الرئيسيةتونسمقالات

الإيقاف التحفظي

إعلانات إعلانات إعلانات إعلانات إعلانات

بقلم: الدكتور جابر غنيمي

مدرس جامعي

المساعد الأول لوكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بسوسة

الاحتفاظ هو الإجراء الذي يمكن بمقتضاه لمأموري الضابطة العدلية من محافظي الشرطة و ضباطها و رؤساء مراكزها و ضباط الحرس و ضباط صفه و رؤساء مراكزه و أعوان الضابطة العدلية من القمارق الاحتفاظ بذي الشبهة في الحالات التي تقتضيها ضرورة البحث، و ذلك بعد اخذ إذن من النيابة العمومية.

و قد نص المشرع التونسي بالفصل 13 مكرر م ا ج ” في الحالات التي تقتضيها ضرورة البحث، وفي ماعدا ما وقع استثناؤه بنص خاص، لا يجوز لمأموري الضابطة العدلية المبينين بالعددين 3 و4 من الفصل 10 ولو في حالة التلبس بالجناية أو بالجنحة ولا لمأموري الضابطة العدلية من أعوان الديوانة في نطاق ما تخوله لهم مجلة الديوانة الاحتفاظ بذي الشبهة، إلا بعد أن يأذن لهم وكيل الجمهورية بذلك، ولمدة لا تتجاوز ثمانية وأربعين ساعة، ويتمّ الإذن بأي وسيلة تترك أثرا كتابيا.أما في المخالفات المتلبس بها فلا يجوز الاحتفاظ بذي الشبهة إلا المدّة اللازمة لأخذ أقواله على ألا تتجاوز مدة الاحتفاظ أربعة وعشرين ساعة، وبعد أن يأذن لهم وكيل الجمهورية بذلك بأي وسيلة تترك أثرا كتابيا…”..

أما في المخالفات المتلبس بها فلا يجوز الاحتفاظ بذي الشبهة إلا المدّة اللازمة لأخذ أقواله على ألا تتجاوز مدة الاحتفاظ أربعة وعشرين ساعة، وبعد أن يأذن لهم وكيل الجمهورية بذلك بأي وسيلة تترك أثرا كتابيا…”..

أما الإيقاف التحفظي فقد عرفه المشرع التونسي بالفصل 84 من مجلة الإجراءات الجزائية الذي جاء به أن الإيقاف التحفظي هو وسيلة استثنائية يجب عند اتخاذها مراعاة القواعد الوارد ذكرها بالفصل 85 من نفس المجلة و هي:- أن يقع إيقاف المظنون فيه تحفظيا في الجنايات و الجنح المتلبس بها.

– عند ظهور قرائن قوية تستلزم الإيقاف باعتباره وسيلة امن يتلافى بها اقتراف جرائم جديدة أو ضمانا لتنفيذ العقوبة او طريق توفر سلامة البحث.والإيقاف التحفظي في معناه الواسع هو فترة الإيقاف التي يقضيها على ذمة التحقيق في إطار البحث في جنحة أو جناية أو خلال فترة محاكمته قبل صدور حكم.

فالإيقاف التحفظي هو أخطر إجراءات التحقيق على الإطلاق لما ينطوي عليه من سلب لحرية ذي الشبهة لفترة من الزمن قد تطول أو تقصر بحسب تطور إجراءات البحث والتحري، ومع ذلك فقد أجاز المشرع هذا الاعتداء على الحرية لأسباب قدر أنها أولى بالرعاية ومنها حرصه على الحيلولة دون عرقلة المتهم للتحقيق أو تضليله للمحقق لذلك اعتبرها المشرع إجراءا استثنائيا وليس وجوبيا، فقد نص الفصل 84 م ا ج “

الإيقاف التحفظي وسيلة استثنائية ويجب عند اتخاذها مراعاة القواعد الآتية”.الفصل 85 م ا ج” يمكن إيقاف المظنون فيه إيقافا تحفظيا في الجنايات والجنح المتلبس بها، وكذلك كلما ظهرت قرائن قوية تستلزم الإيقاف باعتباره وسيلة أمن يتلافى بها اقتراف جرائم جديدة أو ضمانا لتنفيذ العقوبة أو طريقة توفر سلامة سير البحث.و دراسة الإيقاف التحفظي تقتضي التعرض إلى شروطه و إجراءاته ( المبحث الأول) و أثاره ( الفقرة الثانية ) المبحث الأول: شروط و إجراءات الإيقاف التحفظييخضع الإيقاف التحفظي لجملة من الشروط ( الفقرة الأولى) و الإجراءات ( الفقرة الثانية) الفقرة الأولى: شروط الإيقاف التحفظي:لكي يتم إيقاف المظنون فيه تحفظيا لابدّ من توفر شروط شكلية (أ)، وشروط موضوعية (ب)

أ- الشروط الشكلية:

تهم هذه الشروط السلطة الموكول لها القيام بهذا الإجراء وكذلك البطاقات القضائية.أما في خصوص المسألة الأولى، فمن الضمانات الأساسية لصيانة الحرية الفردية إيكالها إلى أيدي تقدرها حق قدرها أي جهة مستقلة ونزيهة تحرص على صيانة هذه الحرية.

و هذه السلطة هي قاضي التحقيق ودائرة الاتهام والقضاء المجلسي والنيابة العمومية.ففيما يتعلق بالجهة الأولى اقتضى الفصل 80 من م.إ.ج. ” لحاكم التحقيق بعد استنطاق ذي الشبهة أن يصدر بطاقة إيداع في السجن بعد أخذ رأي وكيل الجمهورية وذلك إذا كانت الفعلة تستوجب عقابا بالسجن أو عقابا أشدّ “.

و تأكيدا لتخصيص قاضي التحقيق بإصدار البطاقات القضائية فقد منع الفصل 57 م.إ.ج. هذا الأخير من إنابة غيره من أعوان الضابطة العدلية بإصدار تلك البطاقات باستثناء الأعمال الأخرى وذلك في صورة تعذره عن القيام بتلك الأعمال بنفسه، وهذا المنع جاء متماشيا مع حرص المشرع على أن لا يكون الإيقاف التحفظي وسيلة للانحياز والحيف لو أعطى حق ممارسته لسلطة غير السلطة القضائية.

أما فيما يتعلق بالجهة الثانية وهي دائرة الاتهام فيمكن لها إصدار بطاقة إيداع ضدّ المظنون فيه وذلك حسب مقتضيات أحكام الفصل 117 من م.إ.ج.

وهي كهيئة قضائية عندما تمارس هذا الإجراء فإن ذلك يمثل ضمانة هامة من الضمانات القضائية للحرية الشخصية للمظنون فيه.نجد بعد ذلك الجهة القضائية الثالثة وهي النيابة العمومية التي حددت م.إ.ج. تركيبتها وصلاحيتها ، فالنيابة العمومية هي سلطة قضائية خاصة محدثة لدى بعض الدوائر القضائية لتمثل الهيئة الاجتماعية وباسمها تشير إلى القوانين التي يجب تطبيقها عند إصدار الأحكام ولوكيل الجمهورية في جميع صور الجنايات أو الجنح المتلبس بها مع سلطة التتبع جميع ما لحاكم التحقيق من سلط فله أن يصدر البطاقات القضائية وذلك ضمانا لنجاعة البحث وسرعة اقتفاء أثار الجريمة حتى لا تضيع أدلتها.

و أما الجهة الرابعة وهي القضاء المجلسي الذي له إصدار البطاقات القضائية كسلطة قضائية مستقلة عن سلطتي الادعاء والتحقيق.أما في خصوص المسألة الثانية والتي تهم البطاقات القضائية فإن الإيقاف التحفظي لا يؤذن به بصفة عشوائية بل لابدّ له من وسيلة لاتخاذه وهي بطاقة الإيداع التي تتضمن الأمر الصادر من المحاكم إلى كبير حراس السجن بقبول المتهم واعتقاله ونجد إلى جانب بطاقة الإيداع، بطاقة الجلب التي يصدرها الحاكم إذا لم يحضر المشتبه فيه أو كان في حالة من الأحوال المبينة بالفصل 85 من م.إ.ج. والتي تتضمن الإذن لكل عون من أعوان القوة العامة بإلقاء القبض عليه وجلبه أمام حاكم التحقيق أو غيرها من السلط التي أصدرت هذه البطاقة وضبط الفصل 81 م.إ.ج الصنع الشكلية لبطاقة الإيداع عند إصدارها إذ جاء فيه بطاقة الإيداع يحررها حاكم التحقيق ويؤرخها ويمضيها ويختمها ويذكر بها في وضوح اسم وصفة هذا الحاكم واسم ذي الشبهة وعمره التقريبي وحرفته ومكان ولادته ومحل إقامته وموضوع التهمة مع بيان النصّ القانوني المنطبق …”.

ب- الشروط الموضوعية:تنصب هذه الشروط على نقطتين أساسيتين: هما تحديد حالات الإيقاف التحفظي وضبط الأشخاص المشمولين به.ففيما يتعلق بالنقطة الأولى فقد حصر الفصل 85 م.إ.ج. حالات الإيقاف التحفظي في الجنايات والجنح المتلبس بها وكذلك كلما ظهرت قرائن قوية تستلزم اتخاذه باعتباره وسيلة أمن يتلافى بها اقتراف جرائم جديدة أو ضمانا لتنفيذ العقوبة أو طريقة توفر سلامة سير البحث.

فالإيقاف التحفظي هو إجراء الاستثنائي واختياري إذ لم يجعله المشرع إجباري وأنه في صورة اتخاذه لا يمكن تجاوز الحالات المحددة قانونا، وأن هذا في حدّ ذاته يعد ضمانا من ضمانات حرية المظنون فيه تجنبا لكل تعسف أو تحكم غير أن هناك من يرى أن الفصل 85 م.إ.ج. رغم ما يوفره من ضمانات بتحديده لصور الإيقاف التحفظي فإنه استعمل عبارات واسعة وفضفاضة تاركة المجال لقاضي التحقيق في تقديرها حسب اجتهاده متبع في ذلك مبدأ الوجاهة في الإيقاف التحفظي ويستخلص هذا الرأي المبدأ المذكور من قرار محكمة التعقيب التونسية الذي جاء فيه أنه: ” لا جدال في وجاهة الإيقاف من عدمه لأنه جدال موضوعي لا شأن لمحكمة التعقيب فيه “.

أما فيما يتعلق بالنقطة الثانية فإنّ الأشخاص المعنيين بالإيقاف التحفظي لم يرد في شأنهم تحديد في مجلة الإجراءات الجزائية ويذهب الرأي على اعتبار أن كل شخص حامت حوله الشبهات وتوفرت في جانبه حالات الفصل 84 م.إ.ج. يمكن إيقافه تحفظيا ويحق لقاضي التحقيق إصدار بطاقة إيداع كلما استوجبت الفعلة عقابا بالسجن أو عقابا أشدّ غير أن هناك فئات منحها المشرع حماية خاصة وهي: الأحداث ومن يتمتعون بحصانة.

فالحدث الذي تجاوز عمره 13 عاما لا يمكن وضعه مؤقتا بمحل الإيقاف من طرف حاكم الأحداث أو حاكم التحقيق أو دائرة الاتهام إلا إذا ظهر من المتحتّم هذه الوسيلة أو ظهر أنه لا يمكن اتخاذ غيرها من التدابير وفي هذه الصورة يودع الطفل بجناح خاص مع عزله ليلا بقدر الإمكان عن بقية الموقوفين (فصل 238 م.إ.ج.) فهو إجراء وقتي وثانوي. أما المتمتعون بحصانة فهم:أولا: الممثلون الديبلوماسيون الذين لا يمكن تتبعهم من أجل جرائم ارتكبوها في البلاد التي يمثلون بلادهم فيها.

ثانيا: أعضاء مجلس النواب إذ لا يمكن إجراء تتبع أو إيقاف ضدهم طيلة نيابتهم في تهمة أو جناية وجنحة ما لم يرفع مجلس النواب الحصانة عنهم، أما في حالة التلبس فيوقف ويعلم المجلس حالا. ثالثا: للقضاة الذين يمنع تتبعهم أو سجنهم من أجل جناية أو جنحة بدون إذن من المجلس الأعلى للقضاء ولكن في حالة التلبس بجناية أو جنحة يجوز إلقاء القبض عليهم ويعلم المجلس الأعلى للقضاء فورا.

على أنّ الإلمام بضمانات الحرية في مرحلة التحقيق لا ينحصر في دراسة الضمانات الحرية المستمدة من خلال تقييد الإيقاف بل تعداه إلى تحديد إجراءات تنفيذه.الفقرة الثانية: إجراءات الإيقاف التحفظي إن حاكم التحقيق الذي عهدت إليه مهمة البحث عن الحقيقة بمناسبة ارتكاب جريمة لا يقتصر دوره على معاينتها وجمع أدلتها التي من شأنها مساعدة قاضي الموضوع في حكمه بل إن مهمته تتجاوز هذه الأعمال الاستقرائية إلى إصدار إذن يتحقق بموجبه إيقاف المظنون فيه تحفظيا. و يخضع إذن الإيقاف إلى جملة من الشروط (أ) و قيده المشرع بمدة معينة لا يمكن تجاوزها (ب) .

أ- الشروط الإجرائية للإذن بالإيقاف التحفظي:اقتضت أحكام الفصل 80 م.إ.ج ” لحاكم التحقيق بعد استنطاق ذي الشبهة أن يصدر بطاقة إيداع في السجن بعد أخذ رأي وكيل الجمهورية ” فالاستنطاق يعتبر شرطا إجرائيا من شروط الإيقاف التحفظي.

ويقصد بالاستنطاق مواجهة المظنون فيه بالتهمة المنسوبة إليه ومطالبته بإبداء رأيه فيها ومناقشتها تفصيلا في أدلة الدعوى إثباتا أو نفيا كمحاولة للكشف عن الحقيقة ويمثل استنطاق ذي الشبهة في حدّ ذاته ضمانة من ضمانات الحرية في مرحلة التحقيق باعتبار أنه لا يمكن لحاكم التحقيق أن يصادر حق ذي الشبهة في حريته إلا عبر المرور بهذه المرحلة الأساسية، حيث تعتبر من أهم أعمال التحقيق التي تخول ذي الشبهة مناقشة الأدلة المتوفرة ضده بل إنه لا يتحقق إلا بتوجيه التهمة ومناقشتها من قبل لذي الشبهة تفصيلا لها ومواجهته بالأدلة القائمة ضدّه.

فالاستجواب لا يتحقق بمجرّد سؤال المتهم عمّا نسب إليه أو إحاطته علما بنتائج التحقيق إذ لم يتضمن ذلك مناقشة تفصيلية في الأدلة المنسوبة إليه.فالاستنطاق كعمل محوري في التحقيق الابتدائي يستدعي أن يملك قاضي التحقيق الوسائل التي تخول له إحضار ذي الشبهة أمامه لاستنطاقه سواء من حلال استدعائه إن كان بحالة سراح أو بإصدار بطاقة جلب في شأنه إن اقتضى الأمر ذلك.

فإذا كان ذو الشبهة بحالة سراح فإنه يستدعى كتابة لاستنطاقه والاستدعاء يتم بالطريقة الإدارية أو بواسطة العدل المنفّذ وهو يحتوي على اسم ذي الشبهة ولقبه وحرفته وعنوانه ومكان الحضور وتاريخه وساعته ونوع التهمة.أما إذا لم يحضر ذو الشبهة بعد استدعائه فإن المشرع قد خوّل قاضي التحقيق أن يصدر ضدّه بطاقة جلب تكون مؤرخة وممضاة ومختومة ويذكر فيها ما يميزه أتم تمييز مع بيان موضوع التهمة والنصوص القانونية التي ينطبق عليها كما تضمن بها الإذن لكلّ عون من أعوان القوة العامة بإلقاء القبض عليه وجلبه أمام حاكم التحقيق.

وفي صورة تنفيذ البطاقة المذكورة يكون على هذا الأخير إجراء الاستنطاق في أجل لا يتجاوز 3 أيام من تاريخ إيداع المظنون فيه بالسجن على معنى الفقرة 1 من الفصل 79 م.إ.ج.إن المشرع في تحديده لمحتويات بطاقة الجلب وإجراءات استدعاء ذي الشبهة للاستنطاق يعتبر في حدّ ذاته ضمانة لحرية المتهم، تضمن حريته وتقيد من إمكانية المساس بها في هذه المرحلة الحرجة من مراحل الدعوى الجزائية.نتبين أن أهم ما يصون الحرية في مرحلة التحقيق هو ضبط أهم ضمانات الاستنطاق وأهميتها في ضمان حرية المظنون فيه منها واجب توجيه التهمة.

ب- مدة الإيقاف التحفظي:

تضمن الفصل 85 م.إ.ج. تحديدا للمدة التي من الممكن أن يستمر خلالها الإيقاف التحفظي سواء فيما يتعلق بالمدة الأصلية وبالمدة المضافة.

1- المدة الأصلية للإيقاف التحفظي: إنّ تحديد مدة الإيقاف تمثل ضمـانا للمتهم حيث تنصّ الفقـرة2 من الفصل 85 م.إ.ج.على “… والإيقاف التحفظي في الحالات المنصوص عليها بالفقرة السابقة لا يجوز أن يتجاوز الستة أشهر”.

وكان المشرع قد ضبط الأجل الأقصى الذي ليس لسلطة الإيقاف أن تتجاوزه كلما تراءى لها الإذن بإيقاف المظنون فيه تحفظيا وقد رأى جانب من الفقه في هذا التحديد ضمانة لحرية المتهم لكونه أمرا مستحدثا ولم يكن موجودا قبل قانون نوفمبر 1987.

إن صياغة هذه الفقرة تجعل من أجل 6 أشهر مدة قصوى لا يجوز للحاكم تجاوزها كلما إذن بإيقاف ذي الشبهة في مناسبة أولى، غير أن مدّة الإيقاف 6 أشهر كمدة أصلية قد تنطبق مهما كانت طبيعة الجريمة تظهر انها مدة طويلة جدا ولا يمكن تبعا لذلك أن تعتبر دعما وضمانا للحريات الفردية.فالفصل 85 م.إ.ج. يعتبر ا ن الإيقاف التحفظي في الجنايات والجنح سواء كانت متلبسا بها أدخلت عن هذا الوصف لا يمكن أن تتجاوز الستة أشهر كمدة أصلية تكون قابلة للتمديد كلما اقتضت مصلحة البحث إبقاء المظنون فيه بحالة إيقاف، ويتم احتساب المدة من يوم تنفيذ بطاقة الإيداع ضدّ المظنون فيه وبالتالي فلا إشكال في احتسابها ما دامت هذه البطاقة محررة طبقا للصيغ القانونية ثابتة التاريخ حاملة لإمضاء وختم حاكم التحقيق الذي أصدرها.

2- تمديد مدة الإيقاف: لقد نظم المشرع في الفصل 85 ن ا ج مدّة الإيقاف التحفظي في صورة التمديد حيث أصبحت لا تتجاوز ستة أشهر إلا أنه يمكن لقاضي التحقيق بعد أخذ رأي وكيل الجمهورية وبمقتضى قرار معلّل تمديد فترة الإيقاف مرة واحدة لا تزيد مدتها عن 3 أشهر للجنح وبالنسبة للجنايات مرتين لا تزيد مدة كلّ واحدة على 4 أشهر وبذلك أصبحت أقصى مدة للإيقاف التحفظي بالنسبة للجنحة 9 أشهر وبالنسبة للجنايات 14 شهرا.

و حرصا من المشرع على ضمان حرية المظنون فيه فقد قيد إمكانية التمديد في مدة الإيقاف بشروط التمديد منها ما يتعلق بالأصل في حين يخص بعضها الآخر الإجراءات.

جاء بالفقرة 3 من الفصل85 م ا ج: ” إذا اقتضت مصلحة البحث إبقاء المظنون فيه في حالة إيقاف يمكن لقاضي التحقيق بعد أخذ رأي وكيل الجمهورية… “.فحتى يتسنى لحاكم التحقيق التمديد في فترة الإيقاف لابدّ أن تكون مصلحة البحث اقتضت حدوث هذا الأمر، وهذه المصلحة تعود إلى اجتهاد القاضي في تقديرها وإثبات قيامها.

إن اعتماد المشرع لمعيار مصلحة البحث في تعليل تمديد فترة الإيقاف لا تمنع قاضي التحقيق من الاعتماد في ذلك على المبررات التي كانت قد مثلت أساس اتخاذ قرار الإيقاف منذ البداية وخاصة منها التبرير المتعلق بما تقتضيه سلامة سير البحث ويجب توفر جملة من المعطيات القانونية والواقعية تكون نابعة مما له أصل ثابت بملف القضية تجيز هذا التمديد وتجعله أمرا ضروريا في كثير من الأحيان.

أما عن اتخاذ رأي وكيل الجمهورية قبل اتخاذ قرار التمديد فيمثل شرطا إجرائيا واجب الاحترام لكونه يمثل ممثل النيابة العمومية كطرف في الدعوى الجزائية من الاطلاع عن كثب على مدى تقدم التحقيق ومستجدات البحث وتطوراته وقرار التمديد شأنه شأن أي قرار يصدر عن قاضي التحقيق في تسيير ملف القضية المتعهد بنظرها يحق لممثل النيابة العمومية العلم به وذلك عن طريق إطلاعه على الملف.

و يثبت أخذ رأي وكيل الجمهورية حول التمديد في فترة إيقاف المظنون فيه بصدور قرار في الاطلاع عن هذا الأخير يتضمن طلباته بشأن ما تمت استشارته فيه.

أما عن اشتراط القرار المعلل في إيقاع التمديد فإن خطورة هذا القرار تستدعي بيان ما يبرر اتخاذه ويعلله تعليلا قانونيا وواعيا حتى تتمكن دائرة الاتهام من بسط رقابتها على هذا القرار وممارستها بصورة فعلية.

أما في القانون الفرنسي فإن الإيقاف المؤقت لا يمكن أن يتجاوز في المادة الجنحية 4 أشهر، فإنه يمكن وبصفة استثنائية التمديد فيه لمدة تختلف بحسب درجة خطورة المعني بالأمر، حيث ينص الفصل 145/1 م.إ.ج. الفرنسية في فقرته الثانية وفي صياغته الجديدة على أنه لقاضي الحريات والإيقاف أن يقدر وبصفة استثنائية التمديد في الإيقاف المؤقت لمدة لا تتجاوز 4 أشهر وبقرار معلل حسب أحكام الفصل 137/3 ومتخذ إثر نقاش وجاهي منظم طبق أحكام الفقرة 6 من الفصل 145 وبعد استدعاء المحامي على معنى الفقرة 2 من الفصل 114.

إن اشتراط تعليل قرار التمديد في فترة إيقاف المظنون فيه من شأنه أن يقيد سلطة قاضي التحقيق في المساس بحرية المظنون فيه وضمانا قانونيا تحميه طوال مدة التحقيق.إن المشرع في حرصه على ضمان حرية المتهم في مرحلة ما قبل المحاكمة أحكم تنظيمها من خلال تقييد الإيقاف بجملة من الشروط الشكلية والموضوعية من جهة ومن خلال إقراره بجملة من الضمانات الناشئة عن الإيقاف من جهة ثانية.

و يترتب عن الإيقاف التحفظي جملة من الآثار.المبحث الثاني: الآثار الناشئة عن الإيقاف التحفظيينشأ عن الإيقاف التحفظي جملة من الضمانات ( الفقرة الأولى) و يخضع للرقابة ( الفقرة الثانية)الفقرة الأولى: الضمانات الناشئة عن الإيقاف التحفظي إن تحقق الإيقاف برغم سلبه للمظنون فيه حريته ومصادرة لها فليس قدره أن يبقى موقوفا إلى ما لا نهاية بل لابدّ لهذه الوضعية أن تنتهي سواء بصورة ظرفية أو مستمرة (أ) وفي صورة ما إذا تم الإفراج عنه فإن المشرع أسعفه بحق الضمان في التعويض في صورة ثبوت براءته (ب).

أ- ضمان الحق في الإفراج:ينصّ الفصل 85 فقرة3 على أنه ” يتحتم الإفراج بضمان أو بدونه بعد الاستنطاق بخمسة أيام لفائدة المظنون فيه الذي له مقرّ معيّن بالتراب التونسي ولم تسبق الحكم عليه بأكثر من 3 أشهر سجنا إذا كان أقصى العقاب المقرر قانونا عاما سجنا “.إن النظر في أحكام هذه الفقرة يفيد أن وجوبية الإفراج عن المظنون فيه الموقوف في هذه الصورة يبقى رهين توفر جملة من الشروط وهي:الشرط

1- وهو شرط جوهري ويمثل أساس الإقرار بوجوبية الإفراج. هذا الشرط هو حصول استنطاق المظنون فيه الموقوف فطالما لم يقع استنطاق ذي الشبهة من طرف قاضي التحقيق استنطاقا فعليا قائما على توجيه التهمة إليه وإعطائه فرصة الدفاع عن نفسه بمحضر محاميه وتوفير الضمانات القانونية لمباشرة عملية الاستنطاق وبعد الاستنطاق وإصدار بطاقة الإيداع يصبح المظنون فيه موقوفا يجب الإفراج عنه في ظرف 5 أيام من تاريخ إجراء الاستنطاق إذا ما توفرت في شأنه باقي الشروط المذكورة بالفقرة الأخيرة من الفصل 85 م.إ.ج.

الشرط2- وأن يكون للمظنون فيه مقرّ معلوم في التراب التونسي سواء كان هذا المقرّ أصليا أو مختارا على معنى أحكام القانون المدني.

أما الشرط3- عدم سابقية صدور حكم عليه بالسجن لمدة تفوق 3 أشهر دون بيان إن كان هذا الحكم قد صدر بالتنفيذ أو بتأجيله ومثل هذا الشرط يفترض وجود بطاقة السوابق العدلية بين يدي قاضي التحقيق لاتخاذ قرار الإفراج.

الشرط 4- فيتمثل في العقاب المقرر قانونا للجريمة موضوع تعهد حاكم التحقيق وهو أن يكون أقصى العقاب المقرر العام سجنا بمعنى أن يتمتع المظنون فيه بحق الإفراج عنه إذا كان العقاب المقرر يقلّ عن العام سجنا أو يساويه، أما إذا تجاوزه فلا يتمتع بالإفراج.لوجوبية الإفراج لابدّ أن تتحقق كلّ هذه الشروط وإذا تخلف أحدها سواء فيما تعلق بمقرّ المظنون فيه أو بسوابقه العدلية أو بالعقاب الذي استهدفه في الجريمة موضوع التتبع وإن كان القاضي في حلّ من وجوبية الإفراج عن الموقوف وإذا انعدمت هذه المعطيات فإن الإفراج يكون حسب تقديره.

إن جملة الضمانات الممنوحة للمحتفظ به لا تتوقف عند ضمان الإفراج الوجوبي بل تمتد لتشمل ضمان آخر وهو ضمان الحق في التعويض.

ب- ضمان الحقّ في التعويض:قد يحدث في كثير من الأحيان أن تنتهي سلطة التحقيق إلى الإقرار بأن لا وجه لتتبع المظنون فيه الموقوف فتقضي بحفظ التهمة وتفرج عنه بعد أن يكون قد أمضى مدة من الزمن بحالة إيقاف تحفظي ويطرح في هذه الصورة تساؤل جوهري ذو علاقة بالضمانات الحرية في مرحلة ما قبل المحاكمة مقابل خطر التعدي على حريته بإيقافه تحفظيا لمدة من الزمن قد تطول أو تقصر بحسب ملابسات كلّ قضية.

هذا التساؤل مناطه مدى جواز الإقرار بضمان حقّ التعويض للمظنون فيه الذي استعاد حريته عن الأضرار التي لحقته بسبب الإيقاف ؟التعويض هو ذلك المقابل الذي يطالب به المتضرر لترميم الضرر الذي لحقه من جراء عدم تنفيذ الالتزام، سواء كان هذا الالتزام تعاقديا أو قانونيا.انتهج المشرع التونسي بهذا التوجه، نهج المشرع الفرنسي والذي أضاف ضمن الفصل 88 من القانون الصادر في 15 جوان 2000 والمتعلق بتدعيم قرينة البراءة أنه ” يمكن لكل جهة قضائية أصدرت قرارا بمنع المحاكمة أو بالبراءة أو بعدم المسؤولية أن تمنح تعويضا للشخص الملاحق، بناء على طلب من صاحب المصلحة، لتغطية النفقات التي دفعها بسبب رفض الدولة لتسديدها “.

خلافا لهذا يتضح أن ميدان تدخل التشريع التونسي كان ميدانا ضيقا ومحدودا ومحصورا بالتعويض، لمن أوقف تحفظيا، أو نفذت عليه عقوبة السجن، وأثبت أنه تضرر ماديا ومعنويا، مما يوضح أن التعويض أقر أساسا لجبر أخطاء مادية بحتة وهي الإيقاف التحفظي أو السجن.لأن الإيقاف التحفظي يوقع ضررا بالمتهم، يمس من كرامته وسمعته، اتجه الفقه إلى أنه لابدّ من إقرار التعويض الكامل عن الأضرار، أي أن المسؤول عن الفعل غير المشروع، يلتزم بتعويض جميع الأضرار التي لحقت المتضرر، وقد رأى الفقهاء أن التعويض فقط من شأنه أن يعيد الضحية على الحال التي كان عليها قبل وقوع الفعل غير المشروع ، وقد رأى رأي آخر أن للتعويض نتيجة حتمية لبلوغ الأمن الاجتماعي الذي يسعى المشرع إلى تحقيقه، مما يوجب أن يكون التعويض مكافئا أو معادلا للضرر الذي وقع.

و قد اختلفت مواقف التشريعات الجزائية من هذه المسألة حيث أقر التشريع الفرنسي مثلا إمكانية التعويض للمظنون فيه عن مدة إيقافه منذ القانون عدد 643 لسنة 1970 المؤرخ في 17 جويلية 1970، بمناسبة التغييرات الجوهرية التي شهدها نظام الإيقاف التحفظي في تلك الفترة كما تبنى المشرع البلجيكي نفس الموقف في قانون 13 مارس 1973، المتعلق بالتعويض عن الإيقاف في حين غاب عن الاعتراف التشريع الأنقليزي.

و يستند نظام التعويض عن الإيقاف أساسا إلى إقرار مسؤولية الدولة عن الأضرار المترتبة عن سير مرفق العدالة، وتتأكد مسؤولية الدولة أكثر كأساس للتعويض عن الإيقاف في القانون الفرنسي من حلال المبدأ العام الذي تضمنه الفصل 1-781 من مجلة التنظيم القضائي الذي مفاده أن الدولة ملزمة بجبر الضرر الناجم عن السير الضار لمرفق العدالة.نصّ الفصل1 من قانون 29 أكتوبر 2002 على أنه ” يمكن لكلّ من أوقف تحفظيا أو نفذت عليه عقوبة السجن مطالبة الدولة بتعويض عن الضرر المادي والمعنوي الذي لحقه من جراء ذلك في الأحوال التالية:

– إذا صدر في شأنه قرار بحفظ التهمة إما لأنّ الفعلة لا تتألف منها جريمة، إما لأنه لا وجود لها أصلا أو لأنه لا يمكن نسبها إلى المتهم.- إذا صدر ضده حكم بالسجن ثم ثبتت براءته بوجه بات للأسباب المذكورة أعلاه.- إذا صدر ضدّه حكم في موضوع سبق أن اتصل به القضاء.

و يضيف الفصل 2 أنه ” ينتقل حق التعويض عند وفاة صاحب الحقّ إلى القرين والأبناء والـوالدين فقط “، ويفهم من هذه الأحكام الأولية أن الحق في التعويض ينتقل لهؤلاء بما يعنيه ذلك من كونه يحلون محلّ مورثهم في مباشرة إجراءات المطالبة القضائية في مختلف مراحلها حتى وإن لم يسبق للهالك أن أثار ذلك لدى القضاء.تختص محكمة الاستئناف درجة أولى للتقاضي بسبب خصوصية الخصومة وطرفيها وجعل من محكمة التعقيب تنظر في الأصل كلما نقضت الحكم أو عدلته. وتتركب محكمة التعقيب المختصة للنظر في مطالب التعويض من الرئيس الأول للمحكمة أو نائبه وعضوين بخطة رئيس دائرة لدى نفس المحكمة.

و يخضع تقديم مطلب التعويض في القانون الفرنسي وكذلك في المشروع المقترح في القانون التونسي إلى آجال محددة حيث ضبط الفصل 149 م.إ.ج. الفرنسية رفع مطلب التعويض إلى اللجنة المختصة بستة أشهر من تاريخ صدور القرار أو الحكم الصادر بعدم التتبع أو بترك السبيل أو بالبراءة باتا، ويتضمن وجوبا ملخصا للوقائع وكلّ المؤيدات المفيدة وخاصة تاريخ وطبيعة القرار الذي أذن بالإيقاف ومكان تنفيذه والهيئة القضائية التي صدر عنها قرار عدم التتبع أو ترك السبيل.

وقد نص الفصل 3 من قانون التعويض: ” يرفع طلب التعويض خلال أجل أقصاه 6 أشهر من تاريخ سيرورة القرار أو الحكم المحتج به باتا وإلا سقط الحقّ “.و بتوفر شروط القيام واستيفاء إجراءاته تعقد المحكمة جلساتها للبتّ في المقدار للتعويض الذي يحكم به للطالب.

ينص الفصل 13 من قانون التعويض ” يقضى للطالب بتعويض جملي عن الضرر الحاصل له إذا أثبت حقيقة الضرر وجسامته وأنه حال وناتج مباشرة الإيقاف التحفظي أو عن تنفيذ عقوبة السجن “.فتقدير التعويض المناسب للمظنون فيه المتضرر من الإيقاف من طرف المحكمة، يتم بالاعتماد على عنصرين يتمثل الأول في اعتماد المعطيات الواقعية المقيدة للتقدير والمتصلة أساسا بسن الطالب وجنسه ووضعه العائلي والاجتماعي وخاصة المدة التي قضاها رهن الإيقاف، أما العنصر الثاني للتقدير فيقوم على اعتماد مبلغ جملي للتعويض يضبط بمراعاة حقيقة الضرر وحساسيته وكونه حالا وناجما مباشرة عن الإيقاف التحفظي وتدخل في نطاق هذا الضرر فقدان مركز العمل وانقطاع الروابط العائلية والزوجية بسبب طول مدّة الإيقاف مثلا.

الفقرة الثانية: مراقبة الإيقاف التحفظي:يمارس أطراف الدعوى الجزائية رقابة على سلطة قاضي التحقيق في الإيقاف مع التمييز بين رقابة النيابة العمومية (أ)، ورقابة دائرة الاتهام (ب).أ- رقابة النيابة العمومية:تمارس النيابة العمومية رقابة على الإيقاف من خلال ما تتقدم به من طلبات كتابية في إصدار بطاقة الإيداع أو الإفراج عن المظنون فيه الموقوف أو كذلك من خلال ممارستها لحق الطعن في قرار التمديد في الإيقاف. كما يمكن أن تتجسد رقابة النيابة العمومية على الإيقاف في الواجب محمول على قاضي التحقيق في أخذ رأي وكيل الجمهورية قبل الإذن بإيقاف ذي الشبهة تحفظيا وكذلك التمديد في إيقافه بما يمثله إبداء وكيل الجمهورية لرأيه في المسألة من فرصة لتذكير قاضي التحقيق ضمن طلباته الكتابية بما يتجه مباشرته من الأعمال دون أن يكون ذلك بمثابة التدخل في مهامه وإنما فقط لضمان حسن سير مرفق القضاء وكفالة مشروعية قرار الإيقاف ولو أن تقدير مدى سلامة هذا القرار يبقى خاضعا لسلطة قاضي التحقيق التقديرية على ضوء ما يتمتع به من استقلالية في مباشرة وظائفه.

أما عن بطاقة الإيداع الصادرة في حق ذي الشبهة فإن النيابة العمومية ولئن كانت ملتزمة قانونا بتنفيذها فإن طعنها في هذه البطاقة من شأنه أن يكفل احترام قاضي التحقيق للشروط الشكلية والأصلية لصدور قرار الإيقاف بما يمثله هذا الطعن من فرصة لدائرة الاتهام لبسط رقابتها على هذا القرار، ولا تحول رقابة النيابة العمومية على الإيقاف دون ممارسة هذه الرقابة من باقي أطراف الدعوى العمومية.يخضع إيقاف ذي الشبهة تحفظيا إلى رقابة قضائية تضمن حماية هذا الأخير من التعسف عند حدوثه بمثل ضمانها لاحترام مصلحته الشرعية في الأثناء ولحسن تطبيق القانون. وتباشر هذه الرقابة دائرة الاتهام.

ب- رقابة دائرة الاتهام:

لدائرة الاتهام طبيعة مزدوجة ضرورة أنها تجمع بين عمل التحقيق وعمل المحاكم. ولها عملا بأحكام الفصل 116 م.إ.ج.

تدارك ما تراه من نقص في التحقيق من خلال الإذن بتتبع جديد أو بإجراء بحث تكميلي كما تنظر في الطعون المرفوعة ضدّ قرارات قاضي التحقيق ذات الصبغة القضائية بوصفها محكمة استئناف لها وتبعا لذلك سلطة إبطال هذه القرارات.

وعلى هذا الأساس تشكل دائرة الاتهام الهيكل القضائي الفعال الذي يرسم بوضوح معالم الدور الحمائي للقضاء تجاه حريات الأفراد وحقوقهم حيث يبقى مبدأ الشرعية هو الأسمى ولا تصح أعمال التحقيق إلا بقدر احترامها لهذا المبدأ, ويرى البعض من رجال القضاء في هذا السياق أن أعمال التحقيق تعد عملا إنسانيا لا يرقى إلى الكمال لذلك لابدّ من عين ساهرة توجه هذا العمل وتنير سبيل العدالة لتجعل المظنون فيه في مأمن من كلّ تجاوز وتعسف سواء قصدا أو عن غير قصد.

فدائرة الاتهام هيئة تحقيق وقضاء تختص بنظر أخطر القضايا الجزائية ومن واجبها ضمان الحريات الفردية بمراقبتها الإيقاف التحفظي ولشرعية وملائمة أعمال قاضي التحقيق.

ذلك أن دورها الأساسي يتمثل في مراقبة أعمال التحقيق وإجراءاته وتصفيتها من العيوب والإخلالات وإبطال ما تراه منها معيبا.و مع أنه لا وجود بالتشريع التونسي لنص قانوني صريح في ضبط سلطات دائرة الاتهام في مجال إبطال قرارات قاضي التحقيق إلا أن هذه السلطات حقيقة راسخة في تحاليل فقهاء القانون والقضاء استنادا إلى بعض فصول م.إ.ج. ذات المفهوم العام، ولعل أهمها الفصل 199 من هذه المجلة الذي جاء فيه أنه ” تبطل كلّ الأعمال والأحكام المنافية للنصوص المتعلقة بالنظام العام أو للقواعد الإجرائية الأساسية أو لمصلحة المتهم الشرعية.

والحكم الذي يصدر بالبطلان يعين نطاق مرماه “. وعملا بهذه الأحكام يمكن أن ينحصر الإبطال في العمل التحقيقي المعيب الذي يصبح كأنه لم يوجد أصلا بملف القضية ويستمر التحقيق بدونه. ولدائرة الاتهام اعتماد أحكام هذا الفصل لإبطال كلّ قرار صدر عن قاضي التحقيق يكون متعلقا بإيقاف المظنون فيه كالقرار المتعلق بإصدار بطاقة الإيداع بسجن الإيقاف والقرار القاضي برفض الإفراج أو بتمديد فترة الإيقاف. فهي تراقب هذه الأعمال التحقيقية حماية لحرية المظنون فيه وصيانة لمصلحته الشرعية من كلّ تجاوز أو تعسف.

و أخيرا يمكن القول أن لدائرة الاتهام دورا هاما وخطير في حياة المظنون فيه مما يستدعي إعطائها ما تستحقه من الأهمية في الجهاز القضائي حتى تكون أداة رقابة ناجعة لأعمال قاضي التحقيق وهيئة توجيه وتبصير قانونية إضافة لكونها المحطة الأخيرة لأعمال التحقيق والتمحيص التي لها أثرها العميق على مصير المظنون فيه وخاصة كلما كان موقوفا.

كما يدخل في نطاق هذه الرقابة إعادة تكييف الأفعال المنسوبة إلى هذا الأخير إعطائها الوصف القانوني الصحيح. وتبرز الفائدة من هذه العملية خاصة كلما أسند قاضي التحقيق لهذه الأفعال وصفا مشددا كأن يصفها بالجناية ثم يتبين لدائرة الاتهام أنها مجرد جنحة فتسند لها الوصف القانوني المناسب وتحيل المظنون فيه تبعا لذلك أمام قاضي الناحية أو المحكمة الابتدائية بحسب الحالات.

إلا أن الرقابة على الإيقاف كضمانة للمظنون فيه قد تتجاوز دائرة الاتهام لتتدخل محكمة التعقيب لتصحيح ما قد يكون تسرب إلى أعمال التحقيق من أخطاء قانونية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى