شكلا وأصلا وإلزام المكلّف العام بنزاعات الدولة بأن يؤدي لطالب التعويض ثلاثة عشرة ألف دينارا تعويضا جمليا عن الضرر الحاصل له، إذ إنه من الثابت أن العارض في قضية الحال كان يعمل مديرا بالشركة يتقاضى أجرا وحرم منه نتيجة الزج به في السجن مما إنجرّ عنه إصابته بمرض السكري جراء الإجراء السالب للحرية مما أنتج عنه إجراء عملية جراحية تكبد بموجبها خسائر مادية.
    وأخيرا يمكن القول أن الضرر المترتب من جراء الإيقاف التحفظي أو تنفيذ عقوبة السجن لا ينحصر في الجانب المادي فقط وإنما يتعداه إلى جانبه المعنوي الذي يحق للمتضرر الإستناد إليه والمطالبة بالتعويض.
    2_ تعويض الضرر المعنوي:
    كثر السّجال حول التعويض عن الضرر المعنوي وإنقسم الفقه بين مؤيد له ورافض لذلك، ومؤيد له مع تقييده بوجوب أن يكون قد انعكس على الذمة المالية للمتضرر،إلا أن هذا الجدل لم يبقى له من الأهمية سواء التاريخية منها، ذلك أن المشرع التونسي قد نصّ صراحة بالفصلين 82 و83 م.إ.ع إن الخسارة سواء كانت مادية أو معنوية، تجيز حق المتضرر في المطالبة بتعويضات عنه وهو ما إستقر عليه الفقه وأيده فقه القضاء.
    وعلاوة على قواعد المسؤولية المدنية التي أقرت الحق في التعويض عن الضرر المعنوي فإن قانون 2002 المتعلق بالتعويض للموقوفين والمحكوم عليهم أجاز ذلك صراحة. ويتجة تبعا لذلك النظر في التعويض عن الضرر المعنوي كتعويض أصلي ثم كتعويض إضافي.
  • التعويض الأصلـــــي:
    إن الضرر المعنوي هو الضرر الناشئ عن المساس من إعتبار الإنسان ومن عواطفه وأحاسيسه ومشاعره، تلك العناصر التي وإن كان من الصعب تقديرها بالمال إلا أنها جوهر مقومات الذات البشرية، فهو من بين كلّ الأضرار الضرر الأكثر إلتحاما بجوهر الإنسان وأشدّ إلتصاقا بصفته الآدمية فالضرر المعنوي هو الذي يصيب الإنسان في كيانه الاجتماعي والنفسي متجسدا عادة فيما يشعر به الإنسان من ألم وحسرة وشعور بالنقص وإحساس بالمذلة أو فيما يداخل كيانه من هواجس مقلقه فهو إذا يمسّ الإنسان ككائن إجتماعي وما يهدد أمنه وإستقراره النفسي ويظهر في أوجه مختلفة فهو ما يصيب الجانب الاجتماعي للفرد وما ينتج عن المساس بسمعته وكرامته وشرفه وإستقرار حياته الخاصة ومكانته الإجتماعية.كما يمكن أن يمسّ الجانب العاطفي والنفسي كالإحساس بالألم نتيجة ما يتعرض له من مواقف وأحداث تغير مجرى حياته.
    وقد عرف الأستاذ محمد الزّين الضرر المعنوي بكونه الضرر المتعلق بمصلحة غير مالية،أي أنّه لا يشكل إعتداء على الذمّة المالية كما هو الشأن بالنسبة للضرر المادي ويتحقق الضرر المعنوي على معنى قانون 2002 في صورة التعدي على الشخص في حريته أو في شرفه أو في سمعته وبذلك فإنّ هذا الضرر يتمثل في حرمان شخص بريء من حريته خاصة وان هذا التقييد من حريته من شأنه أن يفوت عليه فرص، إضافة إلى ما يلحقه خضوع شخص بريء إلى أحد الإجراءات السالبة للحرية،من الألم وحسرة وأسى.
    ويشمل الضرر المعنوي العديد من العناصر وهي ضرر الألم والمعاناة سواء كان هذا الألم ماديا أو معنويا خاصة وأنه ما من شك أن ما يحدثه الألم من شقاء ومعاناة وأوجاع تضني الجسد والنفس مما يعد ضررا معنويا يحق لمن أصيب به أن يطالب من تسبب فيه بجبره له بضفة مستقلة عن الضرر المادي.
    كما يشمل الضرر المعنوي ضرر الحرمان من مباهج الحياة وهو الضرر الذي يحول دون التمتع بمسرات الحياة وبالتالي فان الحرمان منها نتيجة خضوع الشخص لإيقاف تحفظي غير شرعي يخلق في النفس الضيق والقلق ويكون من حقه في هذه الحالة مطالبة من تسبب له في ذلك بالتعويض.
    كما يشمل الضرر المعنوي أيضا ضرر المساس بالشرف والسمعة والاعتبار فالشخص الذي وقع إيقافه تحفظيا أو نفذت عليه عقوبة السجن ثم ثبتت براءته يكون قد وقع النيل والمساس بكرامته وسمعته واعتباره وهو ما يسيء إليه أدبيا في محيطه فتكون لهذه الإساءة تأثير على نفسه.والشرف في معناه الموضوعي هو تقدير الناس للشخص وهو الذمة المعنوية المشتقة من تقدير الناس وهو بمعنى أعمّ السمعة “la réputation”] ويحدث الإخلال بالشرف بالحط من قدر الشخص أو بتعريضه لإحتقار الناس كأن يقال عنه أنه فاعل أصلي أو شريك في الجريمة.
    هذه عموما بعض الأضرار التي قد تصيب الشخص نتيجة إيقافه أو تنفيذ عقوبة سجنية عليه بدون وجه حقّ، وهي أضرار كثيرة ويستحيل حصرها والإلمام بها وما على القاضي إلا الحكم بالتعويض عنها متى كان حصولها على وجه القطع واليقين، وهي تستوجب جهد تقديري ونشاط ذهني واسع بإعتبار أن الأضرار المعنوية تمسّ المشاعر والأحاسيس وهي بطبيعتها غير ملموسة وغير محسوسة وتنفلت بطبيعتها من كلّ تحديد مادي، وقد اعتادت المحاكم أن تقدر التعويض عن الضرر المعنوي بمبلغ جملي شاملا لمختلف الأضرار المعنوية التي يطالب المتضرر بجبرها.
    وقد أقرّ فقه القضاء التونسي التعويض عن الضرر المعنوي في العديد من القرارات من ذلك القرار الإستئنافي الذي جاء فيه أن طالب التعويض قد تعرض إلى ضرر جسيم بسبب إيقافه وإتهامه بالتحيل خاصة وأنه يحتل مكانا حساسا كمدير شركة ومشرف تجاري عليها مما أدى إلى المسّ من سمعته المهنية التي تقوم على الثقة والأمانة وتخلّفه عن أعمال ملتقى بالجزائر أين كان يعتزم السفر لتكوين إطارات جزائرية وذاع خبر إيقافه لإتهامه بالتحيل مما أثر في نفسيته شديد الأثر وذلك يعتبر مسا أدبيا يستلزم التعويض وقد قضت المحكمة بتعويض جملي للعارض عن الضرر الحاصل له وذلك في حدود الألف دينار.
    وفي قضية أخرى تفيد وقائعها أنه تمّ إيقاف شخص بتهمة المسك والحيازة وملكية مادة مخدرة ورغم إنكاره التهمة فقد أصدر قاضي التحقيق بطاقة إيداع ضدّه حيث قضى مدة عشرة أشهر بالسجن بدون موجب وبالتالي فقد تضرر من أجل ذلك ماديا ومعنويا إذ حرم من دخله الشهري كتاجر يسوق السيارات، كما شوهت سمعته بتهمة خطيرة مما جعله يتألم معنويا وحرم من حياته اليومية في كنف أسرته إضافة إلى حرمانه من إبنته الصغيرة،وقد قضت محكمة الإستئناف بإلزام المكلف العام بنزاعات الدولة بأداء ألفي دينار تعويضا عن الضرر المعنوي فقط نظرا لتجرد مطلب التعويض عن الضرر المادي عن الإثبات.
    ويستشف من هذين القرارين أن المحكمة يمكن لها أن تقضي بتعويض جملي عن الضررين المادي والمعنوي وذلك طبق أحكام الفصل 13 من القانون ويقصد بعبارة”جملي” أي أن المحكمة لا يمكن لها أن تقضي بتعويضين الأول عن ضرر المادي والثاني عن الضرر المعنوي وهذا ما يؤكد خصوصية هذا التعويض مما يجعله يختلف عن القواعد العامة للتعويض الواردة بم إ ع وخاصة بالفصل 107 منها، إضافة لذلك يمكن للمحكمة أن تقضي بتعويض معنوي فقط في صورة عدم إثبات طالب التعويض لضرره المادي.
  • التعـــويـــض الإضافـــــي:
    إن التعويضات الممنوحة لطالب التعويض لا تقتصر على التعويض المالي، فقد يكون أحيانا التعويض الذي يرغب فيه الإنسان كلمة إعتذار أو كلمة شكر فقد يساوي الإعتذار لدى البعض مال الدنيا، وربما يكون المتضرر الذي أهدرت حقوقه جراء الإشتباه به أو الإتهام الواقع عليه شديد الثراء وذا صيت ذائع، فماذا يفيد حفنة من المال إن وقع التشهير به، أو إن قضى ليلة واحدة خلف قضبان السجن، فهل أن التعويض سينسيه ما وقع عليه من حيف، وهل أن التعويض سيرجع ما فاته من كرامة وحرية.
    وكشكل من أشكال التعويض عن الضرر المعنوي فقد أقرّ قانون التعويض من خلال الفقرة الأخيرة من الفصل 13 على أنه: “ويمكن للمحكمة بطلب من المتضرر الإذن بنشر مضمون الحكم الصادر بالتعويض بصحيفتين يوميتين صادرتين بالبلاد التونسية يختارهما طالب التعويض“.
    والملاحظ من خلال هذا الفصل أنه نصّ على وسيلة تعتمد لردّ إعتبار المتضرر وذلك بنشر مضمون الحكم الصادر بالتعويض بصحيفتين يوميتين حتى يعلم العموم ببراءته، والمقصود برد الإعتبار هو محو الآثار الجنائية للحكم بالإدانة بالنسبة للمستقبل ويصبح بذلك المحكوم عليه إبتداءا من ردّ إعتباره كأي مواطن لم تصدر ضده أحكام جنائية وسبب ذلك أن الفترة السابقة على ردّ الإعتبار يكون الحكم بالإدانة قائما ومنتجا لجميع آثاره أما في الفترة اللاحقة على حصول ردّ الإعتبار فيزول حكم الإدانة وتنتهي جميع أثاره. على أن عملية نشر مضمون الحكم بالتعويض رغم أهميتها تبقى وسيلة غير ناجعة وغير كفيلة لردّ إعتبار المتضرر وصون كرامته وكان على المشرع تدعيمها بإجراءات أخرى خاصة وأن الفصل 626 م.إ.ج الفرنسية قد ورد بنفس الصيغة مع الفصل 14 من قانون 2002 مع إضافة ضرورة نشر قرار البراءة بالولاية التي صدر بها قرار الإدانة وفي الدائرة البلدية التي أقترفت بها الجريمة، وفي مسقط رأس طالب التعويض وبآخر مقرّ له، كما ينشر قرار البراءة بالرائد الرسمي وبخمس جرائد حسب إختيار الهيئة القضائية التي أصدرته ونفقات النشر تحمل على كاهل الدولة.
    وكان حريا على المشرع التونسي أن يضيف مثل هذه الوسائل لصون كرامة المتضرر داخل المجتمع وذلك لمزيد تدعيم حقوق الإنسان، خاصة وأن العديد من التشاريع العربية قد نصت على العديد من الوسائل لرد اعتبار المحكوم عليه البريء من ذلك التشريع اللبناني والسوري والأردني.
    وأخيرا يمكن القول أن حرص المشرع في قانون عدد 94 المؤرخ في 29 أكتوبر 2002 على تكريس حقوق الإنسان وحرياته الأساسية من شأنه تدعيم حقوق المتقاضين في مادة التعويض وردّ الإعتبار للموقوفين والمحكوم عليهم الذين ثبتت براءتهم ولحقهم ضرر من جراء الإجراء السالب للحرية، إلاّ أن مجال تكريس مبدأ التعويض في قانون 2002 يبقى مشوبا ببعض النقائص.
    لا شكّ أن إجراء الإيقاف التحفظي يشكّل إعتداء خطيرا على الحرية الفردية في وقت لا تزال التهمة فيه محلّ بحث وتحقيق وقد يتمّ إيقاف المظنون بموجب بطاقة إيداع من قاضي التحقيق وقد يقضي فترة طويلة ثمّ تثبت براءته، وبالتالي فإن الأحكام القضائية ليست معصومة من الخطأ، وهذا الخطأ من شأنه أن يحدث أضرارا جسيمة أدبية ومادية مما وجب تعويضها.
    ونظرا للاهتمام بالسياسة الجنائية الحديثة في تونس والتي تواكب مثيلاتها في القانون المقارن والتي تحرص على تحقيق معادلة بين حقوق الإنسان ومعالجة مظاهر الإنحراف، فقد ظهرت عدة قوانين جديدة مندرجة في المنظومة الجزائية الحديثة مثل قانون عدد 94 لسنة 2002 المؤرخ في 29 أكتوبر 2002 المتعلق بالتعويض للموقوفين والمحكوم عليهم الذين ثبتت براءتهم، الذي أقرّ مسؤولية الدولة عن الأضرار الناتجة عن أخطاء مرفق القضاء العدلي وألزمها بالتالي بالتعويض ولو بدون ثبوت خطأ في جانب أعوانها إذا كان الضرر ناتجا عن خلل في سير مصالحها تكريسا لمبدأ مساواة المواطنين في تحمّل الأعباء العامة.
    ولقد أقر قانون 2002 جملة من الشروط لابدّ من توفرها لإستحقاق التعويض وهي شروط مجحفة بالنسبة لإثبات الضرر ومبتورة بالنسبة لثبوت البراءة، إضافة إلى تعقيدات الشروط الشكلية وتكاليفها التي تثقل كاهل طالب التعويض سواء كان متضررا أصليا أو بالتبعية.
    ولعل المشرع التونسي من خلال سنّه لهذه الشروط غلق الباب على المطالب الغير جديّة التي تهدر وقت المحكمة.
    كما حصر قانون 2002 إستحقاق التعويض في حالات معينة، إضافة إلى ذلك يتميز بنظام خاص للتعويض من حيث خصائص الضرر الموجب التعويض ونطاقه كما أقرّ المشرع نشر مضمون الحكم بالتعويض كوسيلة لردّ إعتبار المتضرر وأوكل مهمة تقدير التعويض إعتمادا على معايير معينة إلى قضاة متمرّسين .
    ومن جهة أخرى فقد ألزم الدولة بدفع التعويضات بإعتبارها مسؤولية عن سير مرفق العدالة، على أنه رغم خصوصية نظام التعويض فإنّ ذلك لا يبرر عدم الرجوع إلى قواعد المسؤولية المدنية.
    وعموما ولئن كان تكريس هذا القانون خطوة رائدة وإيجابية لحماية حقوق الإنسان فإنّه يبقى مشوبا ببعض النقائص من ذلك أنه إستبعد الإحتفاظ من مجاله رغم ما يحدثه من ضرر للمحتفظ به الذي تثبت براءته فيما بعد، زيادة على ذلك نلاحظ غياب التنصيص على آجال تنفيذ الأحكام الصادرة بالتعويض خاصة ولأنه على الصعيد العملي هناك صعوبة في التنفيذ على الدولة.
    وهذا ما يدفعنا على مزيد حثّ الإدارة على صرف هذه التعويضات في أسرع وقت حتى تساهم في نجاعة الضمانات القانونية والفعلية التي جاء بها قانون التعويض.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى