الرئيسيةتونسمقالات

أركان و صور الاتجار بالأشخاص

إعلانات إعلانات إعلانات إعلانات إعلانات

بقلم: القاضي الدكتور جابر غنيمي

المساعد الأول لوكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بسوسة

قاضي مرجع في مجال الاتجار بالاشخاص

مدرس جامعي

يعد الاتجار بالبشر من أقدم الممارسات البشرية ذات السمعة السيئة والأثر البالغ على الإنسانية التي لا تزال قائمة إلى عصرنا هذا ،  فبعد أن كانت تقتصر على تجارة الرقيق الذين يتم بيعهم في سوق النخاسة بعد أسرهم في الحروب أو بعد بخطفهم من ذويهم، تطورت الآن – بعد أن ألغي وجُرِّم الرّق- وأصبحت ذات أبعاد وصور كثيرة، يُمتهن فيها الإنسان (النساء والأطفال على الخصوص)، ويُستغل، ويُذل، بشتى أنواع التصرفات والممارسات، ويُتعامل به كبضاعة منزوعة الإنسانية، من قبل مجموعات إجرامية منظمة تنشط بشكل سرّي في مختلف أنحاء العالم، فلا تقف عند حدود دولة ما بل تتعداها لتنفث سمومها وآثارها السلبية الجسيمة فيها، فظاهرة الاتجار بالبشر إذن هي ظاهرة دولية لا تقتصر على دولة معينة، إنما تمتد لتتخطى الحدود الجغرافية، وتشمل العديد من الدول مع اختلاف في أنماطها وصورها طبقاً لرؤية كل دولة لمفهوم هذه الظاهرة ومدى احترامها لحقوق الإنسان…

ويعد الإتجار بالأشخاص مظهرا خطيرا من مظاهر إنتهاك حقوق الإنسان  وأعنف أشكال التعدي على كرامة الذات البشرية، و رغم إلغاء العبودية في شكلها التقليدي المؤسس على ملكية الذات البشرية فإن ذلك لم يمنع من ظهور ممارسات شبيهة بالرق تقوم على إجبار شخص على تقديم جسده أو عمله للغير على غرار العمل القسري أو السخرة أو الدعارة.  ونظرا للتفاوت الإقتصادي بين الدول والتسارع نحو تحقيق الأرباح المالية اتخذت هذه الجريمة أشكالا مستحدثة تقوم على إستغلال الذات البشرية إستغلالا فاحشا للإنتفاع بجسدها أو بجهدها في ظروف مهينة و قاسية للغاية.

 وبدأت تداعيات مشكلة الاتجار بالبشر تظهر بشكل أكثر وضوحاً منذ ثمانينات القرن العشرين وحتى التسعينيات، وذلك عن طريق إثارة القضية في مؤتمرات الأمم المتحدة والتقارير المتعلقة بحقوق الإنسان، مما أكسب ذلك زخماً تجلى مؤخراً في الالتزام الدولي بأهمية وضع نهاية لجرائم الاتجار بالبشر والتي تفشت كالوباء في بعض دول العالم، الأمر الذي يوجب على المجتمع الدولي ممثلاً في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المتخصصة المعنية التعامل مع مشاكل حقوق الإنسان بوجه عام  والاتجار بالبشر بوجه خاص – بوضع عناصر متسقة متجانسة تقوم على العدل والمساواة وبعيدة عن التحيز والتمييز بين البشر. 

و تعتبر جرائم الاتجار بالبشر” جرائم عابرة للحدود” ولا تقتصر على دولة معينة، فأصبحت ذات خطورة دولية كونها جرائم ضد الأمن البشري عموماً، وضد أمن الدولة بصفة خاصة، لذا يتطلب الأمر اعتماد سياسات عامة عبر وطنية تقتضي تعاوناً دولياً في العمل من خلال تبادل المعلومات وتبادل المساعدات.

وتعد جرائم الاتجار بالبشر بكافة أشكالها وصورها من أبرز وأخطر وأسرع القضايا نمواً على الساحة الدولية، بحيث باتت تمثل ثالث أكبر تجارة إجرامية غير مشروعة في العالم بعد تجارة المخدرات، وتجارة السلاح، تحقق أنشطتها أرباحاً طائلة تقدر بالمليارات، وذلك على حساب أكثر فئات المجتمع عرضة للاستغلال وهما النساء والأطفال – فالفقر والجهل وانعدام الفرص المتكافئة للتنمية أدت مُجتمعة إلى خلق بيئة مواتية للاتجار غير المشروع في الأشخاص وجعلتهم أكثر عرضة للوقوع كضحايا للمتاجرين. 

ويمكن تلمس مؤشرات على حجم هذه التجارة من تقديرات الأمم المتحدة بأن هناك مليونين وخمسمائة ألف شخص يُفقدون سنوياً وسط الشبكة الإجرامية المعقدة لهذه التجارة السرية، بينما تقدر الأرباح السنوية لهذا النشاط الإجرامي بأكثر من 32 مليار دولار من أعمال السخرة، و28 مليار دولار من أعمال الاستغلال الجنسي وفقاً لتقديرات منظمة العمل الدولية.

واتسع نطاق الاتجار بالبشر، بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة حيث يتم من خلاله نقل أعداد كبيرة من البشر عبر الحدود الدولية سنوياً ليتم الاتجار بهم.

 وبالرغم من وضع وتحديد أنماط وصور للاتجار بالبشر إلا أن المعلومات الإحصائية المتعلقة بها تكون عادة غير دقيقة بسبب مناخ السرية الذي تتم فيه هذه التجارة والطبيعة الخفية لهذه الجرائم .
والاتجار لغة تجر یتجر ، وتجارة باع واشترى وكذلك اتجر وهو افتعل والتاجر الذي یبیع ویشتري ، وبائع الخمر تاجر وتجار وتجر وتجر كرجال وعمال وفي السوق كالتاجرة وارض متجرة یتجر فیها والیها وقد تجر جرأ وهو على أكرم خیل عتاق، والجريمة هي اسم مأخوذة من الجرم والذي يعني الذنب واكتساب الإثم، والاتجار مصطلح مشتق من التجارة وفي اللغة اللاتینیة من السلعة والتجارة تعني ممارسة البیع والشراء ، والتاجر من يبيع ويشتري ، أما البشر فهو الخلق ويقع على الأنثى والذكر وعلى الواحد والاثنين والجمع ويقال هي وهو بشروهما وهي بشر.

ويذهب بعض الفقه الى تعريف الاتجار بالبشر من خلال التركيز على الغرض من هذه الجريمة مع قصر الغرض بصور محدودة جداً فيعرف الاتجار بأنه  ” الاستخدام والنقل والاخفاء والتسليم للاشخاص من خلال التهديد او الاختطاف، واستخدام القوة والتحايل او الاجبار او من خلال اعطاء او اخذ دفعات غير شرعية او فوائد لاكتساب موافقة وقبول شخص يقوم بالسيطرة على شخص اخر بهدف الاستغلال الجنسي او الاجبار على القيام بالعمل”، يتضح من هذا التعريف انه قصر صور الاتجار بالبشر على صورتينن هما الاستغلال الجنسي والاجبار على القيام بالعمل ، وهو أمراً منتقد لان صور غرض الاتجار بالبشر متعدد ولا يجوز تحديدها على سبيل الحصر وانما يكون على سبيل المثال .

 وعرف جانب اخر من الفقه الاتجار بالبشر بأنه : (اي فعل يقع على انسان او على احد اعضائه دون رضاه من خلال اي وسيلة قسرية ـ بهدف استغلاله ماديا وتحقيق الربح منه). كما عرف بعض الفقه الاتجار بالبشر بأنه (كافة التصرفات المشروعة وغير المشروعة التي تحيل الإنسان إلى مجرد سلعة او ضحية يتم التصرف فيها بواسطة وسطاء ومحترفين عبر الحدود الوطنية بقصد استغلالهِ في أعمال ذات أجرٍ متدنٍ او في اعمال جنسية او ما شابه ذلك، وسواء اتم هذا التصرف بإرادة الضحية ام قسراً عنه ام بأية صورة أخرى من صور العبودية).

ويعاب على هذا التعريف انه قد حصر وقوع جريمة الاتجار بالبشر بواسطة وسطاء محترفين، وعليه اذا وقع الفعل بواسطة وسطاء غير محترفين لا نكون امام اتجار بالبشر، كما انه قد قيد الاتجار بالبشر بالحدود عبر الوطنية “الدولية”، اي انه إذا وقعت عملية اتجار بالبشر داخل الحدود الوطنية فلا تعد عملية اتجار بالبشر وفقا لهذا التعريف.
و على المستوى الدولي تركز تعريف الاتجار بالبشر في ثلاث اتفاقيات دولية قدمت تعريفاً لها وهي :
–  اتفاقية قمع الرق لسنة 1926: وتتميز هذه الاتفاقية بانها وضعت الاطار العام لعمليات الاتجار بالرقيق وذلك في المادة الاولى منها والتي ورد فيها ان تجارة الرقيق تشمل”جميع الأفعال التي ينطوي عليها أسر شخص ما أو احتيازه أو التخلي عنه للغير علي قصد تحويله إلي رقيق، وجميع الأفعال التي ينطوي عليها احتياز رقيق ما بغية بيعه أو مبادلته وجميع أفعال التخلي، بيعا أو مبادلة عن رقيق تم احتيازه علي قصد بيعه أو مبادلته، وكذلك، عموما، أي اتجار بالأرقاء أو نقل لهم.”.
– الاتفاقية التكميلية لإبطال الرق وتجارة الرقيق والأعراف والممارسات الشبيهة بالرق لسنة 1956 : ونصت المادة السابعة منها على انه يقصد بالاتجار بالرقيق كل فعل بالقبض على أو اكتساب أو التنازل عن شخص من اجل جعله رقيقاً ، كل فعل اكتساب عبد لبيعه او لمبادلته ، وكل تنازل بالبيع او بالتبتدل لشخص في حوزة الشخص من اجل بيعه او تبادله ، وكذلك بصفة عامة كل عمل تجارة أو نقل للعبيد مهما كانت وسيلة النقل المستخدمة .
– البروتوكول الدولي لمنع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص وبخاصة النساء والأطفال لسنة والمكمل لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية الاتجار بالأشخاص لسنة 2000: وعرف هذا البرتوكول الاتجار بالأشخاص على النحو التالي: تجنيد أشخاص أو نقلهم أو إيواؤهم أو استقبالهم بواسطة التهديد والقوة، أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو إساءة استعمال السلطة، أو إساءة استغلال حالة استضعاف، أو بإعطاء أو تلقي مبالع أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر لغرض الاستغلال، ويشمل الاستغلال كحد أدنى، استغلال بغاء الغير أو سائر أشكال الاستغلال الجنسي أو السخرة أو الخدمة قسراً أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق أو الاستعباد أو نزع الأعضاء.                                         

 ووفقاً لهذا التعريف يتكون الاتجار بالبشر من العناصر الآتية:
1-  الفعل المتمثل في تجنيد أشخاص أو نقلهم أو تنقليهم أو إيوائهم أو استقبالهم.
2-  الوسائل المتمثلة في التهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال السلطة أو حالة استضعاف أو إعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر، وبالطبع إن هذه الوسائل لا يلزم استعمالها جملة واحدة بل تتحقق جريمة الاتجار بالبشر باستعمال وسيلة من هذه الوسائل ويؤكد ذلك استعمال عبارة (أو) وهي تفيد التخيير ولم يستعمل (و) وهي للمصاحبة والمشاركة .
3-  الغرض من الاستغلال إن البروتوكول لم يعرف الاستغلال بل تضمن قائمة غير حصرية بأشكال الاستغلال التي تشمل كحد أدنى استغلال دعارة الغير أو سائر أشكال الاستغلال الجنسي أو السخرة أو الخدمة قسراً أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق أو الاستعباد أو نزع الأعضاء.
4-  ويتمثل الالتزام في تجريم الاتجار بالبشر بصفته مجموعة من العناصر لا العناصر منفردة في حد ذاتها، ومن ثم فان أي سلوك يجمع بين أي من الأفعال والوسائل المذكورة ويسلك لأي من الأغراض المذكورة لابد من تجريمه بصفته اتجار بالبشر.
و على المستوى التشريعي صدر في سنة 2000 قانون يعد من اوائل التشريعات الصادرة في شأن مكافحة الاتجار بالبشر وهو قانون حماية ضحايا الاتجار والعنف الامريكي لسنة 2000 ، والذي عرف فيه صور الاتجار بالبشر، ولم يحدد المشرع الامريكي وسائل معينة يتم فيها فعل الاتجار بالبشر، وانما اعتبر استخدام الاكراه لاستغلال الشخص من الاشكال القاسية للاتجار، كما ان القانون الامريكي ذكر اشكال الاستغلال وهي الاستغلال الجنسي والعمل القسري وعرف كل صورة باعتبارها تشكل اتجاراً بالبشر، حيث عرف المتاجرة بالاشخاص لأغراض جنسية بانها (تجنيد شخص ما او ايواؤه او نقله او اتاحته للآخرين او الحصول عليه لغرض القيام بعمل جنسي لغرض تجاري).                                       

وعرف السخرة المرتبطة بتسديد دين ما مستخدماً مصطلح عبودية الدين بدلاً من اسار الدين بانها ( تدل على وضع او حالة المدين الناشئة عن تعهده بتقديم خدماته او خدمات شخص ما يخضع لسيطرته كضمان للدين، وذلك إذا لم تحتسب قيمة تلك الخدمات وفقا لتقييمها بصورة معقولة لغرض تصفية الدين، او إذا لم يتم تحديد وتعريف طبيعة تلك الخدمات وطول فترة تقديمها)، واستخدم لفظ العبودية بدلاً من الاسترقاق وعرفها بانها وضع او حالة شخص تمارس عليه جميع السلطات المتعلقة بحق الملكية .
أما على الصعيد العربي فتعد دولة الامارات العربية الدولة الاسبق بين الدول العربية في مجال اصدار تشريع يكافح الاتجار بالبشر، إذ عرف قانون مكافحة الاتجار بالبشر رقم  (51 ) لعام 2006 الاتجار بالبشر في المادة الأولى         

بأنه ” تجنيد أشخاص أو نقلهم أو ترحيلهم أو استقبالهم بواسطة التهديد بالقوة أو استعمالها و غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو إساءة استعمال السلطة أو إساءة استغلال حالة الضعف أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص أخر، لغرض الاستغلال ويشمل الاستغلال جميع أشكال الاستغلال الجنسي أو استغلال دعارة الغير أو السخرة والخدمة قسراً أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق أو الاستعباد أو نزع الأعضاء” .

 ويلاحظ ان هذا التعريف يتفق الى حد كبير مع التعريف الوارد في بروتوكول الاتجار بالاشخاص السابق الاشارة اليه، الا انه رفع (الايواء) كأحد الوسائل المتخذة للاتجار بالاشخاص، كما اورد صور استغلال المجني عليه حصرا وليس على سبيل المثال، وهذا موقف غير سليم، وقد يؤدي الى افلاة الجناة من العقاب فيما لو ارتكب الاتجار بالبشر لغرض استغلال المجني عليه لغرض التسول او المخدرات غيرها من صور الاستغلال التي قد تظهر، وهو موقف يجافي العدل ويتناقض مع مكافحة هذه الجريمة.
وعرف قانون مكافحة الاتجار بالبشر المصريِّ رقم 64 لسنة 2010 الاتجار بالبشر في المادة الثانية بأنه ” يعد مرتكباً لجريمة الاتجار بالبشر كل من يتعامل بأية صورة في شخص طبيعي, بما في ذلك البيع أو العرض للبيع أو الشراء أو الوعد بها. أو الاستخدام أو النقل أو التسليم أو الإيواء أو الاستقبال أو التسليم سواء في داخل البلاد أو عبر حدودها الوطنية إذا تم ذلك بواسطة استعمال القوة أو العنف أو التهديد بهما أو بواسطة الاختطاف أو الاحتيال أو استغلال السلطة أو استغلال حالة الضعف أو الحاجة أو الوعد بإعطاء أو تلقي مبالـــــغ ماليــــــــة، أو مزايا مقابل الحصول على موافقة شخص على الاتجار بشخص آخر له سيطرة عليه، وذلك كله إذا كان التعامل بقصد الاستغلال أيا كانت صوره، بما في ذلك الاستغلال في أعمال الدعارة وسائر أشكال الاستغلال الجنسي واستغلال الأطفال في ذلك، وفي المواد الإباحية أو السخرة أو الخدمة قسراً أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق أو الاستعباد أو التسول أو استئصال الأعضاء أو الأنسجة البشرية أو جزء منها”.

 ويتضح من خلال هذا التعريف أن المشرع المصري قد سار على نهج بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص وخاصة النساء والأطفال بإيراده وسائل الاتجار على سبيل الحصر وصوره على سبيل المثال، إلا أن المشرع المصري قد أضاف إلى أفعال الاتجار المنصوص عليها في البروتوكول مصطلحات أخرى وهي (البيع أو العرض للبيع أو الشراء أو الوعد بها أو الاستخدام  ).

وفي العراق صدر قانون مكافحة الاتجار بالبشر العراقي رقم (28) لسنة 2012 حيث عرف المشرع العراقي الاتجار بالبشر في المادة الاولى من القانون  بانه (يقصد بالاتجار بالبشر لأغراض هذا القانون تجنيد اشخاص او نقلهم او استقبالهم بواسطة التهديد بالقوة او استعمالها او غير ذلك من اشكال القسر او الاختطاف او الاحتيال او الخداع او استغلال السلطة او بإعطاء او تلقي مبالغ مالية او مزايا لنيل موافقة شخص له سلطة او ولاية على شخص اخر بهدف بيعهم او استغلالهم في اعمال الدعارة او الاستغلال الجنسي او السخرة او العمل القسري او الاسترقاق او التسول او المتاجرة بأعضائهم البشرية او لأغراض التجارب الطبية).
وهذا التعريف مشتق من التعريف الوارد في بروتوكول الاتجار بالاشخاص الملحق باتفاقية مكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية ، غيرأن المشرع العراقي أجرى عليه تعديلات عدة وهي رفع لفظ (تنقيل الاشخاص) الوارد في البروتوكول واكتفى بالأفعال الاخرى وهي (التجنيد والنقل والايواء والاستقبال) وان مصطلح التنقيل ضمن السياق والإطار القانوني في هذا المحل يعني (تحويل واعطاء السيطرة والتحكم بالضحية الى شخص اخر يسمى           

 ” المستلم ” للضحية، والنمط الشائع للتحويل هو بيع الاشخاص المتاجر بهم الى شخص أخر) وان الأفعال الاخرى المذكورة في القانون العراقي لا تستوعب هذا المعنى، كما نلاحظ ان المشرع العراقي لم يذكر (الممارسات الشبيهة بالرق) التي عرفتها الاتفاقية التكميلية للرق والتي تعد من حالات استغلال البشر التي يعاني منها المجتمع العراقي، مثل منح النساء تعويضا الى قبيلة او عشيرة اخرى (الفصل العشائري) و (زواج الشغار) الذي يعطي الرجل فيه ابنته او اخته الى اخر ليتزوجها في مقابل اخذه ابنته او اخته ليتزوجها بلا مهر فتكون كلا منهما مهرا للأخرى  .

و في تونس يعرف القانون عدد 61  المؤرخ في 3 أوت 2016 الاتجار بالبشر في فصله الثاني بأنه:” استقطاب أو تجنيد أشخاص أو نقلهم أو تنقيلهم أو تحويل وجهتهم أو ترحيلهم أو إيواءهم أو استقبالهم باستعمال القوة أو السلاح أو التهديد بهما أو غير ذلك من أشكال الإكراه أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال حالة استضعاف أو استغلال نفوذ أو تسليم أو قبول مبالغ مالية أو مزايا أو عطايا أو وعود بعطايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر وذلك بقصد الاستغلال أيا كانت صوره سواء من طرف مرتكب تلك الأفعال أو بوضعه على ذمة الغير لاستغلاله. ويشمل الاستغلال، استغلال بغاء الغير أو دعارته أو غيرها من أشكال الاستغلال الجنسي أو السخرة أو الخدمة قسرا أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق أو الاستعباد أو التسول أو نزع الأعضاء أو الأنسجة أو الخلايا أو الأمشاج أو الأجنة أو جزء منها أو غيرها من أشكال الاستغلال الأخرى”.

و لتتحقق جريمة الاتجار بالأشخاص لا بد من جملة من الأركان )المبحث الأول( و تتخذ عدة صور )المبحث الثاني)

المبحث الاول: أركان جريمة الاتجار بالبشر

يمكن القول بشكل عام أن الجريمة الجنائية هيكل سلوك ( فعل أو امتناع ) يقع اعتداء على مصلحة محمية جنائياً، ويكون المشرع قد جرِّم هذا السلوك مسبقاً وقرر له الجزاء الجنائي الخاص به، وأن يصدر هذا السلوك عن إرادة واعية مدركة مميزة حرة ومختارة .

و تقوم الجريمة على ثلاثة أركان أساسية، وهي:

– الرُكن الشرعي أو القانوني، ويعرف هذا الرُكن بأنّه المادة القانونية التي تأتي بتحديد أبعاد الجريمة وما يترتب على الإتيان بها من عقاب، ويكون ذلك مدرجاً في قانون العقوبات، ويعتبر وجوده إلزامياً إلى جانب كلّ جريمة، ففي حال وقوع الجريمة يتمّ التوصّل مباشرة إلى الجُرم أو العقاب المترتب عليها فوراً، وذلك وفقاً للقاعدة لا جريمة ولا عقوبة دون نصّ. والركن المادي تُعرف بأنّها كافّة الاعتداءات الماديّة والانتهاكات التي تكون بحقّ شيئاً ما محمّي قانوناً، ويعتبر الجانب هذا موضوعياً؛ ويعتمد على ثلاثة عناصر أساسيّة:

 -الفعل: هو عبارة عن نشاط أو سلوك إجراميّ،

   – النتيجة: هي كل ّما يترتب من مضارّ على الأفعال الإجراميّة.

 -العلاقة السببية، هي تلك الرابطة التي دفعت إلى الإتيان بهذا الفعل، وما يترتب عليه من نتيجة.

والركن المعنوي هو الجانب الذاتي الخاصّ بالجريمة مُباشرة، وهو بمثابة التعبير العميق للصلة ما بين النشاط الذهني الذي يُمارسه الفاعل والنشاط المادي الذي أتى به، ويتوفّر الركن المعنوي موجوداً فور صدور الفعل الإجراميّ عن إرادة الفرد؛ ويؤدي هذا الرُكن دوراً هاماً بالتعبير عن دراسة طبيعة العلاقة القائمة بين إرادة الفاعل من جهة وما ارتكبه الفاعل من فعل من جهة أخرى، وما ترتبّ على ذلك من نتيجة.

و جريمة الاتجار بالبشر تقتضي:

-1  وجود السلعة محل الاتجار: وهو الشخص الذي يباع و يشترى بالرضا للحاجة، أو بالقسر، أو بالاحتيال.

2-  السمسار(الوسيط): وهو العارض أو البائع للسلعة، مع إمكان النقل لها إلى المشترى في الأماكن المحددة.

3 – السوق: هو محل العرض للسلعة، و المكان الذي تدور به عمليه الاتجار عن طريق شبكة الانترنت أو الكترونيا او ماديا

4 – المستقبل: وهو الشخص أو الجماعة المستقبلة للشخص ( السلعة المباع أو المخطوف(، ويقوم باستغلال (السلعة) في السلوك الإجرامي وتحقيق الأرباح المادية، أو بنزع الأعضاء البشرية.

وتستوجب جريمة الإتجار بالبشر لقيامها ضرورة وجود الركن المادي (الفقرة الأولى) والركن المعنوي ( الفقرة الثانية) و الركن الشرعي ( الفقرة الثالثة)

الفقرة الأولى : الركن المادي

يتمثل الركن المادي لجريمة الاتجار بالبشر بالسلوك الإجرامي و الوسيلة المستخدمة:

– السلوك المادي: حيث يمكن ان تتم هذه الجريمة بأنماط مختلفة من السلوك. و يكون سلوكا ماديا ايجابيا يتمثل تجنيد أو نقل أو إيواء أو استقبال أو بيعاً للشخص الطبيعي محل الجريمة.
– الوسيلة المستخدمة في العملية: تختلف الوسيلة المستخدمة في جريمة الاتجار بالبشر من جريمة إلى أخرى، فقد تتم عن طريق الضغط على إرادة واختيار الضحية بالإكراه المادي أو الحسي أو الاختطاف أو بالضغط على الإرادة بالوسائل الأخرى غير الإكراه كالتهديد أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال السلطة أو استغلال حالة ضعف الضحية وحاجتها أو الوعد لمنح ميزة أو عطية أو مبالغ نقدية مقابل الحصول على موافقتها شخصيا أو موافقة من هو تحت سيطرته أو إيهامه بتوفير مجالات عمل شريفة خلاف الواقع.             

وتحدث جريمة الإتجار بالأشخاص بأفعال متعددة، ولكن يكفي ارتكاب فعل واحد ليكون جريمة مستقلة بذاتها.

و يالرجوع إلى البروتوكول المتعلق بمنع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص و خاصة النساء والأطفال المكمل لاتفاقية الأمم المتحدة، فإننا نجد المادة الثالثة فقرة “أ” التي تحصر الأفعال الإجرامية للسلوك المكون للركن المادي لهذه الجريمة، ومن خلال ذلك تتم صياغة المفهوم القانوني لمصطلح الاتجار  بالأشخاص.

وفي هذا الصدد تنص المادة 3 من نفس البروتوكول على تعداد الأفعال المكونة للركن المادي لهذه الجريمة، وهي التالية : التجنيد ، النقل، التنقيل،  والإيواء والاستقبال التي يعتبرها ركنا ماديا لجريمة الاتجار بالأشخاص.

 ويقصد بالتجنيد تطويع الأشخاص داخل الحدود الوطنية أو خارجها سواء تم ذلك عن طريق استخدام وسائل قسرية أو غير قسرية بقصد الاتجار بهم.

ومن بين الجرائم التي تم رصدها في ميدان الاتجار بالأشخاص، بالرجوع إلى التقارير التي أعدتها منظمة اليونيسيف سنة 2000، نجد ما يقارب 200 ألف طفل دون سن الثامنة عشرة يشاركون في نزاعات مسلحة في مختلف مناطق العالم حيث يقع تجنيدهم قسرا أو عبر حملات الدمغجة و غسل الدماغ.

و يُعدّ تجنيد الأطفال و استغلالهم أخطر أنواع الاتجار بالأشخاص لما ينطوي عليه من انتهاك لحقوق الطفل كالحق في التعليم والصحة والحياة بكرامة،علما وأن هذه الأنشطة وقع تجريمها في التشريعين الوطنيين التونسي والبلجيكي.
الفقرة الثانية: الركن المعنوي

على غرار باقي الجرائم، يمكن القول أن جريمة الاتجار بالأشخاص هي من الجرائم القصدية التي تستوجب توفر القصد الجنائي العام والقصد الجنائي الخاص. 

                     

 ففي خصوص القصد الجنائي العام، فيعرفه الفقهاء بكونه ارادة ارتكاب الجريمة مع العلم بالعناصرالمكونة لها.

و هذا القصد إذا هو العلم بكافة عناصر الجريمة مع اتجاه الإرادة إلى السلوك الإجرامي والنتيجة الإجرامية.

 و انطلاقا من هذه الجريمة، فإنه لابد من أن تكون إرادة الجاني متجهة الى القيام بالجريمة قصد تحقيق الأرباح و الإضرار بالضحية، حيث يرى فقه القضاء أن هذه الجريمة تفترض أن يكون الجاني عالما بأن الفعل الذي يرتكبه هو جريمة، و مع ذلك يقدم على ذلك الفعل بحيث تكون نيته متجهة نحو الاضرار بالضحية، لكن ما يطرح جدلا حقيقيا هو القصد الجنائي الخاص حيث يصعب الكشف عن هذا القصد  خاصة إذا ما وقع ارتكاب الجريمة تحت غطاء قانوني مثال الطبيب الذي يقوم مثلا بسرقة أعضاء المريض أثناء القيام بعملية جراحية بغرض الاتجار بها فيصعب ههنا إثبات الجريمة خاصة أن الطبيب ملتزم ببذل عناية و ليس بتحقيق نتيجة، و بالتالي فإنه يصعب إثبات نية القيام بالجريمة من عدمها       

 و بالتالي تتولد مسؤولية مدنية فقط للطبيب و يسهل التفصيّ من العقاب الجزائي تحت غطاء قانوني تشريعي يحميه، ففي هاته الحالة يصعب تحديد الجرائم كما أن هاته الجريمة تتداخل مع عدة أنشطة إنسانية، فيسهل بذلك لمرتكبي هاته الجرائم القيام بجرائمهم عند العمل باسم منظمة مثال الهلال الأحمر التي توفر مساعدات لحماية ضحايا الحروب و غيرها، و في هاته الحالة و خاصة زمن الفوضى و الحروب تنتعش مثل هاته الجرائم و يسهل على مرتكبيها القيام بها مثال الدخول مع منظمة إيهاما بالقيام بعمل إنساني لإنقاذ ضحايا الحروب  لكن يقع القيام بدور عكسي للإنقاذ و بالتالي ارتكاب جرائم الاتجار بالأشخاص،  لذلك فإن انتعاش هاته الجرائم في حالة الحروب يجعل من مهمة الكشف عن حقيقة هاته الجرائم مهمة صعبة للغاية فحتى و ان وقع الكشف عن مرتكبيها فسيقع التفصّي من العقاب تحت غطاء تشريعي أممي قانوني.

 كذلك هنالك أنواع من عقود الشغل التي تطرح عدة نقاط استفهام كعقود شركات الخدمات مثال جلب عاملات منازل ثم تقوم بكرائهن فهذا نشاط مباح ينتفي فيه ركن التجريم لكنه نوع من أنواع الاتجار بالاشخاص الذي يصعب اثبات الجريمة فيه.

 كذلك عقود تشغيل الأفارقة بالبلاد التونسية الذين يقع جلبهم من أجل العمل بأدنى الأجور المحددة بالنسبة للمواطن التونسي و بالتالي فإن هذا نوع من أنواع الاتجار بالبشر الذي يمنعه قانون مكافحة التمييز العنصري الا يعد ذلك تمييزا اقتصاديا و اتجارا بالأشخاص.

الفقرة الثالثة: الركن الشرعي                                                                          

و هي جملة النصوص القانونية التي تجرم الأفعال التي تشكل جريمة الاتجار بالأشخاص.   و يعاقب القانون الاساسي عدد 61 لسنة 2016 مؤرخ في 3 أوت 2016 المتعلق بمنع الاتجار بالأشخاص ومكافحته الاتجار بالأشخاص.                                                   

وهناك العديد من أشكال الاتجار بالأشخاص.                                                       

 المبحث الثاني: صور جريمة الاتجار بالأشخاص                                                

  تعاني معظم الدول من انتشار الظاهرة الإجرامية في الوقت الحالي بشكل كبير وسريع وبأشكال مختلفة، ومنها ظاهرة الاتجار بالبشر.                                                          

ويقف وراء الزيادة الكبيرة في انتشار هذه الظاهرة بأشكالها وصورها الانحلال الأخلاقي والفساد المالي والإداري الذي ساهم بشكل كبير في زيادة معدلات الفقر والبطالة وتدني المستوى المعيشي للأفراد، والأوضاع السياسية والأمنية المتأزمة التي دفعت بالأفراد إلى ترك بلدانهم واللجوء إلى الدول المجاورة خوفاً على أنفسهم وعائلاتهم….،                            

و تتمثل أشكال جريمة الاتجار بالبشر في الاستغلال الجنسي للنساء والأطفال ( الفقرة الاولى)، و العمل القسري والسخرة ( الفقرة الثانية)، والاسترقاق أو الممارسات الشبيهة به    ( الفقرة الثالثة)، و الاتجار بالأعضاء البشرية ( الفقرة الرابعة).                                        

   الفقرة الأولى: الاستغلال الجنسي للنساء و الأطفال                                               

إن جريمة الاتجار بالنساء تأخذ صور كثيرة ومتعددة ومنها العنف والاعتداء الجنسي الذي يتم من خلال عصابات منظمة تمارس هذه الاعتداءات ضمن نطاق جريمة الاتجار بالبشر، وهذه الجريمة تعتبر من أبشع الجرائم التي ترتكب في حق النساء، وذلك لكونها تمس كرامتهن وإنسانيتهن، فضلاً عن أنها أحد صور تجارة الرق.                                   

   وتعد الدعارة من أكثر الصور رواجاً و انتشاراً من صور الاستغلال الجنسي للنساء، حيث ينظر أفراد عصابات الاتجار بالبشر إلى النساء على أنهن سلع تعرض للبيع بهدف تحقيق وإشباع الرغبات والملذات الجنسية، فيتم استقطاب النساء اللاتي يعشن في ظروف معيشية متدنية جداً أو اللاتي ينشأن في أسر متفككة ويفتقدن لرقابة الأبوين، بالإضافة إلى فشل العلاقات الزوجية التي تبنى على أساس الإكراه وعدم رضا أحد الطرفين.

ومن صور استغلال النساء جنسياً العمل في الدعارة مقابل الحصول على المال، أو العمل في  شركات( Porn)  للتمثيل في الأفلام الإباحية بغض النظر مع من تشارك في الأفلام الإباحية سواء كان إنساناً، أو حيواناً، أو أي شيء آخر كالترويج للأدوات الجنسية المتعددة، أو يتم استغلالها من خلال تجارة زوجها بها وبيعها مقابل الحصول على المال.

ويقصد بالاستغلال الجنسي للأطفال استغلالهم من خلال استخدامهم لخدمة أي شكل من الأشكال الإباحية حيث يتم استخدام الأطفال لإشباع رغبات جنسية للأشخاص الآخرين مقابل الحصول على المال، ومن أشكال الاستغلال الجنسي للأطفال الممارسة الجنسية، البغاء، تصوير الطفل عارياً، أو الاستغلال الجسدي للطفل من خلال الوسائط المتعددة والإنترنت.

كما يقصد به اتصال جنسي بين طفل وشخص بالغ من أجل إرضاء رغبات جنسية عند الأخير مستخدماً القوة والسيطرة عليه.

ومعنى التحرش الجنسي أوسع من مفهوم الاستغلال الجنسي أو الاغتصاب البدني، فهو يقصد به أشياء كثيرة منها: كشف الأعضاء التناسلية أو إزالة الملابس والثياب عن الطفل أو ملامسة، أو ملاطفة جسدية خاصة، أو التلصص على طفل، أو تعريضه لصور فاضحة أو لأفلام، أو إجباره على التلفظ بألفاظ فاضحة.

ويتم الاستغلال الجنسي للأطفال بطرق متعددة ومنها، عمالة الأطفال، وتجنيد الأطفال، والتسول، والمواد الإباحية، والتبني، والسياحة الجنسية، ونزع الأعضاء، والعمل الجبري، والخدمات المنزلية، والنزاعات المسلحة، والأنشطة الإجرامية، وعمالة السخرة.

الفقرة الثانية: العمل القسري والسخرة

اهتمت منظمة العمل الدولية بموضوع السخرة والعمل القسري أو الخدمة القسرية على اعتبار أنها شبيه بالرق، حيث عرفت الخدمة القسرية بأنها” أن السخرة أو العمل القسري يشمل جميع الأعمال أو الخدمات التي تفرض عنوة على أي شخص تحت التهديد بأي عقاب، والتي لا يكون هذا الشخص قد تطوع بأدائها بمحض اختياره ولكن مع استثناء الخدمة العسكرية الإلزامية”.

وتعد ظاهرة العمل القسري ذات طابع عالمي، ولا توجد دولة بمنأى عنها، ولذلك عنيت التشريعات الدولية بمحاربة هذه الظاهرة ومواجهتها، من خلال حث الدول على تجريم العمل القسري والمعاقبة عليه بعقوبة جنائية، كما أن تحديد العمل القسري يتم من خلال الرجوع إلى طبيعة العلاقة ما بين العامل ورب العمل، وليس من خلال الرجوع إلى مشروعية العمل المؤدَّى، حيث أن طوعية العمل أو قيام العامل بالعمل بإرادته هو المعول عليه، فلا يشترط لإسباغ وصف العمل القسري على نشاط معين، أن يكون النشاط متوافقاً مع القوانين الوطنية، وبصرف النظر سواء أكان النشاط مشروعاً أم غير مشروع فإن ذلك لا يؤثر على كينونة العمل القسري المرتبطة بحرية العامل في العمل، وليس بنوعية أو مشروعية العمل الذي يقوم به.

الفقرة الثالثة: الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة به

ان الاسترقاق والعبودية وجهان لعملة واحدة، حيث عرفت العبودية بأنها الحالة أو الوضعية التي تمارس فيها بعض أو جميع حقوق الملكية على شخص ما، وعلى الرغم من أنها محظورة في المادة الرابعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، والتي تنص على أنه لا يجوز استرقاق أحد أو استعباده، إلا أنها موجودة حتى الآن في معظم البلدان.

أما الممارسات الشبيهة بالعبودية فتعرف بأنها  الفعل الرامي إلى نقل أو الشروع في نقل أو محاولة نقل العبيد من دولة إلى أخرى بأي وسيلة نقل كانت، أو تسهيل ذلك، وكذلك أية عمليات تتضمن محاولة تشويه أو كي أو وسم عبد ما أو شخص ما ضعيف المنزلة سواء للدلالة على وضعه أو لعقابه أو لأي سبب أخر كان أو المساعدة على القيام بذلك.

وبالإضافة إلى الاسترقاق والعبودية هنالك ممارسات تشبه العبودية كإسار الدين و القنانة، حيث يعتبر إسار الدين بمثابة ارتهان مدين مقابل تقديم خدمات شخصية لشخص تابع له مقابل سداد دين عليه، أما القنانة فهي وضع يلزم الشخص بالعيش والعمل على أرض شخص آخر، ويكون ملزم بتقديم الخدمات له سواء كان بمقابل أو بدون مقابل، علماً بأن الشخص الأول لا يملك الحرية في تغيير وضعه.

الفقرة الرابعة: الاتجار بالأعضاء البشرية

إن جريمة الاتجار بالأعضاء البشرية أحد أشكال الاتجار بالبشر، فهي جريمة موجهة ضد الإنسانية لكونها تجعل من جسم الإنسان سلعة تباع وتشترى وهو ما يعد انتهاكاً لحق الإنسان في حماية حياته وحفاظه على جسده وكرامته التي حفظتها له الشريعة الإسلامية والقانون.

و جريمة الاتجار بالأعضاء البشرية هي جريمة تتنافى مع الطبيعة البشرية، وذلك لأن الشريعة الإسلامية ومختلف الأديان السماوية قدست الجسد وحرمت الاعتداء عليه بأي شكل من الأشكال، فهذه الجريمة جعلت جسم الإنسان موضعاً للتجارة يتم من خلالها استبدال الأعضاء وبيعها مقابل الحصول على المال، ومن خلالها يستطيع الأثرياء شراء أي عضو يحتاجونه في حال تعرضهم هم أو أحد أفراد أسرهم للمرض كتلف العضو أو إصابة العضو بمرض يستحيل منه الشفاء كالفشل الكلوي أو الكبد على سبيل المثال.

ويقصد بالاتجار بالأعضاء البشرية كل عملية تتم بغرض بيع أو شراء للأنسجة أو عضو أو أكثر من الأعضاء البشرية وهي تجارة حديثة بالمقارنة بتجارة الأشخاص، أما التبرع بدون مقابل فلا يعد من أعمال التجارة في الأنسجة أو الأعضاء البشرية.

وغالباً ما تتم جريمة الاتجار بالأعضاء البشرية لصالح الأغنياء على حساب الفقراء، ويكون القاسم المشترك بينهم مجموعة من الأطباء أو الذين يعملون في المهن الطبية كالمختبرات، حيث أن هذه الفئة هي التي تسهل عملية البيع والشراء ونقل العضو من جسد الضحية إلى جسد المستفيد، وقد تتم سرقة العضو من جسد الضحية بشكل قسري، حيث يتم خداعه ونقله إلى مكان الجريمة عن طريق التغرير به، كأن يتم خطف الطفل ومن ثم تخديره وإجراء الفحوصات الطبية الشاملة له للتأكد من سلامته الجسدية، وفيما بعد يقوم الطبيب الذي لا يمتلك من أخلاق وشرف مهنة الطب شيء باستئصال العضو المتفق عليه وبيعه للزبون.

ونظراً لخطورة هذه الجريمة التي قد يترتب عليها وفاة الشخص الذي يتم سرقة واستئصال أحد أعضائه، أو إصابته بعاهة مستديمة، الأمر الذي ترتب عليه اتجاه الدول إلى تشريع قانون لتنظيم عملية ونقل وزرع الأعضاء البشرية وتجريم سرقتها أو الاعتداء على الجسد البشري، ويكون هذا القانون إلى جانب قانون مكافحة الاتجار بالبشر على الرغم من أن ظاهر الاتجار بالأعضاء البشرية تعتبر أحد أشكال وصور الاتجار بالبشر.

و قد صدر في تونس القانون عدد 22 لسنة 1991 المؤرخ في 25 مارس 1991 المتعلق بأخذ الأعضاء البشرية و زرعها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق